وجهات نظر

الضفة الغربية .. الحكاية وما فيها

الضفة الغربية ..  الحكاية وما فيها


تعود بين فترة وأخرى الأحاديث عن فك الارتباط والتي تعني إلى حد ما معاينة جديدة للدور الأردني في الضفة الغربية بشكل خاص، ومجمل القضية الفلسطينية في العموم.
هل كان القرار صحيحًا أم خاطئًا؟

هذا السؤال لا يمكن أن تتم إجابته بناء على الوقائع التي حدثت لاحقًا، وفي سياقه التاريخي كان القرار حتميًا وأدى إلى تشكيل أمر واقع لا يمكن الرجوع عنه.

في البداية يجب الالتفات إلى حقيقة مفادها أن السيادة الأردنية الفعلية على الضفة الغربية انتهت عمليًا في حزيران 1967، وبقيت مجموعة من المسؤوليات المتعلقة بشؤون السكان وفي مقدمتها المدارس والتعليم، وبالتالي أدى ذلك إلى تشكل مجتمع جديد في الضفة الغربية، ومع انطلاقة الانتفاضة الأولى، يمكن القول، ان الضفة كانت صندوقًا مغلقًا على الأردن ومنظمة التحرير الفلسطينية معًا، فوجود القيادات الشعبية التقليدية أو الصاعدة التي ظهرت أثناء فترة فك الارتباط، لم يكن يعبر عن أهالي الضفة جميعًا.

يتحدث الملك عن الضفة الغربية في حوار مع الصحفية الإيطالية أوريانا فالاتشي في مطلع السبعينيات، ويقول بوضوح:

سأسأل الفلسطينيين المقيمين في الضفة الغربية كي يقرروا ما إذا كانوا يرغبون بالبقاء مع الأردن، أم يصبحوا مستقلين.

لم يتوجه أي شخص بالسؤال إلى أهالي الضفة، ومع ذلك، يمكن التخمين أن السياق التاريخي كان سيدفعهم لاختيار صيغة من الاستقلال تتناسب مع ظروفهم، لأن الحل المنطقي بقي غائبًا ومغيبًا بصورة متعمدة من قبل إسرائيل وحلفائها، وهو الانسحاب من الضفة الغربية بناء على القرار 242 لتعود الأراضي المحتلة من (المملكة الأردنية الهاشمية) إلى وضعها القانوني، ومن ثم يصبح الحديث عن استفتاء أو ترتيبات لإدارة الضفة التي شهدت تغيرات كبيرة في سنوات الاحتلال.

في داخل البنية الفلسطينية الجمعية، وهي ما يجب أن تبقى حاضرة على الأقل حتى التوصل إلى حل نهائي عادل وشامل، يمثل فلسطينيو الضفة الغربية حالة بالغة الخصوصية، فهي حالة أردنية – فلسطينية تتداخل فيها الجوانب القانونية مع الاقتصادية والاجتماعية، وفي الوقت نفسه، تشكل الضفة الغربية ومواطنوها جزءًا من السؤال الفلسطيني الأوسع والذي ُيشمل معهم المواطنون في الأراضي المحتلة 1948، وأهالي قطاع غزة، واللاجئون المصنفون رسميًا، والفلسطينيون في الشتات.

ذهبت وجهة نظر تيارات واسعة في منظمة التحرير أن تكون ثمة أرض فلسطينية، أي أرض، البعض تحدث عن استعادة شبر واحد، والضفة الغربية كانت المنطقة المؤهلة لتستوعب بقاء السؤال الفلسطيني، ولكن واقعها القانوني من أرض محتلة معرفة بموجب القانون الدولي يرتبط بالأردن، أم انتقالها لترجمة طموح المنظمة في التمثل المكاني، فيحولها إلى أرض متنازع عليها مع الجانب (الإسرائيلي)، وفي هذه الحالة تبدأ فكرة المغالبة على الأرض وهي التي حدثت بالتغول المتواصل على الأراضي بدعاوى أمنية أحيانًا، ومن غير أي سبب في أوقات كثيرة.

بدأت المنظمة في مطلع السبعينيات تسعى لحشد رأي عام عربي لمناصرة مطالبها بأن تكون الممثل الشرعي والوحيد للشعب الفلسطيني، وتحقق ذلك في قمة الرباط 1974 مع وجود تحفظات أردنية ومصرية وعراقية وسورية، ومع أن الدول الأخرى وجدت في تعبير الوحيد مع الوقت تخففًا من المسؤوليات القومية تجاه القضية الفلسطينية، إلا أن الأردن لم يكن يمتلك هذه الخيارات، فمن ناحية، الأردنيون يعتبرون القضية الفلسطينية شأنًا وطنيًا لا قوميًا، ومن ناحية أخرى، الأردن مهدد وجوديًا من (إسرائيل) لأن اليمين يعتبره امتدادًا احتياطيًا لفائض أي مشكلات تتهدد الوجود الإسرائيلي الملغم أساسًا بأسئلة وجودية أخذت تتسع بعد التسعينيات والهجرة التي تجاوزت مليون قادمٍ جديد بعد انهيار الاتحاد السوفييتي.

في المقابل، كان ثمة كيان فلسطيني من المجتمع المدني يتشكل في الضفة وقطاع غزة يمتلك الكثير من الخبرة في التعامل مع التحديات اليومية الإسرائيلية، وعندما بدأت مفاوضات مدريد توجهت القيادات في الضفة وغزة للتفاوض، وبدأت منظمة التحرير في قناة خاصة للالتفاف على مدريد ووضع اتفاقية أوسلو على الطاولة ليحدث تغيير جذري.

من الناحية الأخلاقية لا يمكن إدانة أوسلو فهي استبقت نظريًا وحدة القضية الفلسطينية بالمكونات المختلفة والممتدة على جغرافيا العالم، ولكنها عمليًا كانت فخًا واضحًا، بدأ بصورة ياسر عرفات وهو يقف في مطار غزة متأملًا الدولة التي يؤسسها، وانتهت به محاصرًا في المقاطعة برام الله والجنود الإسرائيليون في غرفة نومه شخصيًا.

بعد أوسلو، ويمكن القول، بأن أي حديث عن فك الارتباط لم يعد ذا معنى في ذلك الوقت، يعود أكثر من 100 ألف من كوادر المنظمة إلى الأراضي الفلسطينية، ويتم تفكيك المجتمع الذي تطور عضويًا بمؤسسات أهلية وتعاونية في الفترة من 1967 إلى 1993 لمصلحة سلطة تسعى لتأسيس وجودها العملي وبناء مؤسساتها الخاصة، والمحصلة كانت تحقيق خسارة في النموذج الأول الذي أثبت صلاحيته قبل أوسلو، وعدم التمكن بالارتقاء بأداء السلطة إلى ما هو أبعد من تحالف للتنظيمات وأرضية لصراعاتها.

استدرج الفلسطينيون إلى أوسلو، فأصبحت غاية أي اتفاقية للسلام هي المحافظة على مكتسبات الاتفاق الذي ولد ميتًا، والتهمت السلطة الوطنية منظمة التحرير وبرامجها وطموحاتها وحتى شرعيتها، وفي النهاية، ينتج واقع معقد تتطلب أي محاولة لمقاربته تكلفة عالية للغاية.

استعادة الأرض المحتلة من الأردن كان شيئًا يختلف عن معالجة الوضع الراهن، فعند الانتقال إلى النزاع ضمنيًا بديلًا عن الاحتلال قانونيًا، كانت اسرائيل تتغول بشكل ممنهج على السلطة الفلسطينية، وما أسسته من وقائع على الأرض يؤشر بوضوح على أنها لن تخلف سوى فتات رمزي، ويمكن للدولة أن تنحصر في مجموعة من المعازل السكانية الخاضعة لهندسة الإذلال والقهر للشعب الفلسطيني.

بالمعنى القائم حاليًا، فالضفة الغربية أصبحت أرضًا متنازعًا عليها بين الفلسطينيين والإسرائيليين، وورقة الضفة الغربية لم تعد نفسها الورقة التي جرى الحديث عنها في مؤتمر الخرطوم 1967 عندما طلب جمال عبد الناصر من الملك الحسين استعادتها بالسلام أو أي طريقة كانت، ولكن القدر يغيب عبد الناصر الذي بدأ يقتنع أن الأردن بهدوئها وتوازنها هي الرصيد الحقيقي معه لا الدول التي قامت على الشعارات وتصدير الأزمات، ويصبح أمام الأردن فائض من الشعاراتية التي لم تقرأ المشهد الواقعي، خاصة أن مجموعة من رؤساء الدول التي أصبحت تتصدى لتعقيدات القضية تتحرك بسلطة الرئيس الضرورة الذي لا يمكنه أن يقرأ تقريرًا معقدًا عن القانون، ولم يخض حربًا واحدةً مباشرةً مع الجانب الإسرائيلي، ومع ذلك، كانت أصوات بعضهم مرتفعة ومؤثرة.

لا يوجد طريق للوراء، والدولة الفلسطينية هي المطلب الأردني الرئيسي والذي سيظل بوصلة لجهودها السياسية والدبلوماسية، مطلب رئيسي ولكنه ليس الوحيد، وربما من المناسب التحوط والتحرك تجاه معاينة مشروع الدولة الواحدة على أساس الفوضى التي أحدثتها اسرائيل، وهو ما يجب أن يترافق مع جهود حثيثة أيضًا للحيلولة دون التهجير المنهجي والناعم، ووقتها ستجد إسرائيل نفسها أمام خيار كيان جديد وتصبح مطالبةً بأن تقدم نموذج دولة ديمقراطية أو نموذجًا لدولة أخرى للفصل العنصري، وبحيث تنتقل المشكلة من النزاع على الأرض والموارد، إلى فضاء حقوق الإنسان التي لا تحترمها إسرائيل كثيرًا، ولكنها أكثر حرجًا من تبريرات أمنية لقضم الأرض والاستحواذ عليها.