ديني

ثمرات اتصاف المسلم بالرحمة

ثمرات اتصاف المسلم بالرحمة

للعلّم - الـحمد لله الذي له ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه الـمصير، والصلاة والسلام على نبينا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.


أما بعد:

فعندما يتزين المسلم بصفة الرحمة، فإنه يترتب على ذلك آثار طيبة ومباركة، نستطيع أن نوجز ها في الأمور التالية:

(1) على قدر رحمة المسلم بالناس ترتفع درجته عند الله؛ ولهذا كان الأنبياء عليهم السلام أرحم الناس، وكان خاتمهم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم أوفرهم نصيبًا من هذا الـخلق، حتى كانت رسالته رحمة للعالمين.


قال الله سبحانه: ﴿وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ﴾ [الأنبياء: 107].


♦ قال ابن عباس: هو عام في حق من آمن ومن لم يؤمن، فمن آمن فهو رحمة له في الدنيا والآخرة، ومن لم يؤمن فهو رحمة له في الدنيا بتأخير العذاب عنهم ورفع المسخ والخسف والاستئصال عنهم؛ [تفسير البغوي، ج: 5، ص: 359].


وقال سبحانه: ﴿فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ﴾ [آل عمران: 159]، وقد لازم هذا الـخلق في أشد الأوقات.


(2) الرحمة تفتح أبواب الرجاء والأمل، وتثير مكنون الفطرة، وتبعث على صالح العمل، وتغلق أبواب الخوف واليأس، وتشعر المؤمن بالأمن في حياتيه الدنيا.


(3) الرحمة تجعل المسلم يتعامل مع أهل المعاصي بالرحمة وبالحكمة والموعظة الحسنة.


(4) المؤمن مع تقربه إلى الله بعمل الصالحات، وتوقيه لكل ذنب، إلا أن قلبه خائف من الآخرة، متطلع إلى رحمة ربه وفضله.


قال الله تعالى: ﴿أَمَّنْ هُوَ قَانِتٌ آنَاءَ اللَّيْلِ سَاجِدًا وَقَائِمًا يَحْذَرُ الْآخِرَةَ وَيَرْجُو رَحْمَةَ رَبِّهِ قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ إِنَّمَا يَتَذَكَّرُ أُولُو الْأَلْبَابِ﴾ [الزمر: 9].


والأخيار من عباد الله، من الملائكة، أو الجن، أو الإنس يحاولون بكل طريق أن يتقربوا إلى الله، وأن يتسابقوا إلى رضاه، يرجون رحمته ويخافون عذابه.


(5) ما من نعمة يمسك الله معها رحمته، إلا وتنقلب هي بذاتها نقمة، وما من محنة، تحفها رحمة الله، إلا وتكون هي بذاتها نعمة، ينام الإنسان على الشوك، مع رحمة الله، فإذا هو مهاد، وينام على الحرير، وقد أمسكت عنه، فإذا هو شوك.


(6) يعالج الإنسان أعسر الأمور، برحمة الله، فإذا هي هوادة ويسر.


(7) الرحمة تجعل المؤمن ينقطع إلى الله تعالى، ويُعرض عما سواه عز وجل فترتاح نفسه؛ فإن الرحمة بيد الله وحده.


قال الله تعالى: ﴿مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا وَمَا يُمْسِكْ فَلَا مُرْسِلَ لَهُ مِنْ بَعْدِهِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ﴾ [فاطر: 2].


قال الإمام الطبري رحمه الله: "مفاتيح الخير ومغالقه كلها بيده؛ فما يفتح الله للناس من خير فلا مغلق له، ولا ممسك عنهم، لأن ذلك أمره لا يستطيع أمره أحد، وكذلك ما يغلق من خير عنهم فلا يبسطه عليهم، ولا يفتحه لهم، فلا فاتح له سواه، لأن الأمور كلها إليه وله"؛ [تفسير الطبري، ج: 19، ص: 327].


♦ وحين تستقر هذه العقيدة في قلب إنسان تتحول تصرفاته وتعتدل موازينه؛ لأنها تقطعه عن كل قوة في السماوات والأرض وتصله بقوة الله، وتغنيه عن كل رحمة في السماوات والأرض وتصله برحمة الله، وتفتح أمامه باب الله تعالى.


(8) إذا علم المؤمن أن الله تعالى إذا فتح أبواب رحمته لأحد فلا ممسك لها، ومتى أمسكها فلا مرسل لها، كانت مخافته من الله، ورجاؤه في الله، لو استقر هذا المعنى في قلب إنسان لصمد كالطود الشامخ للأحداث والأشخاص، ولو تضافر عليها الإنس والجن، وهم لا يفتحون رحمة الله حين يمسكها، ولا يمسكونها حين يفتحها؛ [آثار صفة الرحمة، ماجد أحمد الصغير، ص: 9:1]


ختامًا:

أسأل الله تعالى بأسمائه الـحسنى وصفاته العلا أن يـجعل هذا العمل خالصًا لوجهه الكريم، ويـجعله سبحانه في ميزان حسناتي يوم القيامة، كما أسأله سبحانه وتعالى أن ينفع بهذا العمل طلاب العلم الكــرام، وآخــر دعوانا أن الـحمد لله رب العالـمين، وصلى الله وسلم على نبينا مـحمد، وعلى آلـه، وأصحابه، والتابعين لـهم بإحسان إلى يوم الدين.