قوة الدول
توماس كارات: قوة الدول تُبنى بالتماسك الداخلي والمرونة الاجتماعية والوضوح الأخلاقي.
أرسل لي الصحفي النمساوي البارز الصديق توماس كارات التعليق العميق الوازن التالي على مقالتي المنشورة في الدستور يوم الإثنين الماضي، أكد فيه على أن القوة الداخلية للدول، ليست اقتصادية أو مؤسساتية فقط، بل هي أيضًا قوة سردية. هنا التعليق: (حضرة السيناتور المحترم، قرأت مقالك «القوي في الداخل، قوي في الخارج» باهتمام بالغ. وما لفت انتباهي ليس فقط وضوح حجتك، بل الانضباط الكامن وراءها، ذلك الإصرار على أن قوة الدول لا تُعلَن عبر الشعارات، بل تُبنى بصبر من خلال التماسك الداخلي، والمرونة الاجتماعية، والوضوح الأخلاقي.
ملاحظتك بشأن تحويل انتباه الرأي العام باستمرار بعيدًا عن الأولويات الوطنية الحقيقية بالغة الأهمية. فعندما تُستدرَج المجتمعات عاطفيًا من أزمة إلى أخرى، فإنها لا تفقد التركيز فحسب، بل تفقد أيضًا قدرتها على الفعل. وما تصفه هنا ليس مجرد مشكلة سياسية، بل هو في جوهره مشكلة نفسية. فالمجتمع الذي يُعبَّأ على الدوام بفعل الصدمات الخارجية يصبح تفاعليًا لا استراتيجيًا، صاخبًا لا فعّالًا.
وما أود إضافته، وهو ما يلمّح إليه مقالك ضمنًا، أن القوة الداخلية ليست اقتصادية أو مؤسساتية فقط، بل هي أيضًا قوة سردية.
تضعف الأمم عندما تفقد قدرتها على أن تروي لنفسها قصة متماسكة عمّن تكون، وما الذي تعطيه الأولوية، وما التضحيات التي تقبل بها عن وعي. وعندما تتشظّى هذه القصة، يصبح كل ضغط خارجي تهديدًا وجوديًا، وتتحول كل أزمة إلى اختبار للهوية.
ومن هذا المنطلق، فإن دعوتك إلى الموازنة بين المصلحة الوطنية والمسؤولية الإقليمية المبدئية لا تمثل تراجعًا عن التضامن، بل شرطًا مسبقًا له. فلا يستطيع الاستمرار في التزاماته الأخلاقية طويلة الأمد خارج حدوده دون إنهاك ذاته، إلا المجتمع الواثق بأسسه الداخلية.
وعليه، فإن جملتك الختامية ليست خاتمة بقدر ما هي تحذير: فالقوة في الداخل ليست خيارًا في عالم معادٍ بل هي السبيل الوحيد للتفاعل مع هذا العالم دون أن يبتلعنا.
شكرًا لك على هذا التأمل الرصين والضروري.
مع فائق الاحترام،
توماس).
أرسل لي الصحفي النمساوي البارز الصديق توماس كارات التعليق العميق الوازن التالي على مقالتي المنشورة في الدستور يوم الإثنين الماضي، أكد فيه على أن القوة الداخلية للدول، ليست اقتصادية أو مؤسساتية فقط، بل هي أيضًا قوة سردية. هنا التعليق: (حضرة السيناتور المحترم، قرأت مقالك «القوي في الداخل، قوي في الخارج» باهتمام بالغ. وما لفت انتباهي ليس فقط وضوح حجتك، بل الانضباط الكامن وراءها، ذلك الإصرار على أن قوة الدول لا تُعلَن عبر الشعارات، بل تُبنى بصبر من خلال التماسك الداخلي، والمرونة الاجتماعية، والوضوح الأخلاقي.
ملاحظتك بشأن تحويل انتباه الرأي العام باستمرار بعيدًا عن الأولويات الوطنية الحقيقية بالغة الأهمية. فعندما تُستدرَج المجتمعات عاطفيًا من أزمة إلى أخرى، فإنها لا تفقد التركيز فحسب، بل تفقد أيضًا قدرتها على الفعل. وما تصفه هنا ليس مجرد مشكلة سياسية، بل هو في جوهره مشكلة نفسية. فالمجتمع الذي يُعبَّأ على الدوام بفعل الصدمات الخارجية يصبح تفاعليًا لا استراتيجيًا، صاخبًا لا فعّالًا.
وما أود إضافته، وهو ما يلمّح إليه مقالك ضمنًا، أن القوة الداخلية ليست اقتصادية أو مؤسساتية فقط، بل هي أيضًا قوة سردية.
تضعف الأمم عندما تفقد قدرتها على أن تروي لنفسها قصة متماسكة عمّن تكون، وما الذي تعطيه الأولوية، وما التضحيات التي تقبل بها عن وعي. وعندما تتشظّى هذه القصة، يصبح كل ضغط خارجي تهديدًا وجوديًا، وتتحول كل أزمة إلى اختبار للهوية.
ومن هذا المنطلق، فإن دعوتك إلى الموازنة بين المصلحة الوطنية والمسؤولية الإقليمية المبدئية لا تمثل تراجعًا عن التضامن، بل شرطًا مسبقًا له. فلا يستطيع الاستمرار في التزاماته الأخلاقية طويلة الأمد خارج حدوده دون إنهاك ذاته، إلا المجتمع الواثق بأسسه الداخلية.
وعليه، فإن جملتك الختامية ليست خاتمة بقدر ما هي تحذير: فالقوة في الداخل ليست خيارًا في عالم معادٍ بل هي السبيل الوحيد للتفاعل مع هذا العالم دون أن يبتلعنا.
شكرًا لك على هذا التأمل الرصين والضروري.
مع فائق الاحترام،
توماس).