وجهات نظر

بعد الحرب .. إلى أين تتجه أسعار الذهب والنفط؟

بعد الحرب ..  إلى أين تتجه أسعار الذهب والنفط؟


الحروب لا تغيّر خرائط السياسة فقط، بل تعيد رسم خريطة الأسواق أيضاً. ويُعد الذهب والنفط من أكثر الأصول تأثراً بالصراعات الجيوسياسية، إلا أن طريقة استجابتهما تختلف جذرياً. فالنفط يتفاعل بصورة مباشرة مع مخاطر تعطل الإمدادات والممرات البحرية، بينما يتأثر الذهب بمجموعة أوسع من العوامل، تشمل أسعار الفائدة الأميركية، وقوة الدولار، والتضخم، ومشتريات البنوك المركزية، إلى جانب التوترات الجيوسياسية.
ولهذا، فإن السؤال الذي يطرحه المستثمرون مع اقتراب أي حرب من نهايتها ليس: هل سترتفع الأسعار أم ستنخفض؟ بل: أي جزء من الأسعار كان يعكس أساسيات الاقتصاد، وأي جزء كان مجرد علاوة للخوف وعدم اليقين؟

بالنسبة للنفط، فإن الارتفاعات التي شهدتها الأسعار خلال الحرب لم تكن نتيجة نقص فعلي في الإمدادات وحده، بل بسبب ما يعرف بـ "علاوة المخاطر الجيوسياسية". فعندما تزداد المخاوف من تعطل صادرات الخليج أو إغلاق مضيق هرمز، تضيف الأسواق علاوة سعرية تعكس احتمال حدوث أزمة في الإمدادات، حتى وإن لم تتوقف الصادرات فعلياً.

وهذا ما يفسر سرعة استجابة أسعار النفط للأخبار السياسية. فكلما ارتفعت احتمالات التهدئة أو استئناف الملاحة، تبدأ هذه العلاوة بالتآكل، وقد تتراجع الأسعار بصورة حادة خلال فترة قصيرة. وفي المقابل، فإن أي تعثر في المفاوضات أو تجدد للهجمات على المنشآت النفطية أو الناقلات يعيد تلك العلاوة إلى الأسعار بسرعة. ولا تزال الأسواق شديدة الحساسية لأي تطورات في منطقة الخليج، حيث تشير تقديرات وكالة الطاقة الدولية إلى أن أي اضطراب طويل في الإمدادات قد يبقي السوق في حالة عجز خلال عام 2026، قبل أن يتحول إلى فائض في عام 2027 إذا عادت التدفقات النفطية إلى طبيعتها وارتفع إنتاج الدول غير الأعضاء في أوبك بلس.

غير أن اتجاه أسعار النفط لن يعتمد على التطورات السياسية وحدها. فهناك عوامل أخرى لا تقل أهمية، أبرزها قرارات تحالف أوبك+، ومستويات المخزونات العالمية، ونمو إنتاج النفط الأميركي، ومسار الطلب في الصين والهند. فإذا تباطأ الاقتصاد العالمي أو استمر ضعف الطلب الآسيوي، فقد تتعرض الأسعار لضغوط إضافية حتى بعد انتهاء الحرب، بينما تستطيع أوبك بلس الحد من الهبوط إذا قررت تقليص الإنتاج.

أما الذهب، فقصته أكثر تعقيداً. صحيح أنه يُعرف تقليدياً بأنه الملاذ الآمن في أوقات الحروب والأزمات، لكن انتهاء الحرب لا يعني بالضرورة انتهاء موجة ارتفاعه. فالذهب لا يتحرك فقط وفق مستوى المخاطر الجيوسياسية، بل يتأثر أيضاً بالسياسة النقدية الأميركية، والعوائد الحقيقية على السندات، وقوة الدولار، وسلوك البنوك المركزية.

ومن المعروف أن الذهب لا يدر عائداً مالياً، ولذلك يصبح أكثر جاذبية عندما تنخفض أسعار الفائدة أو تتراجع العوائد الحقيقية على السندات. وإذا أدى انتهاء الحرب إلى انخفاض أسعار النفط، فقد تتراجع الضغوط التضخمية، وهو ما قد يمنح الاحتياطي الفيدرالي مساحة أكبر لتخفيف السياسة النقدية مستقبلاً. وفي هذه الحالة، قد يفقد الذهب جزءاً من جاذبيته كملاذ آمن، لكنه يكتسب دعماً جديداً من انخفاض أسعار الفائدة وضعف الدولار.

إلى جانب ذلك، ما زالت مشتريات البنوك المركزية تمثل أحد أهم مصادر الدعم الهيكلي لسوق الذهب. فقد اتجهت العديد من البنوك المركزية خلال السنوات الأخيرة إلى زيادة احتياطياتها من الذهب بهدف تنويع الأصول وتقليل الاعتماد على الدولار، وهو اتجاه من المتوقع أن يستمر حتى في حال انحسار التوترات الجيوسياسية. كما يرى عدد من بيوت الخبرة أن العوامل الهيكلية الداعمة للذهب ما تزال قوية، حتى مع احتمال حدوث تصحيحات سعرية قصيرة الأجل.

ومع ذلك، لا يعني ذلك أن الذهب سيواصل الصعود دون انقطاع. فإذا جاءت بيانات الاقتصاد الأميركي أقوى من المتوقع، أو ارتفعت عوائد السندات مجدداً، أو استعاد الدولار قوته، فقد يتعرض الذهب لموجة تصحيح، وهو أمر طبيعي بعد الارتفاعات الكبيرة التي شهدها خلال السنوات الأخيرة.

وخلال الأسابيع المقبلة يمكن تصور ثلاثة سيناريوهات رئيسية. السيناريو الأول يتمثل في نجاح المفاوضات وعودة الاستقرار السياسي والملاحة البحرية إلى طبيعتها. في هذه الحالة، يرجح أن يتراجع النفط تدريجياً مع اختفاء علاوة المخاطر، بينما قد يشهد الذهب انخفاضاً محدوداً في البداية قبل أن يستقر إذا دعمت أسعار الفائدة المنخفضة الطلب عليه.

أما السيناريو الثاني، فيفترض توقف العمليات العسكرية دون التوصل إلى تسوية سياسية مستقرة. عندها قد يفقد النفط جزءاً من علاوة الحرب، لكنه سيبقى متقلباً، بينما يحتفظ الذهب بجزء كبير من جاذبيته نتيجة استمرار حالة عدم اليقين.

أما السيناريو الثالث، وهو الأقل تفاؤلاً، فيتمثل في انهيار المفاوضات وتجدد التصعيد العسكري. وفي هذه الحالة قد يرتفع النفط والذهب معاً، لكن لأسباب مختلفة؛ فالنفط سيرتفع بسبب مخاطر الإمدادات، بينما يرتفع الذهب نتيجة زيادة الطلب على الأصول الآمنة. وتشير التطورات الأخيرة إلى أن الأسواق ما تزال تتفاعل بقوة مع أي أخبار تتعلق بالمفاوضات أو الملاحة في مضيق هرمز، وهو ما يفسر استمرار التقلبات في أسعار النفط والذهب معاً.

في المحصلة، يبدو النفط أكثر عرضة للتراجع بعد أي تسوية مستقرة، لأن جزءاً مهماً من سعره الحالي يعكس علاوة مرتبطة بالمخاطر الجيوسياسية، وهي علاوة قد تتلاشى سريعاً مع عودة الإمدادات. أما الذهب، فمن المرجح أن يكون أكثر صموداً، لأن العوامل التي تحركه تتجاوز الحرب نفسها، وتشمل السياسة النقدية الأميركية، وقوة الدولار، والديون العالمية، ومشتريات البنوك المركزية، والثقة بالنظام المالي الدولي.

إن الأسواق في نهاية المطاف لا تبقى رهينة للخوف إلى الأبد. فالحروب قد تدفع الأسعار إلى مستويات مرتفعة بسبب عدم اليقين، لكن مع انحسار التوترات تعود الأسواق تدريجياً إلى أساسيات الاقتصاد. وفي حالة النفط، تبقى الإمدادات والإنتاج والمخزونات هي العامل الحاسم على المدى المتوسط، بينما تظل أسعار الفائدة والدولار والثقة بالاقتصاد العالمي هي العوامل الأكثر تأثيراً في تحديد الاتجاه طويل الأجل للذهب.