ديني

آداب السفر للحاج والمعتمر

آداب السفر للحاج والمعتمر

للعلّم - حين يهم الحاج أو المعتمر بالسفر إلى بيت الله، فإنه لا يخرج إلى رحلة عادية، بل إلى عبادة تمتد من لحظة خروجه من بيته وحتى يعود إليه، ولهذا لم يترك الإسلام المسافر بلا توجيه، بل أحاطه بآداب تربي القلب، وأذكار تحفظ الروح، حتى يكون الطريق إلى مكة طريقًا عامرًا بالإيمان قبل الوصول إلى الحرم، لأن السفر امتحان للنفس والأخلاق، ففيه يتعب الجسد، ويضيق الوقت، وتختلف الطباع، ولذلك كان من أجمل ما يتزود به المسافر: حسن الخلق، وسعة الصدر، والرفق بالناس؛ قال الحافظ ابن رجب رحمه الله: الإحسان إلى الرفقة في السفر أفضل من العبادة القاصرة، لا سيما إن احتاج العابد إلى خدمة إخوانه، وكان كثير من السلف يشترط على أصحابه في السفر أن يخدمهم اغتنامًا للأجر، فالمؤمن في سفره ليس فقط عابدًا يؤدي مناسك، بل قدوة تمشي بين الناس.


أيها الحاج، إن من آداب السفر: اختيار الصحبة الصالحة التي تعين على الطاعة، وتوديع الأهل بالكلمة الطيبة والدعاء، ورد المظالم والتحلل من الحقوق قبل السفر، والرفق بالرفقة وعدم إثقالهم بالطلبات أو الغضب، والمحافظة على الصلاة والذكر مهما تغيرت الظروف، يحكى أن رجلين خرجا للحج؛ أحدهما كان كثير الذكر، هادئ النفس، يبتسم عند التعب، ويقول دائمًا: نحن في عبادة، أما الآخر فكان سريع التذمر، يغضب من الزحام وتأخر الطريق، وفي إحدى المحطات تعطلت الحافلة لساعات، فبدأ الناس يضجرون، أما الرجل الصالح فجمع رفقته وبدأ يردد أذكار السفر ويدعو الله، فتحول التوتر إلى سكينة، يقول صاحبه بعد العودة: تعلمت أن الإيمان الحقيقي لا يظهر في الراحة، بل في الطريق المتعب.


يا أخي، ما أجمل أن يسير الحاج ولسانه يلهج بذكر الله، فيتحول الطريق الطويل إلى عبادة مستمرة، فقد كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا ركب دابته للسفر قال: ((سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين، وإنا إلى ربنا لمنقلبون، اللهم إنا نسألك في سفرنا هذا البر والتقوى، ومن العمل ما ترضى، اللهم هون علينا سفرنا هذا، واطوِ عنا بُعده، اللهم أنت الصاحب في السفر، والخليفة في الأهل، اللهم إني أعوذ بك من وعثاء السفر، وكآبة المنظر، وسوء المنقلب في المال والأهل والولد، وإذا رجع قالهن وزاد فيهن: آيبون، تائبون، عابدون لربنا، حامدون))؛ [رواه مسلم].


يا أخي، تنوعت الأذكار في السفر وشملت عدة مواضع، منها: التكبير عند المرتفعات، والتسبيح عند النزول، والإكثار من الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم، ودعاء النزول في المكان، وهذه الأذكار ليست كلمات تقال فقط، بل رسائل طمأنينة للقلب، يشعر معها المسافر أن الله معه، يحفظه ويرعاه.


أيها المبارك، كان السلف يعدون حسن الأدب في السفر جزءًا من العبادة؛ لأن الطريق إلى الله لا يقطع بالأجساد وحدها، بل بالأخلاق والذكر والصبر، فيا ضيف الرحمن، اجعل قلبك مليئًا بالذكر والأدب والرفق، كما ملأت حقيبتك باحتياجاتك، واحمل معك أذكار الطريق كما تحمل متاعك، فإنها زاد المسافر، وأنس الغريب، وسكينة القلب.