وجهات نظر

فقر التعليم البيئي في الجامعات العربية

فقر التعليم البيئي في الجامعات العربية

شهدت الجامعات الأردنية خلال السنوات الأخيرة بروز عدد من البرامج الأكاديمية الرائعة ذات العلاقة بالاستدامة، مثل: برنامج بكالوريوس هندسة المدن الذكية والمستدامة في جامعة اليرموك، وبرنامج دراسات عليا الأبنية المستدامة في كلية العمارة بالجامعة الألمانية الأردنية، وكذلك ماجستير المدن الذكية والمستدامة في جامعة البتراء. إضافة إلى ذلك، برزت تخصصات أخرى؛ كإدارة الموارد الطبيعية، والأمن الغذائي والزراعة المستدامة، وغيرها.

ورغم أهمية هذه البرامج وكونها خطوة في الطريق الصحيح، إلا أنها ما زالت محدودة مقارنة بما هو معمول به في الجامعات الغربية، سواء من حيث التنوع أو العمق أو الارتباط بالصناعة والبحث العلمي التطبيقي، وفوق ذلك التحديث والتطوير للمناهج كي تواكب التطور الأسّي في المعرفة والتكنولوجيا الذي يواكب الثورة الرقمية والذكاء الصناعي.

تُظهر مراجعة البرامج المتاحة رقميا أن عدد التخصصات التي تتعمق فعليًا في الجوانب البيئية المتطورة والاقتصاد الأخضر والاقتصاد الدائري قليل جدًا. ففي الوقت الذي أصبحت فيه الجامعات الأوروبية والأمريكية وغيرها من دول الشمال تُدرّس مناهج شاملة كتقنيات حصاد وتخزين الطاقة المتجددة المتطورة جدا، إدارة انبعاثات الكربون وتقانة تخزينه، الهندسة البيئية الدقيقة، العدالة البيئية، إدارة التنوع الحيوي والزراعة الذكية والزراعة الحراجية رقميًا، وغيرها، فما زالت الجامعات العربية تطرح برامج متطورة أقل عددًا وتخصصًا، بعضها نظري أكثر منه تطبيقي، والآخر متنوع بحيث يغيب منه التخصص.

ففي جامعة كولومبيا مثلا، يوجد برنامج ماجستير في إدارة الكربون MS in Carbon Management . هذا البرنامج يركّز على تقنيات وعمليات احتجاز الكربون وتقانة تخزينه، وأنظمة طاقة منخفضة الكربون، وتحليل دورة حياة الموارد البيئية، ما يجعله مباشرة ذا صلة بهدف تقليل انبعاثات الكربون، وهو أحد أهم حلول الأزمة المناخية.

وأيضًا في جامعة جورج تاون بواشنطن، ومن خلال معهدها EEMI تقدّم برامج دراسات عليا وشهادات مهنية في "إدارة الطاقة والبيئة/ غازات الدفيئة". هذه البرامج تدمج الجوانب التقنية والاقتصادية والقانونية والإدارية لإدارة انبعاثات الغازات، وتحليل الطاقة، وتخطيط المدن المستدامة أو السياسات المتعلقة بالطاقة، مما يتجاوز المناهج التقليدية للهندسة إلى تعليم شامل متعدد التخصصات.

باختصار: هناك انتقال واضح في جامعات عالمية كبرى من تعليم تخصصات بيئية/هندسية "تقليدية" إلى برامج شاملة ومتعددة التخصصات تجمع بين الهندسة، علوم المناخ، الطاقة المستدامة، إدارة الكربون، علوم التربة والنظم البيئية، والسياسات البيئية، واقتصاد البيئة. هذه البرامج مخصصة لتجهيز مهندسين وعلماء ومخططين وسياسيين قادرين عمليًا على مواجهة أزمة المناخ والتدهور البيئي على مستويات تقنية، اجتماعية، وسياسية، وإدارية في آن واحد.

هذا التأخير في دولنا بتطوير البرامج ربما يعود لعدة أسباب، من أهمها:

* قلة الموارد المالية لتحديث المختبرات والوسائل التقنية.

* محدودية الكادر الأكاديمي المتخصص في مجالات البيئة المتطورة متنوعة الاختصاص.

* غياب الشراكات الدولية طويلة الأمد، وهو أساس نجاح التعليم البيئي في الغرب.

* صعوبة تجاوز المتطلبات الأكاديمية من المواد التقليدية.

إحدى أكبر المشكلات البنيوية في الأردن هي ضعف تمويل البحث العلمي، فميزانيات الجامعات لا تسمح بتأسيس مراكز أبحاث متقدمة في مجالات حيوية، مثل:تقنيات الطاقة المتجددة وتخزينها الأحدث، الهيدروجين الأخضر، الزراعة المستدامة، الحراجة الزراعية، إدارة المياه الرقمية، وإعادة التدوير المتطورة، وتكنولوجيا النانو، والاقتصاد الدائري.

ورغم وجود بعض التخصصات المتعلقة بالاستدامة، إلا أن تلك البرامج لا يمكنها بلوغ مستوى الجامعات الغربية دون تمويل فعّال للبحث العلمي. فالدول الغربية توفّر تمويلًا ضخمًا يتيح تأسيس مختبرات ومزارع تجريبية، شراء معدات عالية التقنية، منحًا سخية للباحثين والطلبة، تمويل مشاريع مشتركة مع القطاع الخاص. فإن غياب هذا التمويل يجعل البرامج الأكاديمية العربية أقرب إلى المعرفة النظرية، ويحدّ من قدرتها على إنتاج حلول بيئية محلية قابلة للتطبيق.

ونلاحظ وجود العديد من البرامج الجامعية في إدارة النفايات، الأمن الغذائي، الزراعة المستدامة، وإدارة الموارد الطبيعية، إلا أن هذه البرامج، على أهميتها، لا ترتبط بشكل فعّال بالصناعة والزراعة المحلية. ففي الغرب، العلاقة بين الجامعة والقطاع الصناعي والزراعي بنيوية؛ فالجامعات تقود الابتكار، والصناعة تموّل، وتطبّق واقعيا، وتعدل على النظرية. أما في العالم العربي فهناك فجوة واسعة لأسباب، مثل:

1. ضعف اهتمام الشركات بتمويل الأبحاث لغياب الحوافز الحكومية واعتمادها على استيراد التكنولوجيا.

2. عدم وجود سياسات تشجع تطبيق نتائج البحوث في المصانع والمزارع وقطاع الخدمات.

3. محدودية التدريب العملي والشراكات التي تُمكّن الطلبة من الاحتكاك المباشر بسوق العمل.

4. ضعف البنية التحتية الزراعية والصناعية والخدمية لاستقبال التكنولوجيا الجديدة التي تطورها الجامعات.

5. ارتفاع تكلفة الطاقة وشح المياه.

6. أسباب مرتبطة بالاقتصاد الأخضر والاقتصاد الدائري غير المستدام.

وبناء عليه، فرغم وجود محاولات جادة في بعض الجامعات العربية لتطوير برامج متخصصة في الاستدامة والاقتصاد الأخضر، إلا أن الوضع العام يُظهر فقرًا واضحًا في التعليم البيئي مقارنة بالجامعات الغربية من حيث التنوع والعمق والبنية التحتية والتجريب العملي. وهناك فجوة واسعة بين الجامعات وقطاعات الصناعة والزراعة والخدمات التي يفترض أن تُطبّق مخرجات التعليم والبحث، إلى جانب الضعف الشديد في تمويل الدولة للبحث العلمي، مما يحد من قدرة الجامعات على التطوير.

إن تجاوز هذه التحديات يتطلب استراتيجية وطنية واضحة تشمل دعمًا ماليًا منهجيًا للبحث العلمي، وتحفيز الشراكات مع القطاع الخاص، وتطوير برامج بيئية أكثر تخصصًا بالتعاون مع الجامعات في الدول المتقدمة التي تتمتع بالتمويل الكافي والمختبرات المتطورة وترتبط بالصناعة أيما ارتباط.