سقوط القناع .. الحرب تفضح الأولويات
تكشف الحروب عند نشوبها المسافة الفاصلة بين الخطاب السياسي والواقع العملي، ففي لحظات الصراع تتساقط الشعارات الكبيرة تحت ضغط الوقائع الميدانية، ويصبح ميزان الأفعال أكثر صدقا من ضجيج الخطابات الشعبوية الزائفة.
ففي سياق المواجهة التي اندلعت بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، برزت مفارقة سياسية عميقة كشفت حجم التناقض بين الخطاب الذي ترفعه طهران حول مواجهة إسرائيل وبين ممارساتها الفعلية في محيطها الإقليمي، وهي مفارقة لم تتجلَّ فقط في طبيعة الأهداف التي تعرضت للهجمات، بل أيضا في حجم القوة التي جرى توجيهها إلى دول عربية لم تكن طرفا في هذه الحرب ولم تسعَ اليها.
الأرقام التي ظهرت خلال هذه المواجهة تقدم دلالة سياسية واضحة يصعب تجاوزها، فالمعطيات تشير إلى أن إيران أطلقت ما بين 600 و700 صاروخ باتجاه دول عربية، في مقابل 200 صاروخ فقط باتجاه إسرائيل، ويتكرر المشهد ذاته في استخدام الطائرات المسيرة، حيث تشير البيانات إلى إطلاق ما بين 2200 و2600 طائرة مسيرة باتجاه دول عربية، مقابل 100-150 مسيرة فقط باتجاه إسرائيل.
هذه الفجوة الرقمية الواسعة بين الجبهتين لا تعكس فقط اختلافا في مسار العمليات العسكرية، بل تكشف أيضا نمطا من السلوك الاستراتيجي يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة الأولويات في السياسة الإيرانية.
ويزداد هذا التناقض وضوحا حين ننظر إلى طبيعة الدول التي تعرضت للهجمات، فالدول الخليجية التي طالتها الصواريخ والمسيرات ليست طرفا مباشرا في الصراع، ومع ذلك وجدت نفسها في قلب دائرة الاستهداف، كما أن الأمر لم يقتصر على تلك الدول، إذ تعرض الأردن أيضا لسلسلة من الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة، رغم أنه لم يكن طرفا في الحرب الدائرة، ولم يشارك في العمليات العسكرية المرتبطة بها، وهذا الاستهداف في الواقع إنما يعكس اتجاها يتجاوز منطق المواجهة العسكرية المباشرة إلى محاولة توسيع دائرة الضغط الإقليمي عبر إدخال دول عربية مستقرة في معادلة الصراع.
ويحمل استهداف الأردن دلالات سياسية وأمنية خاصة، فالمملكة تمثل نموذجا لدولة عربية تنتهج سياسة اتزان وحرص دائم على خفض التوترات الإقليمية، وتتبنى مواقف واضحة تقوم على احترام سيادة الدول وضرورة تجنيب المنطقة مزيدا من الصراعات، ومع ذلك وجدت نفسها عرضة لهجمات صاروخية ومسيرات اخترقت أجواءها أو سقطت في أراضيها، في مشهد يعكس حجم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الدول العربية نتيجة سياسات توسعية لمشاريع هيمنة إقليمية تتنافس وتتصارع فيما بينها دون أن يكون للدول العربية علاقة بذلك لا من قريب ولا من بعيد.
كما أن طبيعة الأهداف التي تعرضت للهجمات تضيف بعدا آخر لهذا المشهد، فقد شملت الضربات مناطق مدنية وبنية تحتية حيوية مثل المطارات والفنادق وحقول النفط والموانئ، وهي منشآت ترتبط مباشرة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية للدول، وهذا النوع من الاستهداف يكشف أن الهدف لا يقتصر على تحقيق مكاسب عسكرية، بل يمتد إلى محاولة مبيتة لإحداث اضطراب اقتصادي وأمني في البيئة العربية المحيطة.
هذه الوقائع مجتمعة تعكس صورة مختلفة تماما عن الخطاب الذي تطرحه طهران زورا وبهتانا حول أولوياتها الاستراتيجية، فحين تتجه النسبة الأكبر من الصواريخ والمسيرات نحو دول عربية، بينما يذهب جزء محدود منها نحو إسرائيل الذي يفترض بحسب الخطاب الإيراني أنها العدو الأول، فإن ذلك يطرح تساؤلا سياسيا مشروعا حول حقيقة الشعارات التي جرى استخدامها لسنوات طويلة تحت عنوان المواجهة مع إسرائيل، فالحرب الأخيرة أظهرت أن هذه الشعارات يمكن أن تتحول إلى غطاء سياسي لممارسات تستهدف في جوهرها إعادة تشكيل موازين النفوذ في المنطقة على حساب استقرار الدول العربية.
لقد كشفت هذه الحرب، بالأرقام والوقائع، أن المنطقة العربية كانت إحدى الساحات الأكثر تعرضا لتداعيات الصراع رغم أنها لم تكن طرفا رئيسيا فيه، كما أظهرت أن غياب موقف عربي موحد يجعل دول المنطقة أكثر عرضة للتأثر بصراعات القوى الإقليمية المتنافسة والمتصارعة خدمة لمصالحها وأهدافها الخاصة فقط، وأكثر قابلية للتحول إلى ساحات ضغط متبادل بين أطراف تلك الصراعات.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة والضرورية إلى بلورة مقاربة عربية أكثر قوة وجرأة في التعامل مع التحديات الأمنية المتصاعدة، فالأمن القومي العربي لا يمكن حمايته عبر ردود فعل منفردة، بل يتطلب تنسيقا سياسيا ودبلوماسيا وحتى عسكريا عميقا، وبناء منظومات تعاون دفاعي قادرة على حماية سيادة الدول وصون استقرارها، خاصة وأن التجربة التي كشفتها هذه الحرب تقدم رسالة واضحة مفادها أن حماية الاستقرار العربي مسؤولية جماعية، وأن تحويل هذه المسؤولية إلى فعل سياسي منظم أصبح ضرورة استراتيجية لضمان أمن المنطقة ومنع أي محاولات للعبث بسيادتها أو زعزعة استقرارها.
تكشف الحروب عند نشوبها المسافة الفاصلة بين الخطاب السياسي والواقع العملي، ففي لحظات الصراع تتساقط الشعارات الكبيرة تحت ضغط الوقائع الميدانية، ويصبح ميزان الأفعال أكثر صدقا من ضجيج الخطابات الشعبوية الزائفة.
ففي سياق المواجهة التي اندلعت بين إيران من جهة والولايات المتحدة وإسرائيل من جهة أخرى، برزت مفارقة سياسية عميقة كشفت حجم التناقض بين الخطاب الذي ترفعه طهران حول مواجهة إسرائيل وبين ممارساتها الفعلية في محيطها الإقليمي، وهي مفارقة لم تتجلَّ فقط في طبيعة الأهداف التي تعرضت للهجمات، بل أيضا في حجم القوة التي جرى توجيهها إلى دول عربية لم تكن طرفا في هذه الحرب ولم تسعَ اليها.
الأرقام التي ظهرت خلال هذه المواجهة تقدم دلالة سياسية واضحة يصعب تجاوزها، فالمعطيات تشير إلى أن إيران أطلقت ما بين 600 و700 صاروخ باتجاه دول عربية، في مقابل 200 صاروخ فقط باتجاه إسرائيل، ويتكرر المشهد ذاته في استخدام الطائرات المسيرة، حيث تشير البيانات إلى إطلاق ما بين 2200 و2600 طائرة مسيرة باتجاه دول عربية، مقابل 100-150 مسيرة فقط باتجاه إسرائيل.
هذه الفجوة الرقمية الواسعة بين الجبهتين لا تعكس فقط اختلافا في مسار العمليات العسكرية، بل تكشف أيضا نمطا من السلوك الاستراتيجي يطرح تساؤلات جوهرية حول حقيقة الأولويات في السياسة الإيرانية.
ويزداد هذا التناقض وضوحا حين ننظر إلى طبيعة الدول التي تعرضت للهجمات، فالدول الخليجية التي طالتها الصواريخ والمسيرات ليست طرفا مباشرا في الصراع، ومع ذلك وجدت نفسها في قلب دائرة الاستهداف، كما أن الأمر لم يقتصر على تلك الدول، إذ تعرض الأردن أيضا لسلسلة من الضربات الصاروخية وهجمات الطائرات المسيرة، رغم أنه لم يكن طرفا في الحرب الدائرة، ولم يشارك في العمليات العسكرية المرتبطة بها، وهذا الاستهداف في الواقع إنما يعكس اتجاها يتجاوز منطق المواجهة العسكرية المباشرة إلى محاولة توسيع دائرة الضغط الإقليمي عبر إدخال دول عربية مستقرة في معادلة الصراع.
ويحمل استهداف الأردن دلالات سياسية وأمنية خاصة، فالمملكة تمثل نموذجا لدولة عربية تنتهج سياسة اتزان وحرص دائم على خفض التوترات الإقليمية، وتتبنى مواقف واضحة تقوم على احترام سيادة الدول وضرورة تجنيب المنطقة مزيدا من الصراعات، ومع ذلك وجدت نفسها عرضة لهجمات صاروخية ومسيرات اخترقت أجواءها أو سقطت في أراضيها، في مشهد يعكس حجم المخاطر التي يمكن أن تتعرض لها الدول العربية نتيجة سياسات توسعية لمشاريع هيمنة إقليمية تتنافس وتتصارع فيما بينها دون أن يكون للدول العربية علاقة بذلك لا من قريب ولا من بعيد.
كما أن طبيعة الأهداف التي تعرضت للهجمات تضيف بعدا آخر لهذا المشهد، فقد شملت الضربات مناطق مدنية وبنية تحتية حيوية مثل المطارات والفنادق وحقول النفط والموانئ، وهي منشآت ترتبط مباشرة بالحياة الاقتصادية والاجتماعية للدول، وهذا النوع من الاستهداف يكشف أن الهدف لا يقتصر على تحقيق مكاسب عسكرية، بل يمتد إلى محاولة مبيتة لإحداث اضطراب اقتصادي وأمني في البيئة العربية المحيطة.
هذه الوقائع مجتمعة تعكس صورة مختلفة تماما عن الخطاب الذي تطرحه طهران زورا وبهتانا حول أولوياتها الاستراتيجية، فحين تتجه النسبة الأكبر من الصواريخ والمسيرات نحو دول عربية، بينما يذهب جزء محدود منها نحو إسرائيل الذي يفترض بحسب الخطاب الإيراني أنها العدو الأول، فإن ذلك يطرح تساؤلا سياسيا مشروعا حول حقيقة الشعارات التي جرى استخدامها لسنوات طويلة تحت عنوان المواجهة مع إسرائيل، فالحرب الأخيرة أظهرت أن هذه الشعارات يمكن أن تتحول إلى غطاء سياسي لممارسات تستهدف في جوهرها إعادة تشكيل موازين النفوذ في المنطقة على حساب استقرار الدول العربية.
لقد كشفت هذه الحرب، بالأرقام والوقائع، أن المنطقة العربية كانت إحدى الساحات الأكثر تعرضا لتداعيات الصراع رغم أنها لم تكن طرفا رئيسيا فيه، كما أظهرت أن غياب موقف عربي موحد يجعل دول المنطقة أكثر عرضة للتأثر بصراعات القوى الإقليمية المتنافسة والمتصارعة خدمة لمصالحها وأهدافها الخاصة فقط، وأكثر قابلية للتحول إلى ساحات ضغط متبادل بين أطراف تلك الصراعات.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة والضرورية إلى بلورة مقاربة عربية أكثر قوة وجرأة في التعامل مع التحديات الأمنية المتصاعدة، فالأمن القومي العربي لا يمكن حمايته عبر ردود فعل منفردة، بل يتطلب تنسيقا سياسيا ودبلوماسيا وحتى عسكريا عميقا، وبناء منظومات تعاون دفاعي قادرة على حماية سيادة الدول وصون استقرارها، خاصة وأن التجربة التي كشفتها هذه الحرب تقدم رسالة واضحة مفادها أن حماية الاستقرار العربي مسؤولية جماعية، وأن تحويل هذه المسؤولية إلى فعل سياسي منظم أصبح ضرورة استراتيجية لضمان أمن المنطقة ومنع أي محاولات للعبث بسيادتها أو زعزعة استقرارها.