وجهات نظر

عدم قانونية ربط معاملات الأراضي ببراءة ذمة الكهرباء

عدم قانونية ربط معاملات الأراضي ببراءة ذمة الكهرباء

في السنوات الأخيرة، شهدت الإجراءات الإدارية المتعلقة بمعاملات الأراضي في الأردن تطورًا ملحوظًا، إلا أن بعض هذه الإجراءات أثارت العديد من التساؤلات القانونية والحقوقية، من أبرز هذه الإجراءات هو اشتراط تقديم "براءة ذمة الكهرباء" عند تنفيذ العديد من المعاملات العقارية المتعلقة بالأراضي. هذا الاشتراط يثير العديد من الإشكاليات القانونية التي قد تتسبب في تعقيد الإجراءات الإدارية وتقييد حقوق المواطنين.

حيث تعد براءة الذمة هي وثيقة تُصدرها شركة الكهرباء تفيد بأن المستفيد قد سدد كافة مستحقات الكهرباء المتراكمة عليه ولم يتبق له أي ديون، في العادة، يتم طلب هذه البراءة كشرط لإتمام المعاملات العقارية مثل البيع، الهبة، أو نقل الملكية، ورغم أن هذا الإجراء قد يهدف إلى ضمان تسوية الديون المتعلقة بالخدمات المقدمة من قبل شركة الكهرباء، إلا أن ربطه بمعاملات الأراضي يثير العديد من التساؤلات القانونية التي تتطلب التأمل والتحليل.

من الناحية القانونية هناك العديد من المخالفات القانونية الناتجة عن هذا الربط وبعض الآثار الاقتصادية والاجتماعية اذكر منها:
1. إخلال مبدأ الفصل بين الحقوق المدنية والحقوق المالية:
إن ربط المعاملات العقارية التي هي ذات طبيعة مدنية (مثل بيع أو نقل ملكية أرض) بمستحقات مالية لشركة الكهرباء يتناقض مع مبدأ الفصل بين المعاملات المدنية والحقوق المالية، لا يجوز للمؤسسات العامة فرض شروط على المعاملات المدنية لا علاقة لها بها، بل يجب أن يكون لكل مؤسسة اختصاصاتها المنفصلة، ربط الكهرباء بتلك المعاملات يجعل الأرض رهينة للديون التي قد تكون ليس لها علاقة مباشرة بالملكية نفسها.
2. إضرار بحقوق الملكية:
الملكية العقارية حق دستوري ومصون بموجب التشريعات الأردنية، لكن من خلال اشتراط تقديم براءة الذمة كشرط أساسي لإتمام المعاملات العقارية، يتم تقليص حق مالك الأرض في التصرف بها كما يشاء، وهذا قد يتسبب في منع أو تأخير إجراء معاملات بيع أو شراء الأراضي بسبب ديون قد لا تكون مرتبطة مباشرة بالعقار ذاته، وبالتالي، يصبح الشخص المالك للعقار عرضة لتأخير حقوقه أو حجز ممتلكاته لمجرد وجود مديونية على الخدمات العامة.
3. تعارض مع مبادئ العدالة والمساواة:
يعتبر ربط براءة الذمة بهذه المعاملات شكلًا من أشكال التمييز بين المواطنين. فليس كل من يتعامل مع شركة الكهرباء يكون مستهلكًا سيئًا أو غير قادر على الوفاء بالديون، بل قد يكون ذلك نتيجة لظروف طارئة أو مواقف غير متوقعة. وبالتالي، قد يتعرض بعض المواطنين لظلم نتيجة لإجراء يتعارض مع مبدأ العدالة والمساواة أمام القانون.
4. عدم مراعاة المبدأ الدستوري في احترام الإجراءات القانونية:
حسب الدستور الأردني، يجب أن يتم تنفيذ أي إجراء قانوني وفقًا لآليات محددة تضمن العدالة، ولكن ربط معاملات الأراضي ببراءة ذمة الكهرباء قد يؤدي إلى تعقيد الإجراءات وتوقف المعاملات بسبب مسائل مالية لا علاقة لها مباشرة بالأرض أو ملكيتها.
5. إعاقة حركة السوق العقاري:
يمكن أن يؤدي هذا الربط إلى تباطؤ في السوق العقاري، حيث قد يُحجم الكثير من الأفراد عن شراء أو بيع الأراضي بسبب التعقيدات المتعلقة بالحصول على براءة الذمة من شركة الكهرباء، هذه العقبة البيروقراطية قد تساهم في تدهور النشاط العقاري في الأردن.
6. التأثير على الفئات الأقل دخلًا:

قد يكون العديد من المواطنين غير قادرين على دفع مستحقات الكهرباء في الوقت المحدد، بسبب ظروفهم الاقتصادية. في هذه الحالة، فإن ربط معاملة بيع أرضهم بالحصول على براءة ذمة قد يُلزمهم بالدخول في إجراءات قانونية معقدة أو تأخير إتمام المعاملة حتى لو كانت الأرض ملكًا شرعيًا لهم.

يجب أن تتم معالجة الديون المتعلقة بالكهرباء بآليات مستقلة عن معاملات الأراضي، بحيث يتم تسوية المستحقات المالية مباشرة مع شركة الكهرباء دون أن يتم ربط ذلك بعملية نقل الملكية، هذا من شأنه أن يحترم حقوق الأفراد في التصرف بأراضيهم دون التدخل غير المبرر من مؤسسات أخرى، ويمكن وضع آلية تسوية ديون الكهرباء بطريقة تسمح للأفراد بالتعامل مع ديونهم دون التأثير على حقوقهم العقارية. يمكن مثلاً تقديم تسهيلات في الدفع أو برامج تقسيط للدين التي تضمن تسوية المشكلة دون ربطها بحقوق الملكية، وفي حالة الديون المتراكمة، يمكن وضع خيارات قانونية تسهم في تسوية الديون بطرق مرنة وبدون فرض قيود على معاملات الأراضي. يمكن السماح بتأجيل المعاملات العقارية لفترة معينة حتى يتم تسوية الديون بشكل مناسب.

إن ربط معاملات الأراضي في الأردن ببراءة ذمة الكهرباء يعكس تحديات قانونية هامة تلامس حقوق المواطنين في التصرف بممتلكاتهم العقارية. في حين قد تكون هنالك نية لتسوية القضايا المالية المتعلقة بالكهرباء، إلا أن هذا الربط يتعارض مع العديد من المبادئ القانونية الأساسية، مما يستدعي إعادة النظر في هذا الإجراء وإيجاد حلول أكثر مرونة وعادلة تحفظ حقوق الأفراد وتحترم المبادئ الدستورية.