سوالف

عام جديد للأم: التوازن أولًا… لا مكان لمثالية تُرهق القلب

عام جديد للأم: التوازن أولًا… لا مكان لمثالية تُرهق القلب

للعلّم - مع كل عام جديد، تدخل الأم مرحلة مزدحمة بالمشاعر؛ مزيج من الأمل والرغبة في التغيير، يقابله شعور ثقيل بالمسؤولية. فهي لا تبدأ عامًا جديدًا لنفسها فقط، بل تحمله على كتفيها لأسرتها وأطفالها، بكل تفاصيله الصغيرة والكبيرة.

تحلم كل أم بأن تكون أكثر صبرًا وتنظيمًا، وأن تنجح في تحقيق توازن مثالي بين أدوارها المتعددة. لكن هذه الرغبة، حين تُحمَّل بتوقعات غير واقعية، تتحول إلى ضغط نفسي متكرر، يتجدد مع كل بداية عام، ويستنزف طاقتها بدل أن يمنحها الأمل.

ومن هنا تأتي الرسالة الأهم:
البدايات الأصدق لا تكون صاخبة ولا مثالية، بل هادئة ومتزنة، تبدأ من الداخل قبل الخارج.

المجتمع يضع الأم دائمًا في دائرة التوقعات العالية، وكأن التحسن واجب مستمر بلا تعب أو شكوى. ومع تراكم التجارب والإرهاق، تشعر الأم أنها مطالبة بتعويض كل ما تعتقد أنه تقصير سابق، فتدخل العام الجديد مثقلة بدل أن تكون متجددة.

وتؤكد د. أميرة داوود، دكتوراة الصحة النفسية وأخصائية العلاج الشعوري، أن الاستقرار النفسي للأم هو الأساس الذي تُبنى عليه تربية هادئة وعلاقات أسرية سليمة. فالأم التي لا تعيش توازنًا داخليًا، يصعب عليها منح هذا التوازن لأطفالها.

اختيار التوازن لا يعني التخلي عن الدور، بل إعادة تعريفه بوعي أكبر. فالصحة النفسية للأم تنعكس مباشرة على أسلوب تعاملها، وقدرتها على الاحتواء، وصبرها اليومي.

المشكلة أن كثيرًا من الأمهات يحاولن مع بداية العام تغيير كل شيء دفعة واحدة، وهو اندفاع غالبًا ما ينتهي بالإرهاق أو الإحباط. البداية الهادئة، كما توضح د. أميرة، تعني التدرج، والإنصات الحقيقي للنفس، والاعتراف بالاحتياجات الواقعية لا المثالية.

السعي إلى الكمال في الأمومة أحد أكثر مصادر الضغط شيوعًا، خاصة في ظل صور مثالية تفرضها مواقع التواصل. والحقيقة البسيطة: الأم المثالية غير موجودة، لكن الأم المتوازنة قادرة على العطاء دون أن تنهك نفسها.

تقبّل النقص، والتوقف عن جلد الذات، وترسيخ الرعاية الذاتية، كلها خطوات أساسية لبداية عام أكثر رحمة. فالاهتمام بالنفس ليس أنانية، بل ضرورة نفسية تضمن استقرار الأسرة.

كما أن قول «لا» لبعض الالتزامات ليس فشلًا، بل وعيًا بالحدود. فالأم التي تحمي طاقتها النفسية، تحمي علاقتها بأطفالها أيضًا.

التوازن يخلق علاقة آمنة مع الأبناء، تقوم على الحوار لا السيطرة، وعلى التعلم لا العقاب، وعلى الحزم المتزن لا القسوة. وهو أيضًا ما يساعد الأم على التوفيق بين الأسرة والعمل دون شعور دائم بالذنب.

في النهاية، لا تحتاج الأم مع بداية العام إلى قرارات صارمة ولا وعود مثالية، بل إلى نية صادقة بأن تكون أكثر لطفًا مع نفسها. فالتوازن لا ينتقص من العطاء، بل يجعله أعمق وأصدق، ويحوّل العام الجديد من عبء ثقيل إلى رحلة إنسانية تُعاش بهدوء وطمأنينة.