سكرين شوت

Run Away .. اختفاء مراهقة يعرّي هشاشة البيوت الهادئة

Run Away ..  اختفاء مراهقة يعرّي هشاشة البيوت الهادئة

للعلّم - لا يتعامل مسلسل «Run Away» من إنتاج نتفليكس مع الهروب باعتباره لغزًا بوليسيًا تقليديًا، بل يقدّمه كفعل أخلاقي صادم، ونتيجة حتمية لانهيار طويل داخل الأسرة. العمل المأخوذ عن رواية لهارلان كوبن يبدأ من واقعة اختفاء فتاة مراهقة، لكنه سرعان ما ينقل مركز الثقل من سؤال «أين ذهبت؟» إلى سؤال أكثر إزعاجًا: كيف لم ترَ عائلتها هذا الانهيار وهو يحدث أمام أعينهم؟

حبكة تتقدم بالشك لا بالمطاردة

على مدار ثماني حلقات، يبني المسلسل عالمه على مسارين متوازيين: بحث خارجي تقوده تحركات الأب، وتحقيق داخلي يكشف تدريجيًا شبكة من الأكاذيب الصغيرة التي تحوّلت إلى خلل أسري متكامل. لا يعتمد السرد على مطاردات أو صدمات متلاحقة، بل على كشف بطيء للخلفيات والعلاقات التي مهّدت للاختفاء.

تنطلق الأحداث مع اختفاء بايج جرين، مراهقة تعاني الإدمان، قبل أن يعثر عليها والدها سايمون جرين في حديقة عامة برفقة شاب غامض، لتختفي مرة أخرى بشكل نهائي. من هنا، يبدأ المسلسل رحلته الحقيقية، حيث يقود البحث الأب إلى عالم لم يكن يعرفه عن ابنته، يمتد من علاقات مشبوهة إلى شبكة أسرار تتداخل فيها تجارة المخدرات مع طائفة دينية غامضة لها جذور في تاريخ العائلة.

حبكة متماسكة… بإيقاع متأنٍ

قوة «Run Away» تكمن في انضباطه السردي؛ لا خطوط جانبية بلا وظيفة، ولا مفاجآت تُلقى لمجرد الإبهار. حتى التويستات الكبرى تُزرع مبكرًا في التفاصيل الصغيرة. في المقابل، يعاني العمل أحيانًا من بطء ملحوظ في منتصفه، حيث تتكرر الحالات النفسية دون إضافة سردية كبيرة، لكنه بطء يعكس ثِقل الحقيقة حين تنكشف على مهل.

أداء تمثيلي قائم على الإنهاك

يرتكز المسلسل على أداء جيمس نيسبت في دور الأب، أداء بعيد عن البطولة التقليدية، أقرب إلى رجل منهك، يخطئ أكثر مما يصيب، ويتعلّم متأخرًا كيف يصغي. قوته تظهر في المشاهد الهادئة: نظرات مترددة، جمل مبتورة، وانفعالات مكبوتة تنفجر دون تمهيد.

ميني درايفر، في دور الأم إنجريد، تقدّم شخصية مركبة تمزج بين الصرامة والخوف، وتظهر كشريكة في المأزق لا مجرد داعمة. أما إيلي دي لانج، في دور بايج، فتنجح في ترك أثر قوي رغم محدودية ظهورها، مقدّمة شخصية واعية بهشاشتها وقادرة على اتخاذ قرار الهروب، بعيدًا عن صورة «الضحية النمطية».

إخراج بلا استعراض

يتعامل الإخراج مع المادة بحذر محسوب، متجنبًا الزوايا اللافتة أو الحلول البصرية الصاخبة. الكاميرا قريبة من الوجوه، ترصد التردد والارتباك أكثر مما تلاحق الحدث. الأماكن لا تُقدَّم كخلفيات، بل كحالات نفسية: البيت خانق، الشارع بلا أمان، ومقر الطائفة أكثر قتامة وغموضًا.

هذا النهج يمنح المسلسل تماسكًا واضحًا، لكنه في بعض الحلقات يميل إلى التحفظ الزائد، ما يخلق إحساسًا بالتراخي البصري.

صورة باردة وموسيقى مقتصدة

يعتمد التصوير على ألوان باردة ومطفأة، حتى في المشاهد النهارية، ما يعزز إحساس عدم الاكتمال. الكادرات المغلقة تحاصر الشخصيات، بينما لا تمنح المساحات المفتوحة أي شعور بالتحرر. الموسيقى تُستخدم بأقصى درجات الاقتصاد، دون لحن مركزي أو توجيه عاطفي مباشر، ويكمل المونتاج هذا النهج بإيقاع هادئ يترك مساحة للتأمل.

نهاية بلا حلول جاهزة

لا يسعى «Run Away» إلى تقديم نهاية مريحة أو إجابات مكتملة. يختار ترك بعض الأسئلة معلّقة، باعتبارها امتدادًا طبيعيًا لفكرته الأساسية: ليست كل الحقائق قابلة للاحتواء، وبعض الأضرار لا تُصلَح. النهاية لا تحتفي بالحل، بل بثمن المعرفة، وبحدود ما يمكن للعائلة احتماله دون أن تنهار بالكامل.

في المجمل، يقدّم «Run Away» تجربة متماسكة، لا تسعى للإبهار السريع، بل للتورّط التدريجي في مأزق أخلاقي وإنساني معقّد. قد يرهق بطؤه بعض المشاهدين، لكنه في المقابل يمنح من يصبر عليه عملًا دراميًا صادقًا، يفضّل الأسئلة القلقة على الإجابات السهلة.