ملف عاملات المنازل الهاربات على طاولة دولة الرئيس
في زحمة الأزمات التي تعصف بالمجتمع الأردني، تبرز ظاهرة بالغة الخطورة والتنظيم، لا تأخذ حقها من الاهتمام الإعلامي والرسمي، رغم أنها تمس حياة الآلاف من الأسر وتستنزف مدخرات المواطنين، وتغذي شبكات إجرامية منظمة تعمل في الخفاء، إنها ظاهرة الاتجار بعاملات المنازل الهاربات، التي تحولت من حوادث فردية عابرة إلى صناعة منظمة تديرها عصابات محترفة، تستغل حاجة الأسر للخدمة المنزلية وفجوات في النظام الرقابي.
تبدأ القصة المشتركة للآلاف من الأسر الأردنية بدفع مبالغ طائلة لمكاتب الاستقدام، قد تصل إلى ألفي دينار، للحصول على عاملة منزلية. توقع الأسرة عقداً، وتستقبل العاملة، وتبدأ رحلة الأمل في خدمة مستقرة. لكن سرعان ما يتبدد هذا الأمل، فبمجرد انقضاء الفترة التجريبية، تختفي العاملة فجأة، وكأن الأرض ابتلعتها. يبدأ البحث، وتتضح الصورة تدريجياً: العاملة ليست هاربة وحيدة، بل هي جزء من شبكة منظمة تعمل على استقطاب العاملات الهاربات وإعادة تشغيلهن في سوق مواز غير نظامي.
كيف تعمل الشبكات الإجرامية؟ تعتمد هذه الشبكات على معرفة عميقة بتضاريس المجتمع الأردني، تبدأ عملياتها بالتواصل السري مع عاملات أخريات يعملن كـ"عيون" داخل البيوت، أو عبر توظيف سائقين وباعة متجولين يعملون كوسطاء، تستخدم الشبكات وسائل اتصال مشفرة، وتقدم للعاملات وعوداً براقة بعمل أفضل وأجور أعلى، سرعان ما تتبخر ليحل محلها واقع مرير من العمل المتواصل دون ضمانات أو حقوق.
بعد استدراج العاملات، يتم تجميعهن في مناطق شعبية مزدحمة، حيث يصعب التعرف على الوجوه الجديدة، وتكون الرقابة الأمنية أقل، يتم إيواء العاملات في شقق مفروشة رخيصة أو مقاهٍ شعبية معينة، تتحول إلى نقاط لتلقي الطلبات وتوزيع العاملات على المنازل التي تبحث عن خدمة منزلية بتكاليف أقل.
المواطنون الذين يلجأون إلى تشغيل هذه العاملات، غالباً ما يكونون ضحايا الجشع أو الحاجة الملحة للخدمة، غير مدركين للمخاطر القانونية والأمنية التي يجلبونها إلى بيوتهم. فتشغيل عاملة هاربة يعرض الأسرة للمساءلة القانونية، ويجعلها شريكة في تغذية سوق العمل غير النظامي.
لا تقتصر خطورة هذه الظاهرة على الجانب المادي، الأزمة أعمق من ذلك بكثير. :اقتصادياً: تؤدي الظاهرة إلى تقويض ثقة المواطنين بقطاع الاستقدام النظامي، مما يدفع البعض للجوء إلى السوق غير الرسمي، وهو ما يغذي الاقتصاد الخفي ويهدد الاقتصاد الرسمي. اجتماعياً: تهدم الظاهرة جسور الثقة بين الأسر والعاملات، وتخلق مناخاً من الشك والريبة. أمنياً: هذه الشبكات الإجرامية تشكل نواة لأنشطة إجرامية أخرى أكثر خطورة، كالابتزاز، والدعارة، واستغلال العاملات في أعمال غير مشروعة، وجود شبكات منظمة تعمل في الخفاء، تملك القدرة على التنقل والتواصل والإخفاء، يمثل تهديداً صريحاً للأمن الوطني.
في الوقت الذي لا يزال فيه الأردن يعاني من تفاقم هذه الظاهرة، هناك دول تواجه ظروفاً اجتماعية واقتصادية مشابهة، استطاعت تطوير أنظمة متكاملة نجحت في الحد من المشكلة بشكل كبير. هذه التجارب تقدم دروساً مهمة يمكن للأردن الاستفادة منها: فقد أنشأت المملكة العربية السعودية منصة إلكترونية موحدة لتنظيم استقدام العمالة المنزلية، حيث تتيح هذه المنصة تتبع حركة العاملات منذ لحظة وصولهن حتى انتهاء عقودهن، كما تمكن الأسر من تقديم شكاوى إلكترونية ومتابعتها بشكل لحظي،وتم ربط جميع مكاتب الاستقدام بهذه المنصة، وأصبح أي مكتب يتورط في قضايا هروب يتعرض لعقوبات مشددة تصل إلى الإغلاق النهائي.أما الإمارات فقد طبقت نظاماً إلكترونياً وفر قاعدة بيانات دقيقة عن العاملات وأماكن عملهن، مما سهل عملية الرقابة والمتابعة. قطر وحدت عقود العمل للعمالة المنزلية، وحددت بوضوح ساعات العمل، والإجازات الأسبوعية، والحقوق والواجبات للطرفين. كما أنشأت لجاناً للتوفيق بين الأسر والعاملات قبل تفاقم الخلافات ووصولها إلى مرحلة الهروب. هذا الإجراء قلل من حالات النزاع التي تؤدي غالباً إلى الهروب. الكويت أنشأت مراكز حكومية لاستقبال العاملات الهاربات أو المعنفات، تقدم لهن الرعاية النفسية وتعمل على إعادة تأهيلهن. هذه المراكز منعت سقوط العاملات في أيدي الشبكات الإجرامية، وأعادت الكثير منهن إلى مسارهن الطبيعي. أما البحرين فطورت نظاماً إلكترونياً يربطها بسفارات الدول المصدرة للعمالة، حيث يتم توثيق عقود العمل إلكترونياً قبل وصول العاملات. هذا النظام حد من التزوير والهروب المبكر، ويتيح متابعة العاملات بعد وصولهن.
أمام الأردن فرصة حقيقية للاستفادة من هذه التجارب الناجحة، وتطوير نظام متكامل لمواجهة هذه الظاهرة. الحلول المقترحة تشمل: أولاً: إنشاء منصة إلكترونية وطنية موحدة لتسجيل وتتبع العاملات المنزليات، على غرار نظام "مساند" السعودي، تلزم جميع مكاتب الاستقدام بالتسجيل فيها، وتتيح للأسر متابعة طلباتها وشكاويها إلكترونياً. ثانياً:تعديل التشريعات لفرض عقوبات رادعة على المتورطين في شبكات الاتجار بالعاملات، سواء كانوا أفراداً أو مكاتب استقدام، تشمل الغرامات المالية الكبيرة، والإغلاق النهائي للمكاتب المخالفة، والسجن للمتورطين في إدارة هذه الشبكات. ثالثاً: تطبيق نظام حماية الأجور إلكترونياً لضمان حصول العاملات على مستحقاتهن، مما يحد من دوافع الهروب. رابعاً: إنشاء وحدة حكومية متخصصة لمكافحة الاتجار بالعمالة المنزلية، تضم ممثلين من وزارات العمل والداخلية والعدل، تعمل على رصد الشبكات الإجرامية وتلقي البلاغات والتعامل معها بسرية وفعالية. خامساً: تنظيم حملات توعوية وطنية للمواطنين تبين المخاطر القانونية والأمنية لتشغيل عاملات هاربات، وتحث على التعامل فقط مع مكاتب الاستقدام النظامية.
خلاصة الكلام، ظاهرة الاتجار بعاملات المنازل الهاربات ليست مشكلة هامشية يمكن التغاضي عنها. إنها قضية وطنية تمس أمن المجتمع واستقرار أسره واقتصاده.
استمرار هذه الظاهرة يعني استمرار نزيف مدخرات المواطنين، واستمرار نمو شبكات إجرامية في الخفاء قد تمتد أنشطتها إلى ما هو أخطر.
لقد حان الوقت لاتخاذ القرار الحازم، والتحرك الجاد للتصدي لهذه الآفة. الحلول ممكنة، وأن الإرادة السياسية القادرة على اتخاذ قرارات جريئة هي وحدها القادرة على وضع حد لهذه المعاناة. فهل نجد في الأردن هذه الإرادة قبل فوات الأوان؟
*امين عام المجلس الصحي العالي
في زحمة الأزمات التي تعصف بالمجتمع الأردني، تبرز ظاهرة بالغة الخطورة والتنظيم، لا تأخذ حقها من الاهتمام الإعلامي والرسمي، رغم أنها تمس حياة الآلاف من الأسر وتستنزف مدخرات المواطنين، وتغذي شبكات إجرامية منظمة تعمل في الخفاء، إنها ظاهرة الاتجار بعاملات المنازل الهاربات، التي تحولت من حوادث فردية عابرة إلى صناعة منظمة تديرها عصابات محترفة، تستغل حاجة الأسر للخدمة المنزلية وفجوات في النظام الرقابي.
تبدأ القصة المشتركة للآلاف من الأسر الأردنية بدفع مبالغ طائلة لمكاتب الاستقدام، قد تصل إلى ألفي دينار، للحصول على عاملة منزلية. توقع الأسرة عقداً، وتستقبل العاملة، وتبدأ رحلة الأمل في خدمة مستقرة. لكن سرعان ما يتبدد هذا الأمل، فبمجرد انقضاء الفترة التجريبية، تختفي العاملة فجأة، وكأن الأرض ابتلعتها. يبدأ البحث، وتتضح الصورة تدريجياً: العاملة ليست هاربة وحيدة، بل هي جزء من شبكة منظمة تعمل على استقطاب العاملات الهاربات وإعادة تشغيلهن في سوق مواز غير نظامي.
كيف تعمل الشبكات الإجرامية؟ تعتمد هذه الشبكات على معرفة عميقة بتضاريس المجتمع الأردني، تبدأ عملياتها بالتواصل السري مع عاملات أخريات يعملن كـ"عيون" داخل البيوت، أو عبر توظيف سائقين وباعة متجولين يعملون كوسطاء، تستخدم الشبكات وسائل اتصال مشفرة، وتقدم للعاملات وعوداً براقة بعمل أفضل وأجور أعلى، سرعان ما تتبخر ليحل محلها واقع مرير من العمل المتواصل دون ضمانات أو حقوق.
بعد استدراج العاملات، يتم تجميعهن في مناطق شعبية مزدحمة، حيث يصعب التعرف على الوجوه الجديدة، وتكون الرقابة الأمنية أقل، يتم إيواء العاملات في شقق مفروشة رخيصة أو مقاهٍ شعبية معينة، تتحول إلى نقاط لتلقي الطلبات وتوزيع العاملات على المنازل التي تبحث عن خدمة منزلية بتكاليف أقل.
المواطنون الذين يلجأون إلى تشغيل هذه العاملات، غالباً ما يكونون ضحايا الجشع أو الحاجة الملحة للخدمة، غير مدركين للمخاطر القانونية والأمنية التي يجلبونها إلى بيوتهم. فتشغيل عاملة هاربة يعرض الأسرة للمساءلة القانونية، ويجعلها شريكة في تغذية سوق العمل غير النظامي.
لا تقتصر خطورة هذه الظاهرة على الجانب المادي، الأزمة أعمق من ذلك بكثير. :اقتصادياً: تؤدي الظاهرة إلى تقويض ثقة المواطنين بقطاع الاستقدام النظامي، مما يدفع البعض للجوء إلى السوق غير الرسمي، وهو ما يغذي الاقتصاد الخفي ويهدد الاقتصاد الرسمي. اجتماعياً: تهدم الظاهرة جسور الثقة بين الأسر والعاملات، وتخلق مناخاً من الشك والريبة. أمنياً: هذه الشبكات الإجرامية تشكل نواة لأنشطة إجرامية أخرى أكثر خطورة، كالابتزاز، والدعارة، واستغلال العاملات في أعمال غير مشروعة، وجود شبكات منظمة تعمل في الخفاء، تملك القدرة على التنقل والتواصل والإخفاء، يمثل تهديداً صريحاً للأمن الوطني.
في الوقت الذي لا يزال فيه الأردن يعاني من تفاقم هذه الظاهرة، هناك دول تواجه ظروفاً اجتماعية واقتصادية مشابهة، استطاعت تطوير أنظمة متكاملة نجحت في الحد من المشكلة بشكل كبير. هذه التجارب تقدم دروساً مهمة يمكن للأردن الاستفادة منها: فقد أنشأت المملكة العربية السعودية منصة إلكترونية موحدة لتنظيم استقدام العمالة المنزلية، حيث تتيح هذه المنصة تتبع حركة العاملات منذ لحظة وصولهن حتى انتهاء عقودهن، كما تمكن الأسر من تقديم شكاوى إلكترونية ومتابعتها بشكل لحظي،وتم ربط جميع مكاتب الاستقدام بهذه المنصة، وأصبح أي مكتب يتورط في قضايا هروب يتعرض لعقوبات مشددة تصل إلى الإغلاق النهائي.أما الإمارات فقد طبقت نظاماً إلكترونياً وفر قاعدة بيانات دقيقة عن العاملات وأماكن عملهن، مما سهل عملية الرقابة والمتابعة. قطر وحدت عقود العمل للعمالة المنزلية، وحددت بوضوح ساعات العمل، والإجازات الأسبوعية، والحقوق والواجبات للطرفين. كما أنشأت لجاناً للتوفيق بين الأسر والعاملات قبل تفاقم الخلافات ووصولها إلى مرحلة الهروب. هذا الإجراء قلل من حالات النزاع التي تؤدي غالباً إلى الهروب. الكويت أنشأت مراكز حكومية لاستقبال العاملات الهاربات أو المعنفات، تقدم لهن الرعاية النفسية وتعمل على إعادة تأهيلهن. هذه المراكز منعت سقوط العاملات في أيدي الشبكات الإجرامية، وأعادت الكثير منهن إلى مسارهن الطبيعي. أما البحرين فطورت نظاماً إلكترونياً يربطها بسفارات الدول المصدرة للعمالة، حيث يتم توثيق عقود العمل إلكترونياً قبل وصول العاملات. هذا النظام حد من التزوير والهروب المبكر، ويتيح متابعة العاملات بعد وصولهن.
أمام الأردن فرصة حقيقية للاستفادة من هذه التجارب الناجحة، وتطوير نظام متكامل لمواجهة هذه الظاهرة. الحلول المقترحة تشمل: أولاً: إنشاء منصة إلكترونية وطنية موحدة لتسجيل وتتبع العاملات المنزليات، على غرار نظام "مساند" السعودي، تلزم جميع مكاتب الاستقدام بالتسجيل فيها، وتتيح للأسر متابعة طلباتها وشكاويها إلكترونياً. ثانياً:تعديل التشريعات لفرض عقوبات رادعة على المتورطين في شبكات الاتجار بالعاملات، سواء كانوا أفراداً أو مكاتب استقدام، تشمل الغرامات المالية الكبيرة، والإغلاق النهائي للمكاتب المخالفة، والسجن للمتورطين في إدارة هذه الشبكات. ثالثاً: تطبيق نظام حماية الأجور إلكترونياً لضمان حصول العاملات على مستحقاتهن، مما يحد من دوافع الهروب. رابعاً: إنشاء وحدة حكومية متخصصة لمكافحة الاتجار بالعمالة المنزلية، تضم ممثلين من وزارات العمل والداخلية والعدل، تعمل على رصد الشبكات الإجرامية وتلقي البلاغات والتعامل معها بسرية وفعالية. خامساً: تنظيم حملات توعوية وطنية للمواطنين تبين المخاطر القانونية والأمنية لتشغيل عاملات هاربات، وتحث على التعامل فقط مع مكاتب الاستقدام النظامية.
خلاصة الكلام، ظاهرة الاتجار بعاملات المنازل الهاربات ليست مشكلة هامشية يمكن التغاضي عنها. إنها قضية وطنية تمس أمن المجتمع واستقرار أسره واقتصاده.
استمرار هذه الظاهرة يعني استمرار نزيف مدخرات المواطنين، واستمرار نمو شبكات إجرامية في الخفاء قد تمتد أنشطتها إلى ما هو أخطر.
لقد حان الوقت لاتخاذ القرار الحازم، والتحرك الجاد للتصدي لهذه الآفة. الحلول ممكنة، وأن الإرادة السياسية القادرة على اتخاذ قرارات جريئة هي وحدها القادرة على وضع حد لهذه المعاناة. فهل نجد في الأردن هذه الإرادة قبل فوات الأوان؟
*امين عام المجلس الصحي العالي