وجهات نظر

سيادة لا مساومة عليها

سيادة لا مساومة عليها


يقف الأردن في قلب إقليم يموج بالصراعات، محاطا برياح متعاكسة، ومصالح متشابكة، ومحاور تتنازع النفوذ والهيمنة، ومع ذلك حافظت الدولة الأردنية، بقيادة جلالة الملك عبد الله الثاني، على خط سياسي واضح المعالم، قوامه الاتزان والحكمة، والتمسك بمنطق الدولة ومصالحها العليا بعيدا عن الانفعال أو الارتهان، ذلك الموقف يمثل خيارا استراتيجيا تشكل عبر عقود من إدارة الأزمات، من القضية الفلسطينية إلى أزمات العراق وسوريا، وصولا إلى التوترات المتصاعدة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جانب وإيران من جانب آخر.
في مقاربة الحرب الأمريكية الإيرانية، انطلق الأردن من ثوابته ذاتها، فدعا بشكل مستمر إلى التهدئة، وحذر من الانزلاق نحو مواجهة مفتوحة، ونبه إلى أن أي اشتعال واسع سيصيب المنطقة كلها بندوب عميقة اقتصاديا وأمنيا وإنسانيا، وفي ذلك كله لم تكن عمان تنظر إلى الصراع بوصفه مباراة كسر عظم بين قوتين، بل باعتباره خطرا يهدد استقرار الإقليم ويضاعف معاناة شعوبه، ومن هنا جاء إصرارها على أن طاولة المفاوضات تظل الطريق الأجدى، وأن الحلول السياسية هي الضامن الحقيقي للأمن الجماعي لكل شعوب المنطقة.

غير أن الاتزان لا يعني التردد، والحكمة لا تعني التغاضي عن الحقوق السيادية، فالأردن الذي أعلن مرارا، وأبلغ جميع الأطراف، أنه لن يكون ساحة حرب لأحد، ولن يسمح بأن يستخدم منطلقا للهجوم على أحد، ليس طرفا في هذا الصراع، كما أن موقفه ليس موجها ضد طرف بعينه، بل هو تعبير عن إرادة دولة تصون سيادتها، وتدرك أن أمنها الوطني خط أحمر، وسيادتها مسؤولية تتجسد في قرارات واضحة وإجراءات حازمة حين يقتضي الأمر.

لكن في تطور خطير ربما يراد منه اختبار صبر الدولة وحدود ضبط النفس، تعرضت الأراضي الأردنية خلال الأيام الماضية لعدوان مقصود، الأمر الذي تقدم في ظله حق الدفاع المشروع بوصفه قاعدة مستقرة في القانون الدولي، وقرار سيادي على المستوى الوطني، فمن حق الأردن أن يحمي مجاله وأرضه ومواطنيه، وأن يرد على أي تهديد يمس مواطنيه وحياته العامة واستقراره.

لقد أثبت الأردن عبر تاريخه أنه يميز بين رفض الحرب كخيار، والاستعداد الكامل لردع أي اعتداء، وفي الواقع أن هذه المعادلة الدقيقة هي سر ثباته في محيط مضطرب، فهو يدعم كل جهد يخفف الاحتقان في المنطقة بشكل عام وبين واشنطن وطهران بشكل خاص، ويشجع أي مسار يعيد الاعتبار للدبلوماسية، لكنه في الوقت ذاته يرفض أن يدفع ثمن صراعات الآخرين أو أن يتحول إلى ساحة للصراع او تصفية الحسابات.

الموقف الأردني من قضايا المنطقة ينطلق من رؤية أشمل تقوم على احترام سيادة الدول، وعدم التدخل في شؤونها، وصون وحدة أراضيها، وإعلاء مصلحة شعوبها فوق حسابات المحاور، هذه الرؤية جعلت من عمان صوتا عاقلا في أروقة القرار الدولي، وجسرا للحوار حين تنقطع الجسور، وهي رؤية تتكامل مع التزام راسخ بدعم الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني في إطار حل الدولتين، وبالسعي إلى سلام عادل وشامل يحقق الاستقرار الحقيقي للإقليم.

اليوم، ومع تصاعد التوتر بين الولايات المتحدة وإيران، تتجدد الحاجة إلى هذا الصوت المتزن، فالحروب قد تشعلها لحظة غضب، لكن إطفاءها يحتاج سنوات من الحكمة، والأردن وهو يمد يده للتهدئة، يثبت في الوقت ذاته أن يده الأخرى قادرة على حماية حدوده وكرامته، وهو بذلك ينطلق من معادلة الدولة الواثقة بنفسها، سلام حين يكون السلام ممكنا، وردع حين يفرض الردع نفسه ويكون أحد متطلبات السيادة.

من هنا فإن الواجب الوطني يقتضي التفافا صادقا حول مؤسسات الدولة وقواتها المسلحة وأجهزتها الأمنية، ودعما لقرارها السيادي المستقل، كما يقتضي وعيا بأن أمن الأردن مسؤولية جماعية، وأن صونه يبدأ برفض الشائعات والانجرار خلف محاولات التشكيك أو بث الفرقة، كما أن حماية الوطن ليست مهمة مؤسسة واحدة، بل مهمة مجتمع بأكمله يؤمن أن سيادته وكرامته فوق كل اعتبار، ففي الوقت الذي تتكاثر فيه الأزمات المرتبطة بالمنطقة، ينبغي علينا العمل بشكل جمعي لتعزيز منطق الدولة، والتمسك بالحكمة، وفي الوقت نفسه الاستعداد الدائم للدفاع عن الأردن بكل ما نملك من إرادة وعزم.