وجهات نظر

زمن التحولات الإقليمية: «الوسط الذكي» خيار الأردن

زمن التحولات الإقليمية: «الوسط الذكي» خيار الأردن


في إقليم تتسارع فيه التحولات الأمنية والسياسية، يقف الأردن أمام مرحلة دقيقة تتطلب إعادة قراءة موقعه الاستراتيجي. فالحرب الإيرانية-الأمريكية وتداعياتها على دول الجوار، بالتوازي مع إعادة تشكيل التحالفات الإقليمية، تضع المملكة أمام أسئلة تتجاوز إدارة الأزمة الآنية إلى تحديد موقعها في معادلة أمنية وسياسية جديدة.سياحة الأردن

ومن أبرز هذه التحولات صعود ترتيبات دفاعية إقليمية، من بينها التحالف السعودي-التركي-الباكستاني، وما قد يترتب عليه من إعادة رسم لموازين القوى. وهنا يبرز السؤال: أين يقف الأردن؟ وما الاستراتيجية التي تحمي مصالحه الوطنية من دون تقييد خياراته أو دفعه إلى صراعات لا تخدم أمنه؟

تحديات متعددة الأبعاد

يواجه الأردن ثلاثة تحديات مترابطة.

أمنياً وعسكرياً: يفرض الموقع الجغرافي للمملكة، وحدودها مع بؤر الصراع، وعلاقاتها الأمنية مع الولايات المتحدة، تحديات متزايدة. وأي تصعيد إقليمي قد ينعكس على الأراضي الأردنية عبر الهجمات الصاروخية والمسيّرات، أو حركة اللاجئين، أو اضطراب الحدود والممرات التجارية. لذلك يجب أن تبقى حماية السيادة والأراضي الأردنية الأولوية الأولى.

اقتصادياً ومعيشياً: لا يمكن فصل الأمن عن الاقتصاد. فالتوترات الإقليمية تضغط على السياحة والتجارة وسلاسل الإمداد والطاقة وكلف النقل، في وقت يواجه فيه الاقتصاد الأردني تحديات مزمنة. ومن ثم أصبح تقليل التعرض للصدمات الخارجية جزءاً من الأمن الوطني، وليس مجرد هدف تنموي.

سياسياً وتحالفياً: تفرض إعادة تشكيل التحالفات سؤالاً حول جدوى السياسة التقليدية القائمة على المحافظة على مسافة متوازنة من المحاور. فالأردن يرتبط بعلاقات استراتيجية مع السعودية وتركيا وباكستان والولايات المتحدة، لكنه ليس عضواً رسمياً في جميع الترتيبات الأمنية الناشئة. وهذا يمنحه هامشاً للحركة، لكنه يتطلب تطوير أدوات جديدة للتأثير وعدم الاكتفاء بالتعامل مع تداعيات قرارات الآخرين.


بين الانضمام إلى المحاور والحفاظ على المرونة

يمكن تصور مسارين رئيسيين.

الأول، الانضمام إلى إطار دفاعي إقليمي، بما قد يوفر عمقاً استراتيجياً أكبر، ويعزز التعاون الأمني والاستخباري، ويفتح المجال أمام ترتيبات دفاع جماعي. إلا أن الانضمام الرسمي إلى تحالف عسكري قد يحد من هامش المناورة الدبلوماسية، ويفرض التزامات لا تتوافق دائماً مع الحسابات الوطنية، فضلاً عن احتمال تأثيره في علاقات الأردن مع حلفائه الغربيين.

أما المسار الثاني، فهو البقاء خارج المحاور العسكرية مع تعظيم الدور الأردني. ويمكن للأردن في هذه الحالة استثمار موقعه ليصبح «دولة عقدة» في الإقليم، يصعب تجاوزها بسبب دورها في التجارة والطاقة والنقل والأمن والحوار السياسي. ويتطلب ذلك تطوير العقبة كمركز لوجستي، وتعزيز الربط التجاري مع العراق والخليج وتركيا، وتطوير مشاريع الطاقة والنقل، وترسيخ عمّان كمركز للحوار والوساطة.سياحة الأردن


لكن المرونة قد تتحول إلى مصدر ضعف إذا لم تُترجم إلى نفوذ ومصالح وشراكات عملية.

«الوسط الذكي» كخيار أردني

قد لا يحتاج الأردن إلى الاختيار الحاد بين الانضمام إلى محور عسكري أو الوقوف خارجه بالكامل، بل إلى استراتيجية تقوم على «الوسط الذكي»؛ أي الحفاظ على المرونة السياسية مع تعظيم التعاون العملي مع مختلف الأطراف.


ويقوم هذا النهج على الحذر في الالتزامات، ودراسة أي ترتيبات دفاعية وفق المصالح الأردنية المباشرة، وتوسيع التعاون في مجالات تبادل المعلومات والأمن السيبراني ومكافحة الإرهاب وحماية الحدود والتدريب، من دون أن يعني ذلك بالضرورة الانضمام إلى كل إطار دفاعي جماعي.


كما ينبغي تحويل الجغرافيا الأردنية من تحدٍ إلى أصل استراتيجي، عبر الاستثمار في البنية التحتية والطاقة والنقل والعقبة والمناطق اللوجستية، بما يعزز موقع المملكة كحلقة وصل بين الخليج والمشرق وتركيا وأوروبا.

ما الذي ينبغي فعله الآن؟

تبرز أربع أولويات عملية: إنشاء خلية استراتيجية دائمة تجمع المؤسسات المعنية بالأمن والدفاع والخارجية والاقتصاد لمتابعة التحولات وبناء السيناريوهات؛ إطلاق مبادرة أردنية للحوار الإقليمي بهدف خفض التصعيد وبحث ترتيبات أمن جماعي؛ تسريع استراتيجية أمن الطاقة من خلال التوسع في الطاقة الشمسية والرياح ومصادر الطاقة المحلية؛ وتعزيز الدور الاقتصادي واللوجستي للأردن، خصوصاً عبر تطوير العقبة والممرات التجارية وجذب الاستثمارات النوعية.


خاتمة

الأردن أمام مرحلة لا تحتمل القرارات الانفعالية، كما لا تحتمل الاكتفاء بسياسة الانتظار. والمطلوب استراتيجية تجمع بين حماية السيادة، ومرونة التحالفات، وتعظيم المصالح الاقتصادية، وتوسيع الدور الدبلوماسي.سياحة الأردن


إن قوة الأردن لن تقاس فقط بحجم تحالفاته العسكرية، بل بقدرته على جعل موقعه الجغرافي وعلاقاته المتوازنة واقتصاده ومكانته السياسية عناصر قوة يصعب تجاوزها.سياحة الأردن

ومن هنا، قد يكون «الوسط الذكي» إطاراً عملياً للتحرك: لا انكفاء عن الإقليم، ولا ارتهان لمحور، بل انخراط محسوب، وشراكات متعددة، وقرار وطني مستقل، واقتصاد قادر على الصمود.


· باحث ومخطط استراتيجي