وجهات نظر

زيارة ناجحة لرئيس مجلس النواب

زيارة ناجحة لرئيس مجلس النواب

يراكم رئيس مجلس النواب، مازن القاضي، في الزيارة التي قام بها الى فيتنام على رأس وفد نيابي هام، على العمل الذي أنجزه جلالة الملك قبل عدة أشهر في زيارته الى فيتنام، وما حققته الزيارة الملكية من نتائج هامة استدعت أن يقوم القاضي بزيارته الأخيرة.
انطلاق القاضي في زيارة فيتنام كمحطة مهمة الى جنوب شرق آسيا يشكل ذراعاً سياسياً بالحياة للمجلس الذي تفرغ للشأن الداخلي منذ وصول القاضي الى موقعه رئيساً للمجلس،حيث كانت الانتخابات وورش تشكيل اللجان وتطبيق النظام الداخلي، وإقرار الموازنة، حتى إذا ما تم الدوران وبدأ صوت المجلس مسموعاً ومداولاته متوازنة ومسموعة وقائمة، قامت هذه الزيارة الى فيتنام، والتي سبقتها زيارات تكرس دوراً سياسيا فاعلاً لدبلوماسية مجلس النواب التي عرفت عنه بنجاح وستعرف أكثر في ظل ما تمثله قيادة العام الماضي من توازن ووعي وتفعيل ومشاركة جدية في العمل النيابي والحزبي والسياسي.

في السياسة لا لصداقات دائمة ولا العداوات مستمرة والدول التي تعرف مصالحها هي الدول التي تأخذ وتعطي بمزيد من المرونة والسعي للبناء في هذه المصالح، ولعل فيتنام كانت نموذجاً متطوراً في جنوب شرق آسيا، فبعد صراعات وحروب طاحنة شنتها الولايات المتحدة الأمريكية على فيتنام، دمرت فيها الشجر والحجر، وقتلت الملايين وأحرقتهم بالنابالم، توقفت الحرب نتاج صمود المقاتلين الاسطوري بقيادة القائد الفذ هوشي منه، الذي وضع مازن القاضي أكليلاً من الورود على ضريحه تكريماً للشعب الفيتنامي ولرمزية القائد الفيتنامي الذي قاد شعبه الى النصر، ولعل تبدل السياسات الأمريكية وخروج الأمريكيين ضد الحرب على فيتنام هو من أحد أسباب وقف هذه الحرب خاصة الصورة التي وزعت للطفلة الفيتنامية الهاربة التي لم تتجاوز (12) سنة مضروبة بالنابالم وتركض أمام جندي أمريكي، واسمها "فان ثي كين فوك" لقد كان المنظر كفيلاً بتحريك الرأي العام الأمريكي ضد المأساة فتوقفت الحرب، وقد طلبت الولايات المتحدة الأمريكية التفاوض في باريس، وحين وصل وفد المفاوضات الفيتنامي الى باريس عمد الأمريكيون أن يحجزوا للوفد فندقاً فخماً، ولكنهم لم يجدوا الوفد الذي وصل، فقد ذهب الوفد الفيتنامي لينام في بيوت الطلاب الفيتناميين وامتنع عن قبول الحجز الأمريكي، وقال للأمريكيين! "لو أردنا الفنادق لما قاتلناكم"، وهناك قصص كثيرة عن عناد الشعب الفيتنامي وصموده وصلابته، لكن لا عداء دائما ولا ايديولوجيات، وتغيرت اشياء كثيرة، ولكن التضحيات بقيت صفحات خالدة في تاريخ فيتنام الذي وقف عليه القاضي والوفد المرافق له.

واصبحت فيتنام جمهورية اشتراكية حرة واقتصاداً منفتحاً بتجربة خاصة متوازنة اقرب الى نمط الاقتصاد الصيني، وارتفعت في سمائها لافتات البضائع الاستهلاكية، بما فيها وجبات الطعام السريع والكولا والماك وغيرها، ونافست تجارتها الحرة في مجال الملابس ودولاً عديدة، إذ غطت أسواقاً في أمريكا وكندا، حيث كتب على البضاعة وبعضها يصلنا في الأردن "صنع في فيتنام"، وهو متقن، خاصة آليات تصفية المياه وكثير من المعدات الزراعية، وتستورد فيتنام الأسمدة من الأردن وتفتح صفحات عريضة من العلاقات الواعدة التي حسمها الملك عبد الله الثاني في زيارته الأخيرة الى فيتنام والتي شملت الهند وسنغافورة وكازاخستان ودولا عديدة أخرى في جنوب شرق آسيا، كلها من ذوات الاقتصاد الواعد وخاصة ماليزيا.

القاضي في كل الكلمات التي ألقاها في مناسبات عدة في الزيارة وبعضها كان رسمياً، من احتفالات ومواقف رسمية، ظل يؤكد على عمق علاقات البلدين اللذين دشنا علاقات ثنائية على مختلف الأصعدة، خاصة وأن القاضي وسع إطار زيارته ليلتقي الدبلوماسيين العرب والأجانب في هانوي عاصمة فيتنام.

رؤساء البعثات الذين التقاهم القاضي، أكدوا أهمية الزيارة وأهمية العلاقات الأردنية الفيتنامية في فتح صفحات جديدة مع هذا البلد الهام صاحب التجربة العميقة في بناء دولة ذات طراز مختلف، وكانت هذه الزيارة قد جيّرت جانباً كبيرا منها لصالح الانتصار الفلسطيني في المحافل الدولية، إذ إن السياسة الأردنية التي وضع أسسها الملك عبد الله الثاني وقامت عليها الدولة الأردنية تعتبر قضية فلسطين قضية وطنية أردنية تنشط السياسة الأردنية من أجلها، وهي ترفع شعار حل الدولتين واقامة دولة فلسطينية مستقلة على التراب الوطني الفلسطيني،وكانت من اوائل الدول التي دعت لذلك ودعمت هذا التوجه حين استمر الدعم الفيتنامي لفلسطين لسنوات طويلة، ومنذ الجنرال جياب العسكري والقائد السياسي الفذ هو شي منه.

وكانت كلمة القاضي مؤثرة وهو يزور قلعة تانغ لونغ، وقد سجلها التلفزيون الفيتنامي وبثها رسمياً الى الجمهور وتناقلتها وسائل الاعلام، مؤكدة صلابة العلاقات ومتانتها، كما زار القاضي متحف التاريخ العسكري، وقد اهتم به الجنرالات كونه كان واحداً منهم حين كان منخرطاً في السلك العسكري والأمني قبل أن يصبح رئيساً لمجلس النواب، وهم يحترمون الرتب العسكرية ويجلون العسكريين الأصدقاء، وهذا ما شعر به القاضي في ثنايا زيارته الناجحة.

زيارة القاضي بدت ناجحة جداً ،وهي تؤهل المجلس أن يخوض مثل هذه التجربة في زيارات لاحقة، حيث يعتبر البرلمان أداة تمثيل وسياسة خارجية ناجحة إذا ما أحسن ادارة الفرص وانسجم وسياسات الدولة في التنسيق مع "الخارجية" واعادة تفعيل الدبلوماسية الشعبية مرة اخرى.

مبارك الزيارة الناجحة ونجاحها .. والى الأمام دائما لمواكبة الخطى الملكية وتدعيمها.