متداول تكنولوجيا

إستونيا تمنح آلاف الطلاب اشتراكًا مجانيًا في تشات جي بي تي

إستونيا تمنح آلاف الطلاب اشتراكًا مجانيًا في تشات جي بي تي

للعلّم - في الوقت الذي لا تزال فيه العديد من المدارس حول العالم تناقش فرض قيود على استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي داخل الفصول الدراسية، اتخذت إستونيا خطوة مغايرة تمامًا، حيث قررت منح آلاف الطلاب إمكانية الوصول المجاني إلى تشات جي بي تي بدلًا من محاولة منعه.

وتُعد هذه المبادرة واحدة من أوسع التجارب التعليمية المعتمدة على الذكاء الاصطناعي حتى الآن، وقد تجعل من الدولة الواقعة في منطقة البلطيق نموذجًا عالميًا لفهم تأثير هذه التقنيات على مستقبل التعليم.

20 ألف طالب يحصلون على تشات جي بي تي مجانًا
بحسب تقرير نشرته صحيفة "وول ستريت جورنال"، أتاحت الحكومة الإستونية أدوات الذكاء الاصطناعي لنحو 20 ألف طالب من الصفين العاشر والحادي عشر ضمن مشروع وطني يهدف إلى دمج هذه التقنيات داخل العملية التعليمية.

وجاء القرار بعد إدراك المسؤولين أن الطلاب يستخدمون بالفعل روبوتات الدردشة الذكية على نطاق واسع في أداء الواجبات المدرسية والبحث والتعلم، ما جعل فكرة الحظر الكامل تبدو غير واقعية في ظل الانتشار المتسارع لهذه الأدوات.

وبدلًا من مقاومة هذا التوجه، قررت إستونيا إعادة تصميم أساليب التعليم بما يتناسب مع وجود الذكاء الاصطناعي كجزء من البيئة التعليمية الحديثة.

شراكة مع "OpenAI" و"غوغل"
في إطار المشروع، تعاونت إستونيا مع و لتوفير نسخ تعليمية مخصصة من تشات جي بي تي وجيميناي.

وتم تصميم هذه الإصدارات بحيث لا تقدم الإجابات الجاهزة مباشرة، بل تعتمد على أسلوب سقراطي يوجه الطلاب نحو التفكير والتحليل وحل المشكلات خطوة بخطوة.

ويهدف هذا النهج إلى تحويل الذكاء الاصطناعي إلى أداة مساعدة على التعلم بدلًا من أن يكون وسيلة لإنجاز الواجبات بشكل آلي.

طرق تدريس جديدة داخل الفصول
بدأ المعلمون بالفعل في اختبار أساليب تعليمية مختلفة تعتمد على الذكاء الاصطناعي.

في إحدى حصص اللغة الإنجليزية، طُلب من الطلاب إجراء حوار مع تشات جي بي تي من خلال تقمص دور ضيوف الاجتماع الأدبي الشهير عام 1816 الذي استلهمت خلاله الكاتبة ماري شيلي فكرة رواية "فرانكنشتاين"، قبل مناقشة التجربة داخل الفصل.

وفي مدارس أخرى، يُطلب من الطلاب استكشاف موضوعات معينة بمساعدة الذكاء الاصطناعي في المنزل، بينما يُخصص وقت الحصة للنقاش والتحليل وتبادل الآراء.

مخاوف من "ضمور التفكير"
ورغم الحماس الذي يحيط بالمشروع، فإن أحد أبرز المخاوف يتمثل فيما يسميه بعض التربويين "ضمور التفكير بسبب الذكاء الاصطناعي"، أي اعتماد الطلاب بشكل مفرط على روبوتات الدردشة إلى درجة تراجع قدراتهم على التفكير النقدي وحل المشكلات بشكل مستقل.

ولهذا السبب يعمل باحثون في إستونيا بالتعاون مع جامعة ستانفورد و"OpenAI" على دراسة تأثير استخدام الذكاء الاصطناعي على مهارات التفكير والاستيعاب والثقة بالنفس وسلوكيات التعلم لدى الطلاب.

ومن المتوقع صدور النتائج الأولية لهذه الأبحاث خلال وقت لاحق من العام الجاري.

ردود فعل متباينة بين الطلاب
أظهرت التجربة أن الطلاب لا يتعاملون مع الذكاء الاصطناعي بالطريقة نفسها.

بعضهم يستخدمه للمراجعة الدراسية وتوليد الأفكار وفهم الموضوعات المعقدة، بينما يحاول آخرون التحايل على القيود للحصول على إجابات مباشرة للواجبات.

وفي المقابل، يرفض عدد من الطلاب استخدام هذه الأدوات أصلًا بسبب مخاوف تتعلق بالإبداع أو الأخلاقيات أو التأثير البيئي أو الاعتماد المفرط على التكنولوجيا.

حتى إن أحد الطلاب وصف سبب ابتعاده عن الذكاء الاصطناعي بأنه خوف من "ضمور القدرات الذهنية".

تجربة قد تغير مستقبل التعليم عالميًا
لا تقتصر أهمية المشروع على إستونيا وحدها، إذ تنظر "OpenAI" إليه باعتباره خطوة أولى نحو توسيع استخدام أنظمة الذكاء الاصطناعي التعليمية في المدارس الثانوية حول العالم.

كما بدأت بالفعل بعض المناطق التعليمية في الولايات المتحدة ودول أخرى بتجربة برامج مشابهة داخل الفصول الدراسية.

لكن التحدي الأكبر يظل في تحقيق التوازن بين الاستفادة من الذكاء الاصطناعي والحفاظ على التعلم الحقيقي.

بعض الدراسات تشير إلى أن الطلاب الذين يعتمدون بشكل مفرط على أدوات الذكاء الاصطناعي قد يواجهون صعوبات أكبر عند أداء الاختبارات أو المهام التي تتطلب العمل بشكل مستقل دون مساعدة خارجية.

نموذج جديد للتعليم
ترى إستونيا أن الحل لا يكمن في منع الذكاء الاصطناعي من دخول المدارس، بل في إعادة تصميم العملية التعليمية بحيث يصبح الذكاء الاصطناعي شريكًا في التفكير والتعلم، وليس مجرد وسيلة مختصرة للحصول على الإجابات.

ورغم أن نجاح هذه الرؤية لم يُحسم بعد، فإن التجربة الإستونية قد تتحول خلال السنوات المقبلة إلى واحدة من أهم الدراسات الواقعية لفهم شكل التعليم في عصر الذكاء الاصطناعي، وكيف يمكن للمدارس التكيف مع واقع أصبح فيه الفصل بين التعلم والتكنولوجيا أكثر صعوبة من أي وقت مضى.