وجهات نظر

الرديّة الضريبية حق اجتماعي

الرديّة الضريبية حق اجتماعي

من دعم السلعة إلى إنصاف الإنسان

كيف تعيد الدولة إلى الأسر محدودة الدخل جزءاً من ضريبة المبيعات الواقعة على احتياجاتها الأساسية، بما يراعي دخلها وحجمها وكلفة معيشتها؟

كل شهر، عند صندوق الدفع، يدفع الجميع النسبة نفسها من ضريبة المبيعات، لا أحد يراها مكتوبة بخط بارز على الفاتورة، لكنها موجودة، وأثرها ليس واحداً، عند أسرة ميسورة، هي رقم إضافي يضيع وسط فاتورة طويلة، وعند أسرة تعيش على راتب محدود، قد تعني وجبة أقل، أو دواء يُؤجَّل أسبوعاً.

هذا هو جوهر المشكلة: نسبة الضريبة واحدة، لكن وقعها على الحياة اليومية ليس كذلك، فالعدالة لا تُقاس بالنسبة المكتوبة في القانون وحدها، بل بما يتبقى فعلياً في جيب الأسرة بعد أن تدفع.

لماذا لا يكفي دعم السلع؟

اعتمدت الحكومات، على مدى سنوات، دعم بعض السلع الأساسية أو إعفاءها من الضريبة، أدّت هذه السياسة دورها، ولا تزال سلع شديدة الحساسية بحاجة إليها، لكنها لا تضمن أن تصل المنفعة الأكبر إلى من يحتاجها أكثر.

حين ينخفض السعر يستفيد الجميع، وقد تكون استفادة صاحب الدخل المرتفع أكبر لأن استهلاكه أعلى، وفي حالات كثيرة يتسرب جزء من قيمة الدعم قبل وصوله إلى الشريحة المستهدفة، بين مستورد وموزع وتاجر.

ثم إن الأسرة لا تعيش من صنف واحد، بل من سلة تضم الغذاء والدواء والكهرباء والنقل والتعليم، قد يكون الخبز مدعوماً، بينما تستهلك المواصلات أو فاتورة الطاقة جانباً متزايداً من الدخل، ولذلك يصعب على دعم جزئي أن يعالج مشكلة ترتبط بكلفة المعيشة كلها.

من هنا تأتي الحاجة إلى الانتقال من دعم الصنف إلى دعم الفرد، مع الإبقاء على إعفاءات محددة للسلع شديدة الحساسية متى كانت مبررة، فالسؤال ليس فقط: كم دفع المواطن؟ بل: كم بقي له؟

مقترح حملناه إلى البرلمان

هذه الفكرة ليست جديدة عندي، خلال عملي نائباً في مجلس النواب السابع عشر، تقدمت، بدعم من كتلة المبادرة النيابية، بمقترح لإدراج «الرديّات الضريبية» ضمن التشريعات الناظمة لضريبتي الدخل والمبيعات.

كان جوهر المقترح أن تعيد الدولة إلى أصحاب الدخول المحدودة جزءاً مما تحمّلوه من ضرائب على احتياجاتهم الأساسية، وأن يصبح ذلك حقاً ينظمه القانون، لا مساعدة موسمية ترتبط بقرار عابر.

لا يعني هذا إلغاء ضريبة المبيعات. تستوفي الدولة الضريبة، ثم تعيد إلى الأسرة المستحقة المكوّن الضريبي المقدّر في سلة أساسية معيارية، وفقاً لصافي دخلها وعدد أفرادها والمعالين فيها ونفقاتها الصحية الثابتة.

ولا تحتاج الأسر إلى جمع فواتير مشترياتها؛ إذ يمكن احتساب الرديّة تقديرياً وفق سلة تحددها بيانات إنفاق الأسر، وتراجع دورياً تبعاً للأسعار وكلفة المعيشة، ونسب التضخّم.

هناك تجارب دولية يمكن الاستفادة من مبادئها من دون استنساخها، ففي كندا، أُعيدت في تموز 2026 تسمية ائتمان ضريبة السلع والخدمات تحت مسمى «منفعة كندا للبقالة والاحتياجات الأساسية»، مع زيادة قيمته والإبقاء على هيكل الاستحقاق المرتبط بصافي دخل الأسرة.

وفي الولايات المتحدة، يقدم «ائتمان الدخل المكتسب» نموذجاً مختلفاً لاستخدام النظام الضريبي في دعم العاملين من ذوي الدخول المنخفضة والمتوسطة، والدرس الأهم هو إمكان احتساب الاستحقاق وصرفه اعتماداً على البيانات المتوافرة، من دون معاملات معقدة ومتكررة.

أما في الأردن، فالتحدي أكبر بسبب محدودية قاعدة المسجلين في ضريبة الدخل واتساع القطاع غير الرّسمي أو غير المنظم، ولذلك فإن بناء سجل اجتماعي وضريبي متكامل شرط أساسي لنجاح الرديّة.

لا حماية عادلة بأرقام قديمة

لا يزال خط الفقر الوطني المنشور لعام 2010 آخر مرجعية تفصيلية متاحة على نطاق واسع، حين قُدّر خط الفقر المطلق بنحو 813.7 ديناراً للفرد سنوياً.

وفي عام 2019، أُعلن أن معدل الفقر بين الأردنيين بلغ نحو 15.7% استناداً إلى مسح دخل وإنفاق الأسر 2017–2018، غير أن المسح أعيد تصميمه منهجياً، ما يجعل نتائجه غير قابلة للمقارنة المباشرة مع أرقام 2010.

ومنذ ذلك الوقت تغيرت أسعار الغذاء والسكن والنقل والطاقة، ولا يصح بناء استحقاق اجتماعي جديد على حدود دخل فقدت كثيراً من دلالتها، المطلوب خط فقر وطني محدّث، وبيانات حديثة عن دخل الأسر وإنفاقها، ومراجعة دورية لسلة الاحتياجات الأساسية.

رديّة متدرجة لا تعاقب الدخل

يمكن، لأغراض الدراسة والمحاكاة، البدء بالأسر التي لا يتجاوز مجموع صافي دخلها الشهري 500 دينار، فتسترد كامل المكوّن الضريبي المقدّر في سلتها الأساسية، وبعد هذا الحد تتناقص الرديّة تدريجياً إلى سقف أعلى تحدده المحاكاة المالية والاجتماعية.

هذه الحدود اختبارية وليست نهائية، ويجب أن تراعي حجم الأسرة؛ فألف دينار لأسرة من فردين ليست كألف دينار لأسرة من سبعة أفراد.

ومن المهم ألا ينقطع الاستحقاق فجأة عند تجاوز سقف معين، ليس منطقياً أن يخسر عامل، بسبب زيادة بسيطة في راتبه، رديّة تزيد قيمتها على تلك الزيادة، هذا هو «فخ الدخل» الذي يمنعه التدرج.

لنأخذ مثالاً توضيحياً: أسرة دخلها 500 دينار، تنفق 300 دينار على سلة أساسية شاملة ضريبة نسبتها 16%. يكون المكوّن الضريبي:

300 × 16 ÷ 116 = 41.4 ديناراً شهرياً.

أي إن الضريبة الواقعة على السلة الأساسية وحدها تستهلك نحو 8.3% من دخل الأسرة، وهي نسبة مؤثرة في بيت يوزع خمسمئة دينار على الطعام والسكن والدواء والنقل والتعليم وفواتير الشهر.

وإذا افترضنا، لأغراض المحاكاة فقط، قاعدة تقارب 2.5 مليون أسرة مقيمة، وأن 30–35% منها تقع ضمن الشرائح المستهدفة، بمتوسط رديّة بين 30 و45 ديناراً شهرياً، فقد تبلغ الكلفة السنوية نحو 270–470 مليون دينار.

هذا تقدير أولي لإظهار حجم الالتزام المحتمل، وليس بديلاً عن دراسة رسمية تحدد عدد الأسر الأردنية المؤهلة، وقيمة الرديّة، ومصدر تمويلها، وأثرها الصافي في الموازنة.

إدارة واضحة وتمويل معلن

تحتاج السياسة إلى جهة واحدة تتولى تحديد الاستحقاق والصرف، مستفيدة من بيانات ضريبة الدخل والمبيعات والضمان الاجتماعي ودائرة الإحصاءات العامة. ويمكن أن يتولى صندوق المعونة الوطنية هذه المهمة ضمن إطار حكومي موحد.

لكن البيانات الرسمية قد لا تعكس أوضاع العاملين في القطاع غير المنظم، وهم من الفئات الأجدر بالحماية، لذلك ينبغي الاستعانة بمؤشرات مثل حجم الأسرة والملكيات والنفقات الصحية والحالة السكنية للتحقق وتقدير الاستحقاق، لا للاستبعاد الآلي، مع توفير مسار اعتراض بسيط.

أما التمويل، فيمكن أن يبدأ بمراجعة الدعم المعمّم وقياس المستفيد الفعلي منه، ثم تحويل جزء مما يثبت ضعف كفاءته تدريجياً إلى الرديّة، إلى جانب تحسين التحصيل والحد من التهرب الضريبي.

على أن تبقى هناك قاعدة لا يجوز تجاوزها: ألا يُلغى أي دعم قائم قبل التأكد من وصول البديل إلى مستحقيه. فالغاية ليست تخفيف بند في الموازنة على حساب الأسرة، بل إنفاق المال العام بصورة أكثر عدالة.

جزء من سياسة أوسع

الرديّة ليست بديلاً عن إصلاح الأجور أو تطوير النقل العام أو تحسين الصحة والتعليم، وهي لن تعالج وحدها البطالة أو ارتفاع كلفة السكن، لكنها تمنع النظام الضريبي من زيادة الضيق على من ينفق معظم دخله لتأمين الضروريات.

عدالة الضرائب لا تُقاس في دفاتر الموازنة وحدها، بل في مطبخ البيت وباب الصيدلية ومحطة الحافلة، وتوسيع الرديّات خطوة عملية للانتقال من دعم الصنف إلى إنصاف الإنسان.

فالعدالة لا تعني أن يدفع الجميع بالطريقة نفسها، بل ألا يُقتطع من ضروريات الضعيف ما يُقتطع من فائض المقتدر.

ربما لا نستطيع إعفاء الحياة كلها من الضريبة، لكننا نستطيع أن نمنع الضريبة من التهام الحد الأدنى من الاجور.