منوعات

اكتشاف يهز الآثار .. خطوات في الطين تكشف سراً عمره 23 ألف سنة

اكتشاف يهز الآثار ..  خطوات في الطين تكشف سراً عمره 23 ألف سنة

للعلّم - تدعم دراسة علمية حديثة نتائج سابقة مثيرة للجدل حول وجود الإنسان في قارة أمريكا الشمالية قبل زمن أقدم بكثير مما كان يُعتقد سابقا، وذلك بعد العثور على أدلة جديدة من موقع وايت ساندز في ولاية نيو مكسيكو الأمريكية، تشير إلى أن آثار أقدام بشرية تعود إلى نحو 23 ألف عام، وهو ما يعيد فتح نقاش واسع في الأوساط الأثرية حول تاريخ الاستيطان البشري في القارة.

وبحسب الدراسة المنشورة في مجلة Science Advances العلمية، فقد قام فريق من الباحثين بتحليل مواد عضوية محفوظة داخل طبقات من الطين القديم في الموقع، وهو ما يُعد منهجا مختلفا عن الدراسات السابقة التي اعتمدت على تأريخ البذور وحبوب اللقاح الموجودة في نفس الرواسب الجيولوجية. وجاءت نتائج التحليل الجديد متقاربة بشكل لافت مع النتائج السابقة، حيث تراوحت التواريخ بين نحو 20,700 و22,400 عام، وهو ما يعزز فرضية أن هذه الآثار تعود فعلًا إلى فترة ما بين 23 ألفًا و21 ألف عام.

ويُعد موقع وايت ساندز اليوم منطقة صحراوية تتميز بكثبانها الجبسية البيضاء الممتدة، لكنه قبل آلاف السنين كان بيئة مختلفة تمامًا، إذ كانت المنطقة عبارة عن نظام بيئي غني يضم بحيرات وجداول مائية. ومع مرور الزمن وجفاف تلك المسطحات المائية، دُفنت آثار الأقدام تحت طبقات من الرواسب الجبسية، ما ساهم في حفظها بشكل استثنائي حتى وقتنا الحالي.

ويشير الباحثون إلى أن قوة هذه الدراسة لا تكمن فقط في النتائج نفسها، بل في تعدد طرق التأريخ المستخدمة. فقد تم الاعتماد على ثلاث مواد مختلفة لتحديد العمر: البذور، وحبوب اللقاح، والطين القديم نفسه، إضافة إلى إجراء التحاليل في عدة مختبرات مستقلة. وأسفرت هذه العمليات عن ما يقارب 55 نتيجة تأريخ متقاربة، وهو ما اعتبره العلماء دليلًا قويًا على دقة التقديرات الزمنية وعدم كونها مجرد صدفة.

وقال عالم الآثار والجيولوجيا فانس هوليداي، أحد أبرز الباحثين في المشروع، إن البيانات تظهر "اتساقًا غير عادي"، مضيفًا أن من غير المنطقي أن تنتج كل هذه الطرق المختلفة نتائج متطابقة إذا كانت خاطئة. وأكد أن تراكم الأدلة من مصادر متعددة يعزز بشكل كبير صحة الاستنتاجات المتعلقة بعمر الآثار.

وتكتسب هذه النتائج أهمية خاصة لأنها تتحدى الفرضية التقليدية التي ربطت أول وجود بشري في أمريكا الشمالية بثقافة "كلوفيس"، التي تعود إلى نحو 13 ألف عام فقط. فإذا كانت آثار وايت ساندز صحيحة، فهذا يعني أن البشر كانوا موجودين في القارة قبل ذلك بنحو 10 آلاف عام إضافية، وهو ما يفرض إعادة التفكير في تسلسل الهجرات البشرية إلى الأمريكتين.

ومع ذلك، لا يزال الاكتشاف يثير أسئلة علمية مهمة. أبرز هذه الأسئلة يتمثل في غياب الأدوات الحجرية أو بقايا مواقع سكنية قريبة من آثار الأقدام. ويرى بعض الباحثين أن هذا الغياب يمثل لغزًا يحتاج إلى تفسير، بينما يعتقد فريق الدراسة أن طبيعة الآثار قد تفسر ذلك، إذ إن ما تم العثور عليه قد يكون مجرد لحظات قصيرة من حركة البشر في منطقة مفتوحة، وليس موقع إقامة دائم.

ويؤكد هوليداي أن الصيادين وجامعي الثمار في تلك الفترة ربما لم يتركوا وراءهم أدوات أو مخلفات واضحة، خاصة في بيئة كانت الموارد فيها شحيحة والمسافات بين مصادر المواد الخام كبيرة. كما يشير إلى أن توقع العثور على مخيم كامل بجانب آثار أقدام تعود لآلاف السنين قد لا يكون منطقيًا علميًا.