وجهات نظر

زيارة ملكية إلى الصين

زيارة ملكية إلى الصين

يزور جلالة الملك عبدالله الثاني الصين في لحظة دولية فارقة، حيث يبلغ التنافس الاقتصادي أشده بين دولة صاعدة هي الصين، وغرب ما يزال يعيد تعريف قواعد الاشتباك والتعاون معها.
الزيارة التي أعلن عنها الديوان الملكي وتهدف إلى الارتقاء بالعلاقات بين البلدين، لا سيما في المجال الاقتصادي، تأتي في توقيت مدروس جداً للأردن.

هذه الزيارة لها أبعاد اقتصادية مهمة بلا شك، فالصين اليوم ثاني أكبر اقتصاد في العالم، ونحن في الأردن نبحث عن تنويع الخيارات مع الحفاظ على التحالفات التاريخية.

الصين لا تبحث فقط عن سوق، بل عن شريك مستقر في قلب منطقة مضطربة. والأردن في المقابل لا يبحث عن بديل لواشنطن أو بروكسل، بل عن مساحة إضافية ضمن رؤية التحديث الاقتصادي. جدول أعمال الزيارة يؤكد ذلك: سلسلة لقاءات مع الرئيس الصيني شي جينبينغ وكبار المسؤولين وفعاليات اقتصادية صينية تتناول سبل تعزيز التعاون في مختلف المجالات.

الفرص المطروحة واضحة: السياحة، الفوسفات، البوتاس، الطاقة، النقل، وإنشاء الجامعة التقنية الصينية، وهي قطاعات تحتاج لرأس مال صبور وتكنولوجيا متوسطة الكلفة، وهذا بالضبط ما تقدمه الصين.

الصين اليوم باتت محوراً مهماً ينتج الاقتصاد ويقدم النموذج المختلف، ويلعب دورها السياسي المدعوم باقتصاد قوي حضوراً في المنطقة له وزنه.

هنا تكمن نقطة قوة بكين بالنسبة لعمان: دولة كبرى مسؤولة تتمسك بمبدأ المساواة بين الدول، وهذا الخطاب مهم لدولة متوسطة مثل الأردن. والأهم، الصين هي شريك مهم لجيراننا في الخليج العربي، وهي تملك علاقات وازنة مع إيران، في حرب إقليمية لم تتشكل نهايتها بعد.

والأردن الذي يقف في الوسط، يحتاج لقناة حوار مع كل الأطراف، والصين من القلائل الذين يستطيعون الجلوس مع الأطراف كافة.

الزيارة الملكية إلى الصين لها أبعاد مهمة، ولا تُقاس بعدد الاتفاقيات التي ستُوقع في بكين، بل بقدرتها على وضع الأردن على خريطة التوازنات الجديدة.

في إحصائية أولية، زار الملك عبدالله الثاني الصين 8 مرات منذ توليه العرش، أبرزها في أيلول 2015، وهي الزيارة التي تم فيها التوقيع على بيان رفع العلاقات إلى الشراكة الاستراتيجية وافتتاح الجناح الأردني في معرض الصين والدول العربية في ينتشوان كضيف شرف.

ووزن العلاقات التجارية مع الصين يبدو جليا في قطاعات مهمة مثل البوتاس والفوسفات، حيث الصين مستورد أول، وفي شراكة مشروع الصخر الزيتي، وغيرها من الشراكات إذ تبلغ نسبة السيارات الكهربائية الصينية في الأردن هي الأعلى.

هذه خلفية تجارية لها بعد سياسي.. في عالم لم يعد أحادي القطب، من يملك القدرة على الحديث مع الجميع، يملك القدرة على حماية مصالحه. بكين تملك رأس المال والتكنولوجيا، وعمّان تملك الموقع والاستقرار والشرعية، والتقاء الاثنين هو الترجمة العملية لرؤية التطوير الاقتصادي حيث انفتاح محسوب يحفظ التحالفات ويصنع فرصاً جديدة، تلك هي حكمة السياسة الخارجية الأردنية التي يرسخها الملك منذ ربع قرن.