وجهات نظر

تصنيف ترمب للإخوان المسلمين

تصنيف ترمب للإخوان المسلمين

في قراءة هادئة لما يجري يبدو واضحا ان قرار ترامب بتصنيف الإخوان المسلمين منظمة ارهابية ليس سوى الخطوة الأولى ضمن سلسلة خطوات اوسع واشمل ستطال قوى ودولا ومؤسسات داخل المنطقة وخارجها فالإدارة الاميركية الحالية تبني مقارباتها على تقارير معهد دراسة معاداة السامية وسياساته التي لا تخفي انحيازها التام للرواية الاسرائيلية ولا تخفي ان تمويلها يأتي من شبكات ضغط صهيونية ناشطة داخل واشنطن وهذا يعني ان القرار الرئاسي لا يعكس فقط رؤية سياسية بل يعكس ايضا رغبة اللوبي الصهيوني في صياغة بيئة جديدة للشرق الاوسط تتماشى مع مصالح تل أبيب وتحدد من يجوز له ان يكون لاعبا سياسيا او اعلاميا او فكريا داخل الولايات المتحدة

التقرير الأخير للمعهد لم يكن دراسة اكاديمية بل وثيقة تمهيدية للقرار الرئاسي فقد اعاد انتاج سردية قديمة تربط الإخوان المسلمين بقطر وبالجامعات الاميركية وبالطلاب العرب والمسلمين وصور كل ما لا يخضع للرواية الاسرائيلية على انه تهديد امني وثقافي وفكري كما وضع الجامعات في دائرة الاتهام وقدم للبيت الابيض والكونغرس ذخيرة سياسية جاهزة يتم استخدامها لتجريم أي تعاطف مع غزّة او نقد للاحتلال او دفاع عن القضايا العربية وكل مؤسسة تعليمية لا تتبنى الرواية الرسمية تُتهم بانها منصة اختراق وكل حركة سياسية مستقلة تُصنف تهديدا وكل نقد للاحتلال يُعاد تعريفه تحريضا

الأمر التنفيذي الذي اصدره ترامب جاء نسخة حرفية من التقرير وقدّم الجماعة كخطر مباشر على الامن القومي واتهم فروعها في المنطقة بدعم العنف واعطى الخارجية والخزانة مهلة قصيرة لتصنيف هذه الفروع منظمات ارهابية دولية وهذا الانسجام بين التقرير والقرار يعني ان المعهد صار المرجعية الفكرية للسياسات الاميركية تجاه الشرق الاوسط وان واشنطن تمضي نحو مرحلة جديدة عنوانها التضييق على أي طرف عربي يملك دورا مستقلا او قدرة على التأثير خارج الإطار الاميركي الاسرائيلي

القرار ضد الإخوان اليوم قد يتحول غدا الى قرار ضد قطر وضد الجامعة التي ترفض الخضوع وضد الإعلام الذي يرفع صوت غزّة وضد أي دولة تبدي استقلالية في سياساتها فالهدف ليس جماعة واحدة بل بيئة كاملة يراد تطويعها وإخضاعها بحيث يصبح الخيار الوحيد هو الانخراط في المشروع الاميركي الاسرائيلي او مواجهة خطر التصنيف والعقوبات والشيطنة وهكذا تتحول الادوات الفكرية إلى قرارات تنفيذية تتحول بدورها إلى سياسات بعيدة المدى تعيد تشكيل الشرق الاوسط وفق مقاربة جديدة ترى في كل استقلال عربي تهديدا وفي كل رواية غير الرواية الاسرائيلية خطرا

لن يتوقف ترامب عند هذا الحد فالمؤشرات واضحة وتقول إن المزيد من التصنيفات قادم وان المعهد سيواصل إنتاج تقارير تُستخدم أساسا للقرارات المقبلة ما يجعل المنطقة امام رحلة حساسة تحتاج وعيا سياسيا عميقا لتفادي ان يتحول الزمن القادم إلى زمن تصفية الأصوات المستقلة وتجريم المساحات الحرة واعادة كتابة قواعد اللعبة بما يخدم مصالح قوة واحدة فقط