وجهات نظر

مخاطر الأمطار الغزيرة والسيول

مخاطر الأمطار الغزيرة والسيول

في ظل التغير المناخي المتسارع، يشهد الأردن مواسم شتوية أكثر شدة من حيث غزارة الأمطار وتكرار العواصف، وهو ما يفرض تحديات إنشائية وبيئية متزايدة على الأبنية والمنشآت المختلفة. فالأمطار الغزيرة لم تعد مجرد ظاهرة موسمية عابرة، بل أصبحت عامل خطر حقيقي يهدد سلامة المباني والبنية التحتية، خاصة في ظل ضعف أنظمة التصريف، وتقادم كثير من البنى التحتية (وهذا ليس خطأ أحد)، وعدم مراعاة خصائص التربة المحلية في بعض مناطق المملكة.

من أبرز المخاطر المرتبطة بشدة الأمطار، تجمع المياه خلف الجدران الاستنادية. هذه الجدران تُنشأ عادةً لدعم التربة ومنع الانهيارات، لكنها تصبح نقطة ضعف خطيرة إذا لم تُزوَّد بأنظمة تصريف فعّالة، لأن ضغط المياه قد يتجاوز ضغط التربة الجافة بشكل كبير، خصوصًا عند تشبع التربة وغياب التصريف. فعندما تتجمع المياه خلف الجدران نتيجة ميلان طبيعي في التربة أو بسبب انسداد فتحات التصريف، يتضاعف الضغط الواقع عليه. واللافت أن ضغط المياه الهيدروليكي يكون في كثير من الأحيان أكبر بكثير من ضغط التربة نفسها، ما يجعل الجدار عرضة للتشققات أو الانهيار الجزئي أو الكلي، خاصة إذا كان قديماً.

لهذا السبب، يُعد تصريف المياه خلف الجدران الاستنادية أمراً بالغ الأهمية، سواء عبر فتحات تصريف منتظمة (weep holes)، أو من خلال أنظمة صرف فرعية تُبعد المياه عن الجدار إلى مناطق آمنة. كما يجب فحص هذه الفتحات بشكل دوري، لأن انسدادها بالأتربة أو النفايات يحوّل الجدار من عنصر أمان إلى مصدر خطر. فالمياه المحبوسة لا تكتفي بإضعاف الجدار، بل قد تتسرب إلى التربة المحيطة القريبة من الأساسات وتؤدي إلى فقدانها لجزء من قدرتها على التحمل.

ولا تقل مخاطر الأمطار عن ذلك في الطوابق السفلية والتسويات، التي تُعد من أكثر أجزاء المبنى عرضة للغمر بالمياه. ففي حالات الهطول الشديد، قد تتجمع مياه الأمطار بسرعة داخل هذه الفراغات، خاصة إذا كانت أنظمة التصريف الخارجية غير كافية. وهنا تبرز أهمية تركيب مضخات عائمة أو غاطسة ذات قدرة كافية، لا تقل سعتها عن" إنش وربع" فالكثير من المضخات المستخدمة حالياً بسعة "نصف إنش" تكون غير قادرة على التعامل مع كميات المياه الكبيرة المتدفقة خلال وقت قصير، ما يؤدي إلى تراكم المياه وارتفاع منسوبها بسرعة، وبالتالي تعريض المبنى لخطر الغرق والتلف. كذلك من الضروري عمل خندق ترسيب للطين قبل المنهل لمنع تعطل المضخة.

فكلما كانت سعة المضخة أكبر وقدرتها أعظم، زادت سرعتها في ضخ المياه أولاً بأول، ومنعت تراكمها. أما الاعتماد على مضخات ضعيفة، فيعني أن المياه ستتراكم أسرع مما يمكن تصريفه، وعندها يصبح التحكم في الوضع أكثر صعوبة، وقد تتضرر الجدران، والأرضيات، والتجهيزات الكهربائية، وغرف البويرات، والمركبات في المواقف السفلية، إضافة إلى احتمال تشكل العفن والرطوبة المزمنة داخل المبنى.

ومن المخاطر الشائعة أيضاً تراكم المياه على أسطح الأبنية، خاصة في حال انسداد مزاريب التصريف. فالمياه المتجمعة على السطح تزيد الحمل الإنشائي عليه، وقد تؤدي مع الوقت إلى انحناء أو ترخيم دائم، وتشققات في البلاطات الخرسانية، أو تسرب المياه إلى داخل المبنى. هذا التسرب لا يقتصر ضرره على الجدران والأسقف، بل يصل إلى أسياخ التسليح الحديدية، ما يسبب صدأها وضعفها الإنشائي، وبالتالي تقليل العمر الافتراضي للبناء وزيادة احتمالية حدوث أضرار هيكلية خطيرة. وهنا تظهر أهمية العزل المائي التي نصت عليه كودة العزل المائي والرطوبة في المباني لعام 2002.

كما أن الرطوبة المستمرة الناتجة عن تسرب المياه قد تؤدي إلى تفتت الخرسانة وتكوّن الشروخ الدقيقة، التي تتسع مع مرور الزمن، وتسمح بدخول المزيد من المياه، فعندها ما نلبث أن ندور في حلقة مفرغة من التدهور الإنشائي مع مرور الزمن. لذلك، فإن تنظيف (المرازيب) بشكل دوري، والتأكد من سلامة طبقات العزل المائي للأسطح، يُعدان من بعض أهم إجراءات الوقاية في فصل الشتاء.

إلى جانب ذلك، يشكل تراكم المياه حول الأبنية خطراً لا يقل أهمية، خاصة في المناطق ذات التربة الطينية القابلة للانتفاخ. فهذه التربة تتمدد عندما تتشبع بالمياه، ما يؤدي إلى انتفاخها وضغطها على الأساسات إلى الأعلى. هذا التحرك غير المنتظم في الأساسات يسبب تشققات في الجدران، وميلان وانتفاخ في الأرضيات، وتصدعات في الهيكل العام للمبنى. ومع تكرار دورات التشبع والجفاف في الصيف، تتفاقم المشكلة، وتصبح الأضرار أكثر وضوحاً وخطورة.

لهذا، من الضروري إبعاد المياه عن محيط الأبنية قدر الإمكان، عبر إنشاء ميول مناسبة للأرضيات الخارجية، وتوجيه مياه الأمطار إلى قنوات تصريف بعيدة عن الأساسات، واستخدام أنظمة صرف سطحي وتحت سطحي فعّالة. وهذه الإجراءات هي من مسؤولية المواطن وليس من مسؤوليات البلديات أو الأمانة، فكل منا أدرى بالأحوال المحيطة بمنزله.

إن التغير المناخي لم يعد سيناريو للمستقبل، بل غدا واقعاً نعيشه اليوم، ومعه تتزايد شدة الأمطار ومخاطرها على المنشآت. والتعامل مع هذه التحديات يتطلب وعياً هندسياً ومجتمعياً، يبدأ من اختيار الأرض المناسبة، ثم التصميم السليم، والبناء القانوني والذي يمر بالصيانة الدورية المستدامة، ولا ينتهي عند التدخل السريع في حالات الطوارئ. فالإهمال في أنظمة التصريف، أو الاستخفاف بقدرة المضخات، أو ترك الأسطح والمحيط الخارجي دون صيانة، قد يحوّل الأمطار من نعمة إلى تهديد حقيقي لسلامة الأرواح والممتلكات.

وبناء عليه، فإن الاستثمار في الوقاية أقل كلفة بكثير من معالجة الأضرار بعد وقوعها. فتصريف المياه بشكل صحيح، وتقوية الجدران الاستنادية، وتأمين التسويات، وحماية الأسطح، وإبعاد المياه عن الأساسات، كلها إجراءات بسيطة نسبياً وبديهية في علوم الهندسة، وخاصة في بلد بات عند كل أسرة تقريبا مهندسا من تخصص ما. وثقوا أن إجراءات الوقاية البسيطة قادرة على إنقاذ الأبنية من مخاطر جسيمة في زمن تتغير فيه أنماط الطقس بوتيرة غير مسبوقة.