وجهات نظر

الإبداع ليس حكرًا على الفقراء (3-2)

الإبداع ليس حكرًا على الفقراء (3-2)


الإنسان قد يجد صعوبة في تقبل أن يجتمع لشخص واحد أكثر من نعمة؛ فيستكثر عليه أن يكون غنيًا ومتعلمًا، أو جميلًا ومبدعًا، أو صاحب نسب عريق وصاحب إنجاز علمي، أو ذا منصب رفيع وصاحب ثقافة واسعة. وكأن الأرزاق يجب أن توزع وفق تصور البشر، لا وفق ما يقدره الله سبحانه وتعالى.
وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه الطبيعة البشرية في قوله تعالى:

﴿أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ ۚ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾.

فالناس قد تختلف في مواهبها وأرزاقها وظروفها، وليس لأحد أن يعترض على اجتماع النعم عند شخص أو افتقادها عند آخر.

ومن منظور علم النفس، فإن المقارنة الاجتماعية قد تدفع بعض الأفراد إلى محاولة تقليل قيمة إنجازات الآخرين حفاظًا على صورتهم الذاتية. فبدل الاعتراف بأن شخصًا آخر اجتهد ونجح، يصبح من الأسهل نفسيًا إقناع الذات بأن نجاحه جاء بسبب المال أو النفوذ أو الوساطة أو الشهرة أو الجمال.

النقد الموضوعي ضرورة لأي مجتمع، لكن الخطأ يكمن في تحويل الشك إلى قاعدة عامة، وافتراض أن كل ناجح ميسور الحال أو من أصول عريقة لم يصل إلى مكانته باستحقاق.

الجذور النفسية للاستكثار على الآخرين

ومن زاوية علم النفس، يفسر بعض الباحثين هذا السلوك بوجود نزعة لدى بعض الأشخاص إلى احتكار دائرة الاهتمام والتميز. فهؤلاء لا يجدون صعوبة في النجاح الشخصي فحسب، بل يجدون صعوبة أكبر في رؤية نجاح الآخرين. وقد يلجؤون إلى التقليل من إنجازات غيرهم أو تفسيرها دائمًا بالوساطة أو المال أو الجمال أو النفوذ، لأن الاعتراف بجدارة الآخرين يفرض عليهم إعادة النظر في تصوراتهم عن أنفسهم. وهذه النزعة قد ترتبط أحيانًا بتضخم الأنا أو ضعف تقدير الذات أو الميل إلى المقارنة المستمرة، وهي صفات تفسد صفاء النفس وتحرم صاحبها لذة الفرح بإنجاز الآخرين.

التاريخ يشهد: الإبداع لا يعرف عنوانًا واحدًا

ولو تأملنا تاريخ الحضارة الإنسانية لوجدنا أن كثيرًا من أعظم الإنجازات خرجت من قصور الملوك والأمراء، ومن الجامعات الممولة، ومن الأسر الثرية التي وفرت لأبنائها أفضل التعليم، كما خرجت أيضًا من أحياء فقيرة وأكواخ متواضعة. فالإبداع لا يعرف عنوانًا واحدًا.

ويكفي أن نتأمل سيرة أمير الشعراء أحمد شوقي، الذي نشأ في أسرة ميسورة، وعاش في قصره المطل على النيل، وتلقى تعليمًا راقيًا داخل مصر وخارجها، ومع ذلك أصبح أحد أعظم شعراء العربية، ولم تمنعه الثروة من أن يبدع، بل ربما هيأت له فرصة أوسع للقراءة والاطلاع والتفرغ للأدب.

وفي عالم السياسة والثقافة برز ونستون تشرشل، المنتمي إلى أسرة أرستقراطية، ولم يكن رجل دولة فحسب، بل كاتبًا ومؤرخًا حائزًا على جائزة نوبل في الأدب.

وفي العلوم، يُعد تشارلز داروين مثالًا لعالم نشأ في أسرة ميسورة، واستطاع بفضل استقلاله المالي أن يتفرغ سنوات طويلة للبحث العلمي.

بل إن التاريخ الإسلامي نفسه يقدم نماذج لعلماء وأدباء وتجار أثرياء جمعوا بين المال والعلم والكرم، ولم ير أحد في ثروتهم انتقاصًا من علمهم أو مكانتهم.

كما عُرف عدد من الأمراء والسلاطين برعاية الفنون أو ممارستها بأنفسهم، ومن أشهرهم إبراهيم بن المهدي، الذي كان موسيقيًا ومغنيًا بارعًا، حتى عدّه المؤرخون من أعلام الموسيقى في عصره، إلى جانب مكانته السياسية.

وفي الأدب العربي يظل أمير الشعراء أحمد شوقي نموذجًا واضحًا على أن الثراء لم يمنع الإبداع، بل هيأ له بيئة ثقافية وتعليمية واسعة. وكذلك أبو فراس الحمداني، الذي جمع بين الإمارة والفروسية والشعر، ولا تزال قصائده من عيون الأدب العربي حتى اليوم. ويبرز أيضًا المعتمد بن عباد الذي كان ملكًا وشاعرًا رقيق الإحساس، وخلّدته قصائده كما خلّدته سيرته السياسية. وكان علي بن أبي طالب معروفًا بالفصاحة والحِكَم، أما الخلفاء والأمراء في العصرين الأموي والعباسي، فقد وُجد بينهم شعراء وأدباء وموسيقيون ورعاة للفنون....يتبع الجزء الثالث والاخير.