لماذا يصدق الأردنيون رواية الجيش… ويشكّون في الخطاب الرسمي؟
لا يحتاج الأردنيون إلى كثير إقناع حين يصدر الجيش روايته. فهم يثقون بها قبل أن تُعلن، ويقبلونها كما هي، ويعرفون أنها امتداد لأداءٍ ميداني لا يجمّل نفسه ولا يناقض الواقع. لكن المفارقة أن هذه الثقة نفسها لا تمتد إلى الخطاب الحكومي والمؤسسي، الذي يجد نفسه—كل مرة—في مواجهة جدارٍ من الشك والتساؤل والقراءات الموازية.
السؤال الذي ينبغي طرحه هنا:
لماذا يتسع هذا الفارق في الثقة رغم أن الطرفين ينتميان للدولة نفسها؟
ما حدث في الرمثا خلال المداهمة الأمنية الأخيرة ليس مجرد تفاصيل عملية عسكرية، بل درسٌ في الأخلاق قبل أن يكون درساً في الاشتباك. الجماعة التكفيرية تحصّنت بوالدتهم، واتخذوها درعاً بشرياً، فيما التزمت القوات الأمنية بقواعدها؛ لم تطلق النار على امرأة، ولم تنجرّ إلى ما يخالف قيمها.
هذه التفاصيل الصغيرة، التي يعرفها الخصم قبل الصديق، هي التي تجعل الأردنيين يثقون برواية الجيش بلا تردد. لأن الرواية تأتي متطابقة مع ما يعرفه الناس عن أخلاق المؤسسة العسكرية: انضباط، إنسانية، واحتراف لا يختلّ تحت الضغط.ط، وهذا مرده إلى "حين تصنع الأخلاق الرواية"؛ فالثقة هنا ليست مجاملة… بل نتيجة تاريخ طويل أثبت فيه الجيش أنه لا يقول شيئاً يناقض فعله.
على الطرف الآخر، تبدو المؤسسات المدنية غارقة في أزمة رواية، لا أزمة أداء بالضرورة. فحتى حين يكون الجهد الميداني مقبولاً أو حتى جيداً، تفشل طريقة تقديمه في إقناع الناس. والسبب بسيط: الخطاب الرسمي لا يزال يفضّل التجميل على المكاشفة، و“الصورة” على الحقيقة مما يولد أزمة رواية لا أزمة حقيقة.
ولعلّ المنخفض الجوي الأخير شاهد واضح.
الشوارع غرقت، والسيول فاضت، والمشهد تحدّث عن نفسه. لكن الخطاب الرسمي خرج بتصريحات متناقضة: مرة ينفي وجود تقصير، ومرة أخرى يتحدث عن “نجاح” الجهات في تجاوز الحالة الجوية، وكأن مشاهد الغرق التي شاهدها الأردنيون لا تدخل في حسابات النجاح والفشل.
هنا تحديداً تتآكل الثقة. ليس لأن الجمهور يبحث عن الأخطاء، بل لأن الخطاب يناقض ما تراه أعينهم.
على أن الفرق الجوهري بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات المدنية ليس في الجهد، بل في اللغة.
الجيش لا يصنع رواية ليرضي أحداً، بل يقدّم ما جرى كما جرى. لا يقول ما يتمنى الناس سماعه، ولا ما يجمّل الحدث، بل ما يُشبه الحقيقة.
وهذا ما ينقص الخطاب الحكومي: الجرأة في الاعتراف، والوضوح في لحظة الأزمة، والصدق الذي لا يتأخر حتى لا يفقد قيمته.
ما نحتاج اليوم هو أن تتعلم المؤسسات المدنية من المدرسة التي أتقنتها المؤسسة العسكرية:
خطاب يحترم عقل المواطن، ويعترف قبل أن يدافع عن نفسه، ويواجه الحقائق بدل الالتفاف حولها.
خطاب يعامل الناس كشركاء في الحقيقة، لا جمهوراً يجب إقناعه بأي ثمن.
وخلاصة القول أن الثقة ليست امتيازاً يُمنح، ولا تُكتسب بالشعارات ولا بالتبريرات. إنما تُبنى عندما تتطابق الرواية مع الواقع، وحين تُقال الحقيقة كما هي، لا كما يُراد لها أن تُقال.
ولذلك سيظل الأردنيون يثقون بالجيش…وسيبقى الخطاب الرسمي بحاجة إلى أن يتعلم منه كيف تكون الرواية حين تُبنى على الصدق والانضباط واحترام وعي الناس.
السؤال الذي ينبغي طرحه هنا:
لماذا يتسع هذا الفارق في الثقة رغم أن الطرفين ينتميان للدولة نفسها؟
ما حدث في الرمثا خلال المداهمة الأمنية الأخيرة ليس مجرد تفاصيل عملية عسكرية، بل درسٌ في الأخلاق قبل أن يكون درساً في الاشتباك. الجماعة التكفيرية تحصّنت بوالدتهم، واتخذوها درعاً بشرياً، فيما التزمت القوات الأمنية بقواعدها؛ لم تطلق النار على امرأة، ولم تنجرّ إلى ما يخالف قيمها.
هذه التفاصيل الصغيرة، التي يعرفها الخصم قبل الصديق، هي التي تجعل الأردنيين يثقون برواية الجيش بلا تردد. لأن الرواية تأتي متطابقة مع ما يعرفه الناس عن أخلاق المؤسسة العسكرية: انضباط، إنسانية، واحتراف لا يختلّ تحت الضغط.ط، وهذا مرده إلى "حين تصنع الأخلاق الرواية"؛ فالثقة هنا ليست مجاملة… بل نتيجة تاريخ طويل أثبت فيه الجيش أنه لا يقول شيئاً يناقض فعله.
على الطرف الآخر، تبدو المؤسسات المدنية غارقة في أزمة رواية، لا أزمة أداء بالضرورة. فحتى حين يكون الجهد الميداني مقبولاً أو حتى جيداً، تفشل طريقة تقديمه في إقناع الناس. والسبب بسيط: الخطاب الرسمي لا يزال يفضّل التجميل على المكاشفة، و“الصورة” على الحقيقة مما يولد أزمة رواية لا أزمة حقيقة.
ولعلّ المنخفض الجوي الأخير شاهد واضح.
الشوارع غرقت، والسيول فاضت، والمشهد تحدّث عن نفسه. لكن الخطاب الرسمي خرج بتصريحات متناقضة: مرة ينفي وجود تقصير، ومرة أخرى يتحدث عن “نجاح” الجهات في تجاوز الحالة الجوية، وكأن مشاهد الغرق التي شاهدها الأردنيون لا تدخل في حسابات النجاح والفشل.
هنا تحديداً تتآكل الثقة. ليس لأن الجمهور يبحث عن الأخطاء، بل لأن الخطاب يناقض ما تراه أعينهم.
على أن الفرق الجوهري بين المؤسسة العسكرية والمؤسسات المدنية ليس في الجهد، بل في اللغة.
الجيش لا يصنع رواية ليرضي أحداً، بل يقدّم ما جرى كما جرى. لا يقول ما يتمنى الناس سماعه، ولا ما يجمّل الحدث، بل ما يُشبه الحقيقة.
وهذا ما ينقص الخطاب الحكومي: الجرأة في الاعتراف، والوضوح في لحظة الأزمة، والصدق الذي لا يتأخر حتى لا يفقد قيمته.
ما نحتاج اليوم هو أن تتعلم المؤسسات المدنية من المدرسة التي أتقنتها المؤسسة العسكرية:
خطاب يحترم عقل المواطن، ويعترف قبل أن يدافع عن نفسه، ويواجه الحقائق بدل الالتفاف حولها.
خطاب يعامل الناس كشركاء في الحقيقة، لا جمهوراً يجب إقناعه بأي ثمن.
وخلاصة القول أن الثقة ليست امتيازاً يُمنح، ولا تُكتسب بالشعارات ولا بالتبريرات. إنما تُبنى عندما تتطابق الرواية مع الواقع، وحين تُقال الحقيقة كما هي، لا كما يُراد لها أن تُقال.
ولذلك سيظل الأردنيون يثقون بالجيش…وسيبقى الخطاب الرسمي بحاجة إلى أن يتعلم منه كيف تكون الرواية حين تُبنى على الصدق والانضباط واحترام وعي الناس.