وجهات نظر

لماذا يدخن الأردنيون أكثر من غيرهم؟

لماذا يدخن الأردنيون أكثر من غيرهم؟

تُظهر الإحصاءات الرسمية صورةً صادمة: الأردن من أعلى دول العالم في نسب التدخين، حيث يدخن نحو 70% من الرجال و40% من النساء، وفقًا لمسوحات وطنية. هذه النسب تضع الأردن في المرتبة الثانية عربياً والخامسة عشر عالمياً من حيث انتشار التدخين بين البالغين، متفوقاً بكثير على المتوسط العالمي البالغ حوالي 22%.
فبينما تشهد العديد من الدول الغربية انخفاضاً مطرداً في هذه النسب بسبب سياسات صارمة وتغيير ثقافي، يظل الأردن – مع لبنان وسوريا – نقطة ساخنة في خريطة وباء التبغ العالمية. فما السر وراء هذا الارتفاع غير المسبوق مقارنة بالشعوب الأخرى؟

لست أنا وحدي من يسأل أو يتساءل، بل تم طرح هذا السؤال في جلسة غداء كان فيها وزراء صحة سابقون وعاملون وذوات لها باع في الشأن الصحي، أما السائل أو المتسائل فهو رئيس وزراء سابق. مضى على الأمر أسبوعان وأنا أبحث عن إجابة لماذا يدخن الأردنيون أكثر من غيرهم؟ هل هناك جذور اجتماعية نفسية للموضوع لماذا تختلف الأردن عن السياق العالمي؟

في المجتمعات الغربية، أصبح التدخين تدريجياً عادةً غير مقبولة اجتماعياً، مرتبطة بمحدودي الدخل والتعليم، وتخضع لقيود صارمة، بينما في الأردن، تتحول السيجارة أو النرجيلة إلى طقس اجتماعي مركزي وعابر للطبقات. ففي الثقافة الأردنية، تُمثل هذه المنتجات أداة للتواصل في اللقاءات العائلية ( اللمات ) والصداقات( الجمعات )، وهو دور تلاشى في مجتمعات كثيرة حول العالم. كما يلعب التدخين دوراً في تعزيز صورة الذكورة التقليدية لدى الشباب، في حين تراجعت هذه الصورة في دول أخرى لترتبط أكثر بالضرر الصحي. بالنسبة للنساء، يشكل التدخين في الأردن أحياناً شكلاً من أشكال التحدي والتحرر من قيود مجتمع محافظ الى حد ما، على عكس المجتمعات الغربية حيث لا يحمل التدخين نفس الدلالة "التحررية" بعد الآن، ويرتبط هذا بضعف البدائل الاجتماعية لتفريغ الضغوط.

هل لدينا في الأردن بيئة مثالية لصناعة وتجارة التبغ مقارنة بالسياسات الفعالة عالمياً؟ مما لاشك فيه أن شركات التبغ تستهدف وبذكاء الأسواق الناشئة والضعيفة تنظيمياً، للأسف الأردن نموذج مثالي. فبينما فرضت دول مثل أستراليا والمملكة المتحدة ضرائب طاحنة على التبغ وطبقت سياسات "التغليف البسيط"، تظل الضرائب في الأردن منخفضة (أقل من 75% من سعر التجزئة الموصى بها عالمياً)، مما يحافظ على الأسعار في المتناول. كما أن القوانين الحالية لا تُطبق بصرامة؛ فبينما أصبح التدخين شبه مستحيل في المطاعم المغلقة في أوروبا وأمريكا الشمالية، ما يزال شائعاً في الأردن رغم المنع، مع غياب المساءلة.

تتفوق الصناعة أيضاً في التسويق غير المباشر، حيث تظهر النرجيلة والسجائر في الدراما المحلية والعربية بشكل جذاب، بينما حظرت دول كثيرة الظهور الإيجابي للتبغ في الوسائط، كما أن توفير السجائر المنفردة يسهل على الشباب الوصول إليها، وهي ممارسة قيدت بشدة في دول أخرى.

لماذا لا تدخن الشعوب الأخرى بنفس النسبة؟ الإجابة تكمن في حزمة سياسات متكاملة تفتقدها الأردن. فدول مثل تركيا وجنوب أفريقيا خفضت النسب عبر تطبيق حزمة "MPOWER" الخاصة بمنظمة الصحة العالمية بقوة، والتي تشمل رفع الضرائب، وحظر الإعلان الشامل، وتوفير مساعدة للإقلاع. في المقابل، يعاني الأردن ضعفاً في معظم هذه المحاور، حتى على المستوى الإقليمي، نجحت بعض الدول في خفض نسب التدخين بين مواطنيها عبر تطبيق غرامات كبيرة على التدخين في الأماكن العامة وتقليل نقاط البيع. كما أن الوعي الصحي العميق في المجتمعات التي هاجم فيها التعليم والإعلام مخاطر التدخين لعقود، قد غير الثقافة العامة. بينما في الأردن، ما يزال الاعتقاد الخاطئ بأن النرجيلة أقل ضرراً منتشراً، خاصة بين الشباب والنساء، مما يوسع قاعدة المدخنّين.

معالجة هذه الأزمة الوطنية تتطلب تبني مقاربة مستفيدة من نجاحات الدول الأخرى منها تطبيق صارم وفوري للقوانين مع رفع الضرائب على التبغ بشكل تدريجي وجذري، كما فعلت الفلبين وفرنسا، ليكون رادعاً اقتصادياً حقيقياً، حملات توعية ذكية لا تخاطب العقل فقط بل العواطف والهوية، وتكشف حيل التسويق، على غرار حملات "الحقيقة" (truth) الناجحة في الولايات المتحدة، توفير بدائل ترفيهية ومساحات عامة خالية من التدخين بشكل فعلي، مما يقلل من تطبيع الظاهرة، وضرورة دمج خدمات الإقلاع المدعومة دوائياً وسلوكياً في التأمين الصحي الأساسي، وجعلها في متناول الجميع، كما هو الحال في العديد من دول الاتحاد الأوروبي، وقد يفيد تغيير الخطاب الاجتماعي عبر التعاون مع المؤثرين والإعلام لفصل صورة التدخين عن مفاهيم الرجولة والتحضر والترفيه.

خلاصة الكلام، دولة رئيس الوزراء السابق، أعتقد أن الجواب على سؤالك: سبب ارتفاع نسب التدخين في الأردن مقارنة بالشعوب الأخرى هو غياب الإرادة السياسية الشاملة لمواجهة تحالف العوامل الثقافية العميقة، والظروف الاقتصادية الضاغطة، والتسويق العدواني، وضعف الحوكمة. النجاح في هذه المعركة يحتاج إلى قرار استراتيجي بمعالجة القضية كأولوية وطنية للصحة والاقتصاد، والاستفادة من الدروس العالمية التي أثبتت أن الانخفاض الكبير في نسب التدخين ليس حلمًا، بل نتيجة طبيعية لسياسات شجاعة ومتكاملة.

* أمين عام المجلس الصحي العالي