الموازنة المفتوحة في الأردن 2025
لم تعد قضايا الموازنة العامة في العالم الحديث مجرد أرقام محاسبية أو جداول إنفاق وإيرادات، بل أصبحت معيارًا مباشرًا لقياس جودة الحوكمة، ومستوى الثقة بين الدولة والمواطن، وقدرة المؤسسات على إدارة المال العام بكفاءة وشفافية. وفي هذا السياق، تحمل نتائج الأردن في مسح الموازنة المفتوحة 2025 دلالات اقتصادية وسياسية وإدارية تتجاوز الأرقام المجردة، لأنها تعكس طبيعة التحول الذي يشهده الاقتصاد الأردني ضمن مسارات التحديث المختلفة.
النتائج التي أعلنتها مؤسسة "شركاء الأردن" أظهرت تقدمًا واضحًا في مؤشرات الشفافية والرقابة والمشاركة مقارنة بالدورات السابقة، إلا أنها في الوقت نفسه كشفت عن فجوة مستمرة بين تحسن الإفصاح المالي وبين محدودية المشاركة المجتمعية وضعف الرقابة المؤسسية الكاملة على دورة الموازنة.
حصول الأردن على 62 من 100 في محور الشفافية يضعه ضمن المستوى الكافي دوليًا، ويعكس تحسنًا تدريجيًا في نشر معلومات الموازنة وإتاحتها للجمهور. كما أن تجاوز المتوسط الإقليمي البالغ 30 نقطة يحمل دلالة مهمة، خصوصًا في منطقة ما تزال تعاني في العديد من دولها من محدودية الوصول إلى البيانات المالية العامة.
لكن أهمية هذا التقدم لا تكمن فقط في ارتفاع الرقم من 60 إلى 62، بل في طبيعة التحول المؤسسي الذي يقف خلفه. فخلال السنوات الأخيرة، اتجهت الحكومات الأردنية نحو توسيع نشر وثائق الموازنة، وتطوير موازنات المواطن، وتحسين التقارير الدورية، وربط جزء من الإنفاق بمنهجية الموازنة الموجهة بالنتائج. وهذه الخطوات تعكس انتقالًا تدريجيًا من مفهوم إدارة الإنفاق إلى مفهوم إدارة الأداء.
اقتصاديًا الشفافية المالية ليست قضية تجميلية أو إدارية فقط، بل عنصر أساسي في تحسين البيئة الاستثمارية وتقليل المخاطر السيادية. فكلما زادت وضوح البيانات المالية، ارتفعت قدرة المستثمرين والمؤسسات الدولية على تقييم الاستقرار المالي للدولة، وتراجعت حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات الاقتصادية.
كما أن مؤسسات التمويل الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أصبحت تربط بصورة متزايدة بين كفاءة الإدارة المالية العامة وبين قدرة الدول على الحصول على التمويل بشروط أفضل. وبالتالي، فإن تحسين مؤشرات الموازنة المفتوحة يعزز صورة الأردن كمؤسسة دولة تمتلك قدرًا أعلى من الانضباط المالي والانفتاح المؤسسي.
ورغم هذا التقدم، فإن نتائج المشاركة العامة تكشف واحدة من أبرز نقاط الضعف الهيكلية في إدارة المالية العامة الأردنية. صحيح أن الأردن رفع درجته من 4 إلى 18 من 100، لكن هذا المستوى ما يزال ضمن الفئة الضعيفة، ويعكس أن عملية إعداد الموازنة لا تزال ذات طابع حكومي مغلق نسبيًا.
المفارقة اللافتة أن مرحلة إعداد الموازنة سجلت صفرًا من مئة في المشاركة العامة، ما يعني أن المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني والقطاعات الاقتصادية لا يملكون مساحة حقيقية للمساهمة في تحديد أولويات الإنفاق قبل صياغة المشروع النهائي. وهنا تظهر إحدى الإشكاليات العميقة في بنية السياسات المالية في الأردن. فالموازنة لا تتعلق فقط بكيفية توزيع الأموال، بل بتحديد أولويات التنمية نفسها. وعندما تكون المشاركة محدودة، تصبح الموازنة أقرب إلى وثيقة حكومية تقنية، بدل أن تكون عقدًا اقتصاديًا واجتماعيًا يعكس احتياجات المجتمع.
كما أن ضعف المشاركة يحد من كفاءة الإنفاق العام. فالمجتمعات المحلية والقطاعات الاقتصادية غالبًا ما تمتلك معرفة أكثر دقة بالأولويات التنموية الفعلية، سواء في التعليم أو النقل أو الصحة أو البنية التحتية أو التشغيل. ولذلك فإن توسيع المشاركة لا يمثل فقط مطلبًا ديمقراطيًا، بل أداة لتحسين تخصيص الموارد ورفع كفاءة الإنفاق.
ومن هنا، تبدو توصيات التقرير المتعلقة بالموازنات التشاركية ذات أهمية كبيرة، خاصة إذا تم تطبيقها على مستوى البلديات أو القطاعات الخدمية أو المشاريع التنموية المحلية. لأن هذا النوع من المشاركة يخلق علاقة مباشرة بين المواطن والإنفاق العام، ويعزز الإحساس بالملكية المجتمعية للسياسات الاقتصادية.
أما محور الرقابة، والذي سجل فيه الأردن 46 من 100، فيعكس وجود تحسن تدريجي لكنه غير كافٍ بعد. فالرقابة البرلمانية ما تزال ضمن المستوى المحدود، وكذلك رقابة ديوان المحاسبة. التحدي الأساسي هنا لا يتعلق فقط بوجود مؤسسات رقابية، بل بفاعلية هذه المؤسسات وقدرتها على التأثير الفعلي في القرارات المالية. إذ إن الرقابة الحقيقية تبدأ قبل إقرار الموازنة، وليس بعد الإنفاق فقط. ولذلك فإن مطالبة التقرير بمناقشة السياسة المالية قبل إحالة مشروع الموازنة تمثل نقطة جوهرية في تطوير العمل البرلماني المالي.
كذلك، فإن تمكين اللجان البرلمانية المختلفة من دراسة الموازنة بدل حصرها باللجنة المالية فقط، قد يرفع جودة النقاشات القطاعية، ويمنح النواب قدرة أكبر على تقييم كفاءة الإنفاق ضمن القطاعات المختلفة. وفي جانب آخر، فإن تعزيز استقلالية ديوان المحاسبة يحمل أهمية استراتيجية في بناء الثقة بالمؤسسات الرقابية. فكلما ارتفعت استقلالية أجهزة التدقيق، زادت مصداقية الرقابة المالية، وارتفعت قدرة الدولة على مكافحة الهدر وتحسين كفاءة استخدام الموارد العامة.
اللافت أيضًا في نتائج المسح هو الربط المتزايد بين الشفافية المالية ومسارات التحديث الثلاثة في الأردن: السياسية والاقتصادية والإدارية. فالإصلاح المالي لم يعد منفصلًا عن مشروع التحديث الشامل للدولة. فعلى المستوى السياسي، تعزز الشفافية والمشاركة العامة مفهوم المساءلة والثقة بالمؤسسات. وعلى المستوى الاقتصادي، تساعد في تحسين مناخ الاستثمار وتعزيز الاستقرار المالي. أما إداريًا، فهي تدفع نحو تطوير الأداء الحكومي وربط الإنفاق بالنتائج.
لكن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بتحسن ترتيب الأردن في المؤشرات الدولية، بل بمدى انعكاس هذه التحولات على حياة المواطنين وجودة الخدمات العامة وكفاءة الإنفاق التنموي. فالمرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من نشر المعلومات إلى بناء المشاركة، ومن الرقابة الشكلية إلى الرقابة المؤثرة، ومن الشفافية التقنية إلى الشفافية التفاعلية التي تجعل المواطن جزءًا من دورة القرار المالي.
النتائج التي أعلنتها مؤسسة "شركاء الأردن" أظهرت تقدمًا واضحًا في مؤشرات الشفافية والرقابة والمشاركة مقارنة بالدورات السابقة، إلا أنها في الوقت نفسه كشفت عن فجوة مستمرة بين تحسن الإفصاح المالي وبين محدودية المشاركة المجتمعية وضعف الرقابة المؤسسية الكاملة على دورة الموازنة.
حصول الأردن على 62 من 100 في محور الشفافية يضعه ضمن المستوى الكافي دوليًا، ويعكس تحسنًا تدريجيًا في نشر معلومات الموازنة وإتاحتها للجمهور. كما أن تجاوز المتوسط الإقليمي البالغ 30 نقطة يحمل دلالة مهمة، خصوصًا في منطقة ما تزال تعاني في العديد من دولها من محدودية الوصول إلى البيانات المالية العامة.
لكن أهمية هذا التقدم لا تكمن فقط في ارتفاع الرقم من 60 إلى 62، بل في طبيعة التحول المؤسسي الذي يقف خلفه. فخلال السنوات الأخيرة، اتجهت الحكومات الأردنية نحو توسيع نشر وثائق الموازنة، وتطوير موازنات المواطن، وتحسين التقارير الدورية، وربط جزء من الإنفاق بمنهجية الموازنة الموجهة بالنتائج. وهذه الخطوات تعكس انتقالًا تدريجيًا من مفهوم إدارة الإنفاق إلى مفهوم إدارة الأداء.
اقتصاديًا الشفافية المالية ليست قضية تجميلية أو إدارية فقط، بل عنصر أساسي في تحسين البيئة الاستثمارية وتقليل المخاطر السيادية. فكلما زادت وضوح البيانات المالية، ارتفعت قدرة المستثمرين والمؤسسات الدولية على تقييم الاستقرار المالي للدولة، وتراجعت حالة عدم اليقين المرتبطة بالسياسات الاقتصادية.
كما أن مؤسسات التمويل الدولية، وعلى رأسها صندوق النقد الدولي والبنك الدولي، أصبحت تربط بصورة متزايدة بين كفاءة الإدارة المالية العامة وبين قدرة الدول على الحصول على التمويل بشروط أفضل. وبالتالي، فإن تحسين مؤشرات الموازنة المفتوحة يعزز صورة الأردن كمؤسسة دولة تمتلك قدرًا أعلى من الانضباط المالي والانفتاح المؤسسي.
ورغم هذا التقدم، فإن نتائج المشاركة العامة تكشف واحدة من أبرز نقاط الضعف الهيكلية في إدارة المالية العامة الأردنية. صحيح أن الأردن رفع درجته من 4 إلى 18 من 100، لكن هذا المستوى ما يزال ضمن الفئة الضعيفة، ويعكس أن عملية إعداد الموازنة لا تزال ذات طابع حكومي مغلق نسبيًا.
المفارقة اللافتة أن مرحلة إعداد الموازنة سجلت صفرًا من مئة في المشاركة العامة، ما يعني أن المواطنين ومؤسسات المجتمع المدني والقطاعات الاقتصادية لا يملكون مساحة حقيقية للمساهمة في تحديد أولويات الإنفاق قبل صياغة المشروع النهائي. وهنا تظهر إحدى الإشكاليات العميقة في بنية السياسات المالية في الأردن. فالموازنة لا تتعلق فقط بكيفية توزيع الأموال، بل بتحديد أولويات التنمية نفسها. وعندما تكون المشاركة محدودة، تصبح الموازنة أقرب إلى وثيقة حكومية تقنية، بدل أن تكون عقدًا اقتصاديًا واجتماعيًا يعكس احتياجات المجتمع.
كما أن ضعف المشاركة يحد من كفاءة الإنفاق العام. فالمجتمعات المحلية والقطاعات الاقتصادية غالبًا ما تمتلك معرفة أكثر دقة بالأولويات التنموية الفعلية، سواء في التعليم أو النقل أو الصحة أو البنية التحتية أو التشغيل. ولذلك فإن توسيع المشاركة لا يمثل فقط مطلبًا ديمقراطيًا، بل أداة لتحسين تخصيص الموارد ورفع كفاءة الإنفاق.
ومن هنا، تبدو توصيات التقرير المتعلقة بالموازنات التشاركية ذات أهمية كبيرة، خاصة إذا تم تطبيقها على مستوى البلديات أو القطاعات الخدمية أو المشاريع التنموية المحلية. لأن هذا النوع من المشاركة يخلق علاقة مباشرة بين المواطن والإنفاق العام، ويعزز الإحساس بالملكية المجتمعية للسياسات الاقتصادية.
أما محور الرقابة، والذي سجل فيه الأردن 46 من 100، فيعكس وجود تحسن تدريجي لكنه غير كافٍ بعد. فالرقابة البرلمانية ما تزال ضمن المستوى المحدود، وكذلك رقابة ديوان المحاسبة. التحدي الأساسي هنا لا يتعلق فقط بوجود مؤسسات رقابية، بل بفاعلية هذه المؤسسات وقدرتها على التأثير الفعلي في القرارات المالية. إذ إن الرقابة الحقيقية تبدأ قبل إقرار الموازنة، وليس بعد الإنفاق فقط. ولذلك فإن مطالبة التقرير بمناقشة السياسة المالية قبل إحالة مشروع الموازنة تمثل نقطة جوهرية في تطوير العمل البرلماني المالي.
كذلك، فإن تمكين اللجان البرلمانية المختلفة من دراسة الموازنة بدل حصرها باللجنة المالية فقط، قد يرفع جودة النقاشات القطاعية، ويمنح النواب قدرة أكبر على تقييم كفاءة الإنفاق ضمن القطاعات المختلفة. وفي جانب آخر، فإن تعزيز استقلالية ديوان المحاسبة يحمل أهمية استراتيجية في بناء الثقة بالمؤسسات الرقابية. فكلما ارتفعت استقلالية أجهزة التدقيق، زادت مصداقية الرقابة المالية، وارتفعت قدرة الدولة على مكافحة الهدر وتحسين كفاءة استخدام الموارد العامة.
اللافت أيضًا في نتائج المسح هو الربط المتزايد بين الشفافية المالية ومسارات التحديث الثلاثة في الأردن: السياسية والاقتصادية والإدارية. فالإصلاح المالي لم يعد منفصلًا عن مشروع التحديث الشامل للدولة. فعلى المستوى السياسي، تعزز الشفافية والمشاركة العامة مفهوم المساءلة والثقة بالمؤسسات. وعلى المستوى الاقتصادي، تساعد في تحسين مناخ الاستثمار وتعزيز الاستقرار المالي. أما إداريًا، فهي تدفع نحو تطوير الأداء الحكومي وربط الإنفاق بالنتائج.
لكن النجاح الحقيقي لا يُقاس فقط بتحسن ترتيب الأردن في المؤشرات الدولية، بل بمدى انعكاس هذه التحولات على حياة المواطنين وجودة الخدمات العامة وكفاءة الإنفاق التنموي. فالمرحلة المقبلة تتطلب الانتقال من نشر المعلومات إلى بناء المشاركة، ومن الرقابة الشكلية إلى الرقابة المؤثرة، ومن الشفافية التقنية إلى الشفافية التفاعلية التي تجعل المواطن جزءًا من دورة القرار المالي.