وجهات نظر

السؤال: بوابة الجامعات الأردنية لتستعيد دورها كمؤسسات إنتاج المعرفة

السؤال: بوابة الجامعات الأردنية لتستعيد دورها كمؤسسات إنتاج المعرفة

يكثر الحديث عن دور الجامعات عند التطرق لموضوعات سوق العمل والبطالة ومهارات وكفاءات الخريجين والخريجات من الجامعات الأردنية، وهو ما يجعل الحديث يتمحور فقط حول مستوى التعليم أو جودة المخرجات الأكاديمية، ما يمنع التفكير بالسؤال الأكثر أهمية والأعمق، وهو: ما دور ووظيفة الجامعة؟
مع نشأة الجامعات بمفهومها الحديث، كان الهدف منها أن تكون مؤسسات لإنتاج المعرفة وبناء الإنسان الحر القادر على التفكير والإبداع، وهو ما يجعل العديد من الجامعات الغربية محافظة على ألقها. ولكننا في المنطقة العربية بصورة عامة، وفي الأردن تحديدًا، تم تحويل الجامعة تدريجيًا إلى ما يشبه محطة جماعية لتخريج الباحثين عن عمل، وهو أمر حساس في الأردن لكوننا في دولة ارتبط فيها التعليم تاريخيًا بفكرة الصعود الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي.

منذ بدايات التسعينات، تغير الدور الذي تلعبه الجامعة كوحدة معرفية مندمجة بمجتمعها وقادرة على إحداث النقلات الضرورية لتطوير المجتمع عبر المعرفة، وتحولت الشهادة الجامعية من مؤشر مهم على امتلاك صاحبها المعرفة إلى مجرد أداة عبور للوظيفة، وصار الطالب والطالبة يدخلان الجامعة ويفترضان نجاحهما تلقائيًا ومن ثم الحصول على فرصة عمل في دائرة حكومية تؤمن له وظيفة مستقرة ومكانة اجتماعية أفضل.

وقد نجح هذا النموذج نسبيًا خلال تسعينيات القرن الماضي والعقد الأول من القرن الحالي، حيث كانت الدولة تتوسع في التوظيف، وكان الاقتصاد الإقليمي يستوعب أعدادًا كبيرة من الكفاءات الأردنية، لكن تغير الاقتصاد العالمي وتغير سوق العمل، مع بقاء جزء كبير من التعليم الجامعي يتحرك بالعقلية القديمة ذاتها، أحدث الصدمة التي تستوجب إعادة طرح الأسئلة حول النموذج الجامعي في الأردن.

تخرج الجامعات الأردنية عشرات آلاف الطلبة سنويًا في تخصصات لا يطلبها السوق بالقدر الكافي، فيما تعاني قطاعات أخرى من نقص المهارات التقنية والرقمية والمهنية، وفي الوقت الذي يشهد فيه العالم تحولًا نحو الاقتصاد المعرفي والذكاء الاصطناعي والعمل المرن، ما تزال معظم جامعاتنا تعمل وفق نموذج يعتمد على التلقين والحفظ وتكديس المعلومات، مع قلة ما يحصل عليه طلبتنا من مهارات عملية، بدل اعتماد نموذج جامعي يستند إلى بناء المهارات النقدية والإبداعية.

وهنا تظهر المفارقة، فالجامعة يُفترض أن تكون مساحة لإنتاج المعرفة، ما يتطلب تفكيرًا إبداعيًا ومساحات واسعة وحرة للنقاش والحوار، إلا أن جامعاتنا أصبحت في أحيان كثيرة تنتج شعورًا بالإحباط وعدم اليقين لدى خريجيها، الذين لم يختبروا حرية التفكير والإبداع، أي لم يختبروا ذواتهم في فضاء مفتوح.

حين أفكر فيما آلت إليه الحالة الجامعية، فإني لا أرى أن المشكلة الأساسية تكمن فقط في المناهج أو التخصصات، بل أراها أبعد من ذلك بكثير. فالمشكلة في جوهرها تتعلق بالفلسفة التي تحكم التعليم العالي نفسه؛ فالجامعة ليست مؤسسة هدفها تخريج موظفين للدولة، بل هي فضاء مفتوح لإنتاج المعرفة، وتعزيز الحرية الفكرية، وبناء الفرد القادر على المبادرة والمنافسة والتكيف مع الاقتصاد المتغير.

وبالتالي فإن التعليم، وفق هذا التصور، لا يجب أن يكون مجرد وسيلة للحصول على وظيفة، بل أداة لتحرير الفرد اقتصاديًا وفكريًا واجتماعيًا، وتمكينه من أدوات إبداعية وتخليقية تساعده على إيجاد فرص حقيقية للعمل والحياة.

لكن ما حدث في كثير من الدول، ومنها الأردن، هو أن الجامعة أصبحت مرتبطة أكثر بفكرة "الضمان الوظيفي" لا بفكرة "القيمة المعرفية"، ومع تضاؤل قدرة الدولة والاقتصاد على توفير الوظائف التقليدية، بدأت الأزمة تظهر بوضوح. فعدد كبير من الطلبة يدخلون الجامعات بدافع التصورات الاجتماعية التقليدية حول المكانة أو الأمان الوظيفي، فلا يقودهم شغفهم للمعرفة، ما يساهم في تعزيز البيئة غير المعرفية في الجامعات، خصوصًا وأن الجامعات تجد نفسها مضطرة للحفاظ على العديد من التخصصات لأسباب مالية أو إدارية أو اجتماعية فقط.

الجامعات غير المعرفية أنتجت مجتمعًا غير معرفي، وهو المجتمع الذي ولد بيئة لا تحترم المعرفة، فأعاد تغذية الحالة اللامعرفية في الجامعات نفسها، ما خلق حلقة مغلقة من حالة اللامعرفة. ولكسر هذه الحلقة، يجب على القائمين على الجامعات وعلى التعليم العالي في الأردن أن يستعيدوا الدور المعرفي للجامعات، ليس شكليًا فقط بل جوهريًا، وهو ما يتطلب استعادة مناخات حرية التفكير والإبداع، وكسر يقينية الجواب لمصلحة تشكك السؤال. فبالسؤال تبدأ المعرفة، وبالسؤال تستدام.