وجهات نظر

قصرة .. إرهاب المستوطنين أزمة لإسرائيل

قصرة ..  إرهاب المستوطنين أزمة لإسرائيل


تحولت قرية قصرة الواقعة جنوب نابلس بسبب الحصار الإستيطاني الإسرائيلي إلى عنوان بارز في النقاشات حول ما يجري في الضفة الغربية المحتلة، وحدود السلطة الفلسطينية، وتصاعد إرهاب المستوطنين. فالأحداث التي شهدتها القرية لم تكشف فقط حجم التوتر الميداني بين الفلسطينيين والمستوطنين، بل أعادت طرح سؤال أكثر عمقا، إلى أين يقود المسار الذي تتخذه إسرائيل في الضفة الغربية؟.
ما يجرى في هذه القرية الفلسطينية الآمنة، وفق ما تناولته الصحافة الإسرائيلية، هو بالضبط إعتداءات واحتكاكات متصاعدة، من المستوطنين، تحت مرأى ومسمع القوات الإسرائيلية التي لا تتدخل لحماية الفلسطينيين العُزّل، لا بل إن ما حدث هو مشاركة الجنود الإسرائيليين في فرض قيود على سكان القرية، وفي المقابل، وجد جيش الإحتلال نفسه أمام معادلة معقدة، فهو مطالب من جهة بفرض الأمن ومنع الاحتكاك، لكنه يعمل في بيئة سياسية تمنح التيارات الاستيطانية المتشددة مساحة واسعة للإعتداءات على الفلسطينيين في قراهم ومنازلهم.

وتكمن خطورة أحداث قصرة في أنها لا تبدو حادثة منفصلة أو عابرة، بالنسبة لإسرائيل، فالتحليلات الإسرائيلية ترى أن ما يجري يمثل نتيجة لمسار أوسع في الضفة الغربية، يقوم على توسيع البؤر الاستيطانية وفرض وقائع جديدة على الأرض، تحت عناوين أمنية وسياسية، بينما تحمل هذه التحركات في جوهرها أبعادا أيديولوجية ودينية يتبناها اليمين المتشدد الحاكم.

فالقراءات، تذهب الى مديات أبعد من ذلك، فالمشكلة لم تعد مقتصرة على مجموعة من المستوطنين المتطرفين، وإنما أصبحت مرتبطة بصورة إسرائيل نفسها، فالمشهد الذي يصل إلى العالم الذي يراقب عن كثب لا يتيح لإسرائيل، وفق هذا الطرح، الاستمرار في الفصل بين الحكومة الإسرائيلية وبين ما يقوم به المستوطنون في الضفة الغربية المحتلة، خصوصا عندما لا تكون هناك إجراءات حاسمة لمحاسبة المتطرفين المعتدين.

السؤال الأبرز الأن، لماذا يصمت العالم عن هذه الإنتهاكات ضد الشعب الفلسطيني الأعزل الذي يظهر رباطة جأش وصبر غير عادي؟، صحيح أن الحكومة الأميركية إنتقدت هذه الإعتداءات، وكان هناك موقف واضح للرئيس الأمريكي ترمب خلال لقائه الأخير مع نتنياهو بواشنطن، هذه الإنتقادات أعادت إلى الواجهة أجواء التوتر المتزايدة بين حكومة بنيامين نتنياهو والإدارة الأميركية بشأن الضفة الغربية، وهو ما تدركه المؤسسة السياسية والأمنية الإسرائيلية أن استمرار هذه الممارسات يضع إسرائيل أمام مشكلة سياسية متصاعدة، خصوصا في وقت تحاول فيه الحصول على دعم واشنطن في ملفات أخرى بالمنطقة.

الغريب في الأمر ان أحداث قصرة كشفت أيضا مسؤولية أحزاب المعارضة ومصداقيتها في الشارع الإسرائيلي، حيث أصبحت اختبارا حقيقيا للمعارضة، التي لم تتخذ موقفا واضحا وحاسما من إرهاب المستوطنين، فالأجدى ان تغيير الحكومة وحده الآن لم يعد كافيا إذا بقيت الرؤية العامة تجاه الضفة الغربية المحتلة على حالها بدون بلورة رؤية سياسية، بعد سلسلة الجروب التي خاضتها إسرائيل في المنطقة.

في البعد المستقبلي لما يجري في قصرة، التي أضحت مرآة لوجه الإحتلال الحقيقي ونواياه لمستقبل الضفة الغربية، فهناك مشروع يسعى إلى تكريس السيطرة الإسرائيلية وتوسيع الاستيطان وفرض وقائع جديدة، مقابل التحذيرات من أن هذا المسار قد يقود إلى دولة واحدة مضطربة، يعيش فيها شعبان في حالة صراع دائم.

فأخطر ما تكشفه أحداث قصرة ليس فقط حجم الهمجية التي تعرض لها الفلسطينيون، وإنما احتمال تحول العنف الاستيطاني إلى عنصر دائم في المعادلة السياسية والأمنية، فكل اعتداء جديد يفاقم الاحتكاك، ويزيد عزلة إسرائيل، ويضع جيش الإحتلال أمام مهمة أكثر صعوبة، ويعمق الفجوة مع ما تبقى من حلفاء.

فقصرة، ليست مجرد قرية تواجه اعتداءات متكررة، بل أصبحت عنوانا لصراع أوسع داخل إسرائيل نفسها حول السؤال الأكثرإلحاحا ، هل تستطيع إسرائيل مواصلة فرض وقائع جديدة في الضفة من دون أن تدفع ثمنا سياسيا وأمنيا ودوليا متزايدا؟ هذه المرة الجواب متاح: الأمر يبدو أكثر تعقيدا وكُلفة من أي وقت مضى.