وجهات نظر

الأردن على أعتاب تحول تاريخي .. من استيراد الطاقة إلى تصديرها

الأردن على أعتاب تحول تاريخي  ..  من استيراد الطاقة إلى تصديرها


يُعدّ ملف الطاقة أحد أهم التحديات الاستراتيجية التي واجهت الأردن منذ عقود، فالمملكة تاريخياً تُصنَّف ضمن الدول الفقيرة بالموارد التقليدية من النفط والغاز، حيث كانت تستورد حوالي 90% من احتياجاتها من الطاقة، مما جعلها شديدة الحساسية لتقلبات أسعار الوقود العالمية. لكن في السنوات الأخيرة بدأ يتشكل إدراك جديد بأن الأردن لا يفتقر إلى الطاقة كما كان يُعتقد، بل يمتلك أنواعاً مختلفة من مصادر الطاقة التي لم تُستثمر بالكامل بعد، وعلى رأسها الصخر الزيتي والطاقة الشمسية، مدعوماً بموقع جغرافي فريد وعوامل استراتيجية أخرى يمكن أن ترسم ملامح مستقبل مختلف تماماً. اليوم يقف الأردن أمام فرصة تاريخية قد تعيد رسم موقعه في خريطة الطاقة في الشرق الأوسط، إذا استطاع تحويل هذه الموارد إلى قاعدة إنتاج حقيقية ومستدامة.

يمتلك الأردن واحداً من أكبر احتياطات الصخر الزيتي في العالم، إذ تُقدَّر احتياطاته بحوالي 70 مليار طن، مما يضع المملكة بين أكبر الدول في العالم من حيث احتياطيات الصخر الزيتي. والصخر الزيتي هو نوع من الصخور الرسوبية يحتوي على مواد عضوية يمكن تحويلها إلى نفط أو استخدامه مباشرة لإنتاج الكهرباء عبر تقنيات الحرق الحراري. وقد بدأ الأردن بالفعل في استثمار هذا المورد من خلال مشروع محطة العطارات لتوليد الكهرباء من الصخر الزيتي، وهو من أكبر المشاريع الصناعية في المملكة، حيث تبلغ قدرته الإنتاجية نحو 470 ميغاواط، ما يسهم في توفير جزء ملموس من احتياجات الشبكة الوطنية. ويُعد هذا المشروع خطوة مهمة نحو تنويع مصادر الطاقة وتقليل الاعتماد على الاستيراد، إذ يوفر جزءاً من احتياجات الكهرباء اعتماداً على مورد محلي. لكن رغم أهميته، يواجه الصخر الزيتي عدة تحديات، أبرزها الكلفة البيئية والمالية، إذ إن استخراجه ومعالجته يتطلبان تقنيات معقدة واستهلاكاً كبيراً للمياه والطاقة. لذلك يرى بعض الخبراء أن الصخر الزيتي يمكن أن يكون مصدر طاقة انتقاليا يساعد الأردن على تحقيق قدر من الاستقلالية، لكنه قد لا يكون الحل النهائي طويل المدى.

إذا كان الصخر الزيتي يمثل ثروة تحت الأرض، فإن الطاقة الشمسية تمثل ثروة فوقها. فالأردن يقع في منطقة تُعد من أكثر مناطق العالم تعرضاً لأشعة الشمس، حيث يتجاوز عدد الأيام المشمسة في السنة 300 يوم في كثير من المناطق. هذه الميزة الجغرافية أسهمت في جعل الأردن من الدول الرائدة في المنطقة بمجال الطاقة المتجددة، حيث أصبحت تشكل حوالي 25 إلى 30% من الكهرباء المولدة في السنوات الأخيرة، سواء من خلال المشاريع الكبرى التي نُفِّذت عبر شراكات بين القطاعين العام والخاص كما حدث في محطات معان والطفيلة والمفرق، أو عبر استخدام الألواح الشمسية في المنازل والمصانع.

ويبلغ إجمالي قدرة مشاريع الطاقة المتجددة قيد التشغيل حالياً أكثر من 2000 ميغاواط، موزعة بين الشمس والرياح، فيما تجاوزت استثمارات هذا القطاع حاجز أربعة مليارات دولار، مما يعكس ثقة المستثمرين المحليين والدوليين في جدوى التحول الطاقي الأردني. كما يمتلك الأردن إمكانات واعدة في مجال طاقة الرياح، خصوصاً في مناطق الطفيلة ومعان، حيث أُنشئت عدة مزارع رياح تسهم في دعم مزيج الطاقة المتجددة وتنويع مصادرها. وقد أثبت نموذج الشراكة مع المستثمرين نجاحه في جذب التمويل والتكنولوجيا اللازمة لهذه المشاريع الضخمة، مما خفف العبء عن الموازنة العامة وسرّع وتيرة التحول نحو الطاقة المتجددة. وتتميز الطاقة الشمسية بمزايا استراتيجية: إنها مصدر نظيف ومستدام، تقلل الاعتماد على الوقود المستورد، وتوفر فرصاً استثمارية وتكنولوجية جديدة. ومع التطور السريع في تقنيات تخزين الطاقة، مثل البطاريات الضخمة، يمكن للطاقة الشمسية أن تصبح العمود الفقري لمنظومة الطاقة الأردنية، خاصة إذا اقترنت بمشاريع طموحة مثل إنتاج الهيدروجين الأخضر. فالأردن بدأ يخطو خطوات جادة في هذا المجال، حيث يمكن استخدام الطاقة الشمسية الوفيرة لتحلية المياه وإنتاج الهيدروجين النظيف الذي يزداد الطلب عليه عالمياً، مما يفتح باباً لتصدير الطاقة إلى أوروبا عبر مشاريع الربط الكهربائي المستقبلية. وهذا يحول الأردن من مجرد مستهلك إلى منتج ومصدر للطاقة النظيفة.

إلى جانب موارده الطبيعية، يتمتع الأردن بموقع جغرافي فريد يربط بين آسيا وإفريقيا وأوروبا، وبين دول الخليج وبلاد الشام ومصر. هذا الموقع يمكن أن يمنحه دوراً مهماً في شبكات الربط الكهربائي الإقليمية، حيث يمكن نقل الطاقة المتجددة عبر الحدود. فإذا توسعت مشاريع الطاقة الشمسية والرياح في الأردن، يمكن للمملكة أن تتحول إلى مصدّر للطاقة النظيفة إلى دول الجوار، مستفيدة من بنية تحتية متطورة لشبكات الكهرباء التي تحتاج إلى مزيد من التطوير لاستيعاب التدفقات المتجددة. لكن الطريق لا يخلو من التحديات، إذ إن ارتفاع كلفة الاستثمار في مشاريع الطاقة الكبرى يتطلب سياسات اقتصادية وتشريعية مستقرة تشجع الاستثمار طويل الأمد، كما أن محدودية الموارد المائية قد تؤثر في بعض تقنيات الطاقة، وهنا يبرز دور كفاءة الطاقة كعنصر أساسي. فرغم أهمية زيادة الإنتاج، فإن ترشيد الاستهلاك وتقليل الفاقد من الشبكات وتشجيع المباني الموفرة للطاقة يمكن أن يوفر جزءاً كبيراً من الطلب المحلي، مما يعزز الأمن الطاقي، ويخفف الضغط على الموارد.

إن مستقبل الطاقة في الأردن لا يكمن في مصدر واحد، بل في مزيج متوازن من الموارد والإجراءات. الصخر الزيتي يمكن أن يوفر قاعدة محلية للطاقة، بينما تمثل الطاقة الشمسية والرياح الطريق نحو اقتصاد طاقة نظيف ومستدام، خاصة إذا اقترنت بمشاريع الهيدروجين الأخضر والربط الإقليمي، وبدعم من سياسات ترشيد الاستهلاك وشراكات القطاعين العام والخاص التي أثبتت جدواها.

إذا نجح الأردن في إدارة هذه الموارد بذكاء وتجاوز التحديات المالية والتقنية والبيئية، فقد يتحول خلال العقود القادمة من دولة تعتمد على استيراد 90% من احتياجاتها إلى دولة تمتلك أمناً طاقياً حقيقياً، وربما دوراً إقليمياً مؤثراً في سوق الطاقة المتجددة. وفي عالم يتجه بسرعة نحو الطاقة النظيفة، قد تكون الشمس التي تشرق على صحراء الأردن كل يوم هي الثروة الأكثر قيمة في مستقبل المملكة، ليس فقط لتضيء البيوت، بل لتنير طريقها نحو الريادة الإقليمية.