وجهات نظر

من بريكست إلى أوروبا الجديدة… هل أصبح خروج بريطانيا نقطة تحول في صعود الاتحاد الأوروبي ؟

من بريكست إلى أوروبا الجديدة… هل أصبح خروج بريطانيا نقطة تحول في صعود الاتحاد الأوروبي ؟


لم تتغير بريطانيا وحدها بعد «بريكست»، بل أوروبا أيضًا، فتصريحات رئيسة الوزراء الإيطالية جورجيا ميلوني حول ضرورة امتلاك القارة استقلالية استراتيجية، وسيادة تكنولوجية، وقدرة جيوسياسية وجيواقتصادية، لم تكن مجرد خطاب سياسي، بل تعبيرًا عن تحول عميق في التفكير الأوروبي، فقد أدركت العواصم الأوروبية أن النظام الدولي لم يعد يُدار بمنطق العولمة الاقتصادية وحدها، بل بمنطق القوة المركبة التي تجمع بين التكنولوجيا، والصناعة، والطاقة، والدفاع، والنفوذ السياسي، لذلك لم يعد الاتحاد الأوروبي يكتفي بدور السوق الموحدة أو القوة التنظيمية ، بل يسعى إلى ترسيخ نموذج يجعله قطبًا قادرًا على حماية مصالحه والتأثير في موازين القوى العالمية .

عندما صوّت البريطانيون لصالح الخروج عام 2016، ساد اعتقاد بأن المشروع الأوروبي دخل مرحلة تراجع، وأن «بريكست» قد يكون بداية سلسلة انسحابات تقود إلى تفكك الاتحاد، لكن السنوات التالية جاءت بنتيجة معاكسة، فمن جائحة كورونا، إلى الحرب الروسية الأوكرانية، وأزمة الطاقة، وتصاعد المنافسة مع الصين، واجه الاتحاد الأوروبي اختبارات غير مسبوقة من دون أن يفقد تماسكه المؤسسي، بل دفعت هذه الأزمات بروكسل إلى مراجعة فلسفة الاتحاد، والانتقال تدريجيًا من منطق السوق المشتركة إلى مفهوم «أوروبا القوة»، وهو تحول انعكس في السياسات الصناعية، والرقمية، والدفاعية، وفي خطاب جديد يربط الأمن بالاقتصاد، والسيادة بالتكنولوجيا، والاستقلال السياسي بالقدرة الإنتاجية .

في المقابل، كشفت تجربة بريطانيا أن استعادة القرار السياسي لا تعني بالضرورة تحقيق مكاسب اقتصادية مباشرة، فقد أظهرت دراسات صادرة عن مؤسسات أكاديمية، من بينها كلية لندن للاقتصاد، أن «بريكست» أدى إلى زيادة الاحتكاكات التجارية، وتراجع الاستثمار، وانخفاض الإنتاجية مقارنة بالمسار الافتراضي للبقاء داخل السوق الأوروبية الموحدة، كما تعكس استطلاعات الرأي تحولًا تدريجيًا في المزاج البريطاني، إذ يرى عدد متزايد من المواطنين أن الخروج لم يحقق وعوده الاقتصادية، وأن العلاقة مع الاتحاد الأوروبي تحتاج إلى صيغة أكثر براغماتية، حتى وإن ظل خيار العودة الكاملة معقدًا من الناحية السياسية .

أما الولايات المتحدة، فلم يكن موقفها من «بريكست» موحدًا، ففي حين دعمت شخصيات وتيارات سياسية، وفي مقدمتها دونالد ترامب، خروج بريطانيا باعتباره انتصارًا لفكرة الدولة القومية، استمرت مؤسسات أمريكية أخرى في النظر إلى الاتحاد الأوروبي بوصفه شريكًا استراتيجيًا لا غنى عنه، لكن الرسالة التي استوعبتها أوروبا كانت مختلفة، فالاعتماد المطلق على المظلة الأمريكية لم يعد خيارًا مضمونًا، في ظل تقلب أولويات واشنطن، وعودة النزعات الانعزالية، وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، وهو ما منح مفهوم الاستقلالية الاستراتيجية زخمًا غير مسبوق داخل الاتحاد .

وفي هذا السياق، يكتسب تقرير ماريو دراغي حول مستقبل التنافسية الأوروبية أهمية خاصة، إذ يربط بين الأمن، والاقتصاد، والتكنولوجيا ضمن رؤية متكاملة، ويحذر من أن أوروبا مهددة بالتراجع إذا استمرت في الاعتماد على الابتكار الأمريكي، والطاقة الخارجية، و شبكات الإنتاج الآسيوية، داعيًا إلى بناء قاعدة أوروبية متقدمة في الذكاء الاصطناعي، وأشباه الموصلات، والصناعات الخضراء، وتعكس هذه الرؤية تحولًا يتجاوز السياسات الاقتصادية، ليؤسس لمشروع أوروبي يسعى إلى تحويل الاتحاد من أكبر سوق اقتصادية إلى قوة جيوسياسية وجيواقتصادية قادرة على المنافسة وصناعة القرار .

ومع ذلك، لا يخلو هذا المسار من تحديات بنيوية، في مقدمتها التفاوت الاقتصادي بين الدول الأعضاء، وارتفاع تكاليف الطاقة، والشيخوخة السكانية، وصعود التيارات الشعبوية، وتعقيدات البيروقراطية الأوروبية، غير أن التجربة منذ «بريكست» تشير إلى اتجاه معاكس للتفكك، إذ دفعت الأزمات المتلاحقة نحو مزيد من التكامل، وعززت الشعور بالمصالح والمخاطر المشتركة، بما انعكس في تنسيق أوسع للسياسات الاقتصادية، والصناعية، والدفاعية، وأعاد تعريف الاتحاد بوصفه مشروعًا سياسيًا واستراتيجيًا، لا مجرد إطار اقتصادي .

في المحصلة، لم يكن «بريكست» مجرد خروج دولة من الاتحاد الأوروبي، بل لحظة دفعت أوروبا إلى إعادة اكتشاف ذاتها، فقد أدركت أن المنافسة في القرن الحادي والعشرين لن تُحسم بحجم الأسواق وحده، بل بالقدرة على إنتاج التكنولوجيا، وتأمين الطاقة، وتعزيز الصناعة، وبناء استقلال استراتيجي يمنحها حرية القرار، وإذا نجح الاتحاد الأوروبي في تحويل هذه الرؤية إلى سياسات مستدامة، فقد يكتب المؤرخون أن الحدث الذي اعتُبر يومًا بداية تراجع أوروبا، كان في الحقيقة الشرارة التي سرعت تحولها من اتحاد اقتصادي كبير إلى أحد أبرز أقطاب النظام الدولي الجديد .