وجهات نظر

سيناريوهات المنطقة

سيناريوهات المنطقة


سواء حدثت الضربة العسكرية التي يهدد بها الرئيس دونالد ترامب، أو لم تحدث، فالواقع أن المنطقة ستشهد نسخة جديدة من إيران، وسيتطلب التعامل معها مقاربة مختلفة نظرًا للآثار الواسعة التي ستترتب على وجودها.
يريد الرئيس الأمريكي ضربة حاسمة وسريعة على النمط الفنزويلي، ولكن يبدو ذلك صعبًا في الحالة الإيرانية، فالمشكلة هي أن تستوعب إيران الضربة وتباشر بعدها بردود واسعة المدى تستهدف المصالح الأمريكية، والإيرانيون لديهم الجيش النظامي وتكوينات أخرى قائمة على بعد عقائدي الذي سيوفر لهم اندفاعًا انتحاريًا يمكن أن يحمل تكلفة عالية على الجميع.

لو حدثت الضربة وتم استيعابها فالأمريكيون أمامهم التدخل البري، وهو الأمر الذي لم يستبعده الرئيس ترامب في أحاديث سابقة، مع أنه لا يريده ولا يتسق أيضًا مع طريقته وتفضيلاته الاستعراضية، فهو رجل صفقات وليس رجل حرب.

أما الضربة الكاملة فهي أيضًا تحمل مخاوف أخرى عن اليوم التالي الذي سيخرج الإيرانيون للشوارع على واقع جديد، ووقتها سيكون السؤال إجباريًا عن الشكل البديل للنظام، أو نظام جديد، وكلا الحالتين سيترافقان مع احتمالية الفوضى.

هذه الحسابات معقدة، ويضاف لها تفاوض مع الإيرانيين يقوم على ثلاثة مبادئ أساسية، وهي التخلي عن البرنامج النووي، العسكري والسلمي معًا، وقيود على الصواريخ الباليستية، وفك الارتباط مع الأذرع الإيرانية في المنطقة، ويبدو أن الإيرانيين منفتحون على تقديم تنازلات صعبة، والتفاوض سيكون حول "ماء الوجه" خاصة فيما يتعلق بالبرنامج النووي الذي كان سببًا لتضحيات إيرانية كبيرة في السنوات الأخيرة، فما هو المبرر الذي يمكن تقديمه للشعب الإيراني الغاضب والمتوتر بعد انتهاء المغامرة النووية بهذه الطريقة.

اللجوء إلى الحل التفاوضي سيتطلب ضمانات من الإيرانيين بأن الأموال التي ستتدفق إلى بلادهم من جديد ستكون بمعزل عن المعاودة لنفس المربع السابق، بمعنى وجود نظام إصلاحي مستدام يمكن التفاهم معه بصورة مستمرة، وهو ما يعني خلخلة للمجتمع في إيران.

الوضع المعقد سيسفر ضمن السيناريوهات القائمة إلى إيران جديدة، منكفئة ومنشغلة بذاتها، ما يعني واقعًا جديدًا في المنطقة، وسيكون أمام الدول التي تسعى إلى بناء محور ذاتي ومستقل تحدً آخر يتمثل في إسرائيل وطموحاتها بالتمدد على الفراغ الذي سيحدثه التراجع الإيراني.

وما يتوجب تسويقه بناء على الأوضاع الحالية هو أن تراجع النفوذ الإيراني يتطلب في المقابل تراجعًا للمنافسة الإسرائيلية التي طرحت نفسها في بعض المراحل شريكًا في مواجهة إيران، مع أن أحدًا لم يطلب منها ذلك، وعلى العكس، ترى بعض الدول حالة التوازن في وجود إيران أهون الشرين مقابل تمدد إسرائيلي لجني الثمار من وراء ذلك.

يبقى من المهم استحضار حقيقة أن التواجد الإيراني أتى في الدول التي شهدت حالات من عدم الاستقرار والفراغ السياسي، وهو ما يتطلب وجود محور عربي يعمل على استعادة الاستقرار والتأسيس لواقع سياسي جديد في الدول التي دخلت في دائرة النفوذ الإيراني خلال العقدين الأخيرين.

تمسّك الأردن بعلاقة مدروسة مع الجانب الإيراني، وبقي لا يوصد الباب ولا يفتحه، محتفظاً بالمسافة المناسبة، ويمكن أن التحديات التي تحاوط الأردن حاليًا والخبرة التي ترتبت عليها أن تجعله جزءًا أصيلًا ومركزيًا في بناء تصورات للمنطقة ،خاصة أن الأردن يمثل عمقًا استراتيجيًا لمنظومة الخليج العربي، كما ويشكل مع مصر نموذجًا للتفاهم وتقاسم الأدوار، والمصريون لديهم ثقة عميقة بحكمة الأردن وتوجهاته في محيطه الحيوي والاستراتيجي في منطقة المشرق العربي.

يبقى أن الأردن يحتفظ بعلاقات جيدة أيضًا مع الأتراك الذين يشملهم فضاء الواقع الجديد الذي سيتشكل من خلال توتر مرحلي أو هندسة هادئة، وبالطبع الجانب الأمريكي الذي يمتلك أفكارًا عمومية حول المنطقة، ويحتاج دائمًا لزخم دبلوماسي يطرح بدائل للتصورات الأمريكية أو يوضح على الأقل آثارها السلبية بعيدة المدى، وهو ما تمكن الأردن من حيازته في علاقات تاريخية مطولة.

الأوروبيون يقفون أيضًا في نفس الخانة الأمريكية، إلا أن العلاقات الأردنية تبقى معهم أفضل على مستوى الانفتاح والتعاطي الإيجابي، خاصة بعد الانتقال بالعلاقة إلى مراحل متقدمة في الأسابيع الأخيرة.