وجهات نظر

بالدم .. لا بالصدفة

بالدم ..  لا بالصدفة


شهداء أمس ومن سبقهم، هم المعنى الحقيقي للوطن حين يختبر، هم"الخط الفاصل" بين أن نبقى واقفين أو نسقط، وهم الحقيقة التي تذكرنا كل يوم أن الأمن الذي نعيشه ليس صدفة، بل نتيجة دم دفع بصمت، نعيش بأمان وهم يسهرون الليل بعناء ودعاء، فلماذا يضحون؟.
هؤلاء "الرجال الرجال" خرجوا من بيوتهم وهم يدركون أن المعركة لم تعد تقليدية، بل مواجهة مع عدو أخطر، يتسلل إلى العقول قبل الحدود، وللبيوت قبل الشوارع، وهي حرب المخدرات الحرب التي لا تعلن رسميا، لكنها إن تركت، قادرة على تدمير مجتمع كامل من الداخل دون طلقة واحدة الا انها تقتل العشرات وتخرب البيوت يوميا.

في هذه المواجهة، لم يترددوا، لم يساوموا، ولم يبحثوا عن مبررات للانسحاب، ولا عن لايكات او استعراض، بل تقدموا لأنهم يعرفون أن التراجع هنا "خيانة للمستقبل"، وأي ثغرة تترك قد تتحول لكارثة، والأهم أنهم كانوا يعرفون أن الطريق قد لا تعود بهم، لكنهم مضوا لأن "الوطن" لا يحمى بالتردد.

"شهداء الواجب" أمس لم يكونوا أول من دفع الثمن، ولن يكونوا آخرههم، فالأردن وطن اعتاد أن ينجب الرجال، يكتب تاريخه بالتضحيات لا بالشعارات، فكل شهيد هو مشروع عمر لم يكتمل، لكنه تحول إلى قيمة أكبر من الحياة نفسها.

في كل بيت أردني، هناك قصة قلقٍ لا تروى، وأم تخفي خوفها خلف الدعاء، وأب يتماسك كي لا ينكسر البيت، وأبناء يكبرون وهم يفهمون أن البطولة ليست خيارا، بل قدر، ففي كل بيت مشروع شهيد، لأن هذا الوطن لا يقوم إلا على أكتاف من يضعونه قبل أنفسهم.

نحن لا نأكل ونشرب ونعمل وننام مطمئنين؛ لأن الأمور تسير وحدها، بل لأن هناك من يسهر بدلا منا، من يواجه بدلا منا، من يقف في وجه الخطر كي لا يصل إلينا، وهذا هو "الوجه الحقيقي" للأمن تضحيات لا ترى، لكنها تحمي كل ما نملك، ومع ذلك ثمة كثيرون لا يشعرون بهذه النعمة.

شهداء مكافحة المخدرات لم يحموا فقط الحدود، بل حموا عقول أبنائنا ومستقبل أجيال كاملة، لأن هذه الآفة ليست جريمة عابرة، بل مشروع تدمير يستهدف الإنسان بالداخل، وإذا لم يواجه بحزم وتضحية، سيتحول إلى انهيار لا يمكن السيطرة عليه.

خلاصة القول، المعركة اليوم ليست معركة أجهزة أمنية فقط، بل معركة مجتمع كامل يدافع عن نفسه، ودماء شهدائنا رسالة واضحة بأن هذا الوطن محروس برجاله، وأن كل من يحاول العبث بأمنه سيصطدم بإرادة لا تنكسر، ولهذا سلام على الذين مضوا واقفين فجرا، وسلام على من كتبوا بدمهم أن الأردن لا يحمى بالكلام، بل بالفعل، وبالتضحية، وبالدم.