وجهات نظر

السردية .. الأردن يبحث عن حقه الشرعي في التاريخ

السردية  ..  الأردن يبحث عن حقه الشرعي في التاريخ


ظل ارتباط الأردنيين بتاريخ بلادهم القديم مبهما وملتبسا. ولعقود طويلة مضت، خضع الأردن لسرديات خارجية ظالمة ومفترية، صورت بلادنا بأنها مجرد جغرافيا مهملة وفائضة عن حاجة الإقليم. وكان أحد أهم أسباب هذه الإشكالية، ما حملته قرون الحكم العثماني لمنطقتنا من موات حضاري، وما صنعته مشاريع التقسيم من حساسيات قطرية، بدا معها وكأن الأردن قطعة هبطت من السماء على الأرض، لا جزءا أصيلا من المنطقة، تعاقبت عليه حضارات وأمبراطوريات، وسكنها الإنسان منذ أكثر من مليوني سنة مثلما تثبت الحفريات الأثرية.

دائما ما كان يلفت النظر، علاقة الأردني بالمواقع التاريخية والأثرية التي تزخر بها بلادنا كشواهد عالمية على حضارات أثرت البشرية ثقافة ومعرفة. يتجول الواحد منا في البترا، عاصمة الأنباط، والتحفة الفنية الأكثر جمالا في العالم، كما لو أنه سائح أجنبي يتأمل جمال المكان، دون أن يدرك معنى ارتباطه فيه، ودون شعور أن من عاشوا على هذه الأرض وشيدوا واحدة من أعظم الحضارات، هم أجداده، وأن إنسان اليوم الأردني، هو الوريث التاريخي لتلك الحضارات.
نجحت الدولة في سنوات المملكة الرابعة بتقديم سردية متقدمة لمسار الدولة الأردنية بعد مائة عام على قيامها. مثلما قدمت الدولة أيضا وثيقة سردية محكمة لإنجازات الأردن والأردنيين، بعد ربع قرن من حكم الملك عبدالله الثاني، حملت عنوان "الانتقال الكبير".

بقيت المهمة الأصعب والأكبر؛ سردية الأردن: "قصة الأرض والإنسان"، فتصدى لإطلاق مشروعها ولي العهد الأمير الحسين بن عبدالله الثاني. ولهذا قيمة ودلالة. الهاشميون الذين أسسوا الدولة الأردنية الحديثة، وحفظوا هوية شعبها الأردني؛ دستورا، ودولة ومؤسسات، يمضون أبعد من ذلك، لصون تاريخ الأردن وإنسانه وتأصيل هذا المسار التاريخي، في سرد لعلاقة امتدت لقرون ما قبل التاريخ، توثق علاقة الإنسان بالجغرافيا الأردنية، وتربط هذا الإرث الحضاري بمستقبل الأجيال القادمة من الأردنيين.

والأردني المعاصر في القصة ليس مجرد زائر للتاريخ، إنه الابن الشرعي لهذا الإرث العريق والممتد للحضارات. وذلك لا يعني حفظ العصور والإمبراطوريات التي تعاقبت على أرضنا وشكلت تاريخها، إنما جسر الهوة بين تلك الحضارات وعالمنا المعاصر، ومستقبل الإنسان الأردني.

لقد ساهمت عوامل ثقافية ودينية في بناء علاقة متبادلة بين التاريخ والإنسان في الأردن. فبحكم الهوية العربية الإسلامية للأردنيين، والحضور التاريخي للمكون المسيحي، فإن صلة الأردنيين بالشواهد الإسلامية والمسيحية في بلادنا تبدو قوية وملحوظة في هويتهم وشعورهم بالفخر بهذا الارتباط التاريخي.

لكن ذلك لا ينسحب على العلاقة مع تاريخ الحضارات القديمة التي مرت على بلادنا. نجاحنا في بناء سرد تاريخي محكم لقصتنا مع الحضارات، بتنوعها وتعددها، سيساهم إلى حد كبير في تطوير هوية وطنية واثقة ومنفتحة على ثقافات الآخرين. هوية لا تخشى أن تذوب في ثقافة الآخرين، أو تصغر أمامهم.

التحدي كبير، والمسؤولية ثقيلة على كاهل جميع المؤسسات، والفاعلين في الشأن العام. نحن في عالم تكاد تتلاشى فيه الثقافات الوطنية ويتخلى الإنسان عن كونه عضوا في مجتمع ، ليغدو مجرد فرد منفصل عن ثقافته، يعيش في عالم افتراضي بلا هوية أو تاريخ. ومع ذلك، فإن ذات المنصات التي تحمل كل هذه الشرور، تمنحنا فرصة للمنافسة في رواية قصتنا والوصول للأردنيين والأجانب أيضا.

وفي مجتمعنا المعهود بتقاليد التواصل الوجاهي المباشر عبر منصاته الحقيقية وليس الافتراضية، يمكن لسرديتنا أن تنال قسطا من الاهتمام والتأثير عبر التراكم الزمني، في المدارس والجامعات والأحزاب وصالونات الثقافة وأندية ومراكز الشباب، ودواوين العشائر والعائلات.

باختصار، السردية هي رحلة الأردني في البحث عن حقه الشرعي في التاريخ. رحلة مشرفة وممتعة للأجيال الجديدة من الشباب الأردنيين.