لم يعد الانتحار في الوطن العربي ظاهرة يمكن إنكارها أو التعامل معها بصمت، ولم يعد مقبولاً اختزاله في عبارات جاهزة مثل 'حرام' أو 'عيب' أو 'تجاهل الأمر أفضل'. فنحن أمام واقع يتكرر، وأرواح تُفقد، وأسئلة موجعة لا تجد إجابة لماذا يصل إنسان، في مقتبل عمره أحياناً، إلى لحظة يرى فيها أن الحياة لم تعد تُحتمل؟
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من سبعمائة ألف شخص يموتون بسبب الانتحار كل عام حول العالم، وهو رابع سبب رئيسي للوفاة بين الفئة العمرية من الخامسة عشرة إلى التاسعة والعشرين عاماً. ورغم أن الإحصاءات الرسمية في الدول العربية تشير إلى معدلات أقل من المتوسط العالمي، فإن هذه الأرقام تخفي وراءها حقيقة أكثر تعقيداً، بسبب الوصمة الاجتماعية التي تدفع إلى التكتم. وهنا تكمن المأساة: الانتحار موجود لكنه غير معلن، وغير معترف به كما ينبغي.
لكي نعالج الظاهرة، يجب أن نفرق بين دوافعها المختلفة، لأن العلاج يختلف باختلاف السبب الجذري. هناك الأسباب النفسية والمرضية، ويعاني ملايين البشر حول العالم من اضطرابات الصحة النفسية، وأكثرها شيوعاً القلق والاكتئاب. لكن أخطر ما في الأمر هو ما يعرف بالاكتئاب المبتسم، حيث يخفي المصاب معاناته خلف وجه مبتسم ونشاط اجتماعي، مما يمنع المحيطين من ملاحظة الخطر. قصة شهد من عُمان، تلك الطالبة المراهقة التي رحلت في دورة مياه مدرستها، كانت نموذجاً صادماً لهذه الحالة. والدتها روت أنها كانت طبيعية واجتماعية ونشيطة، تبتسم حين تناديها الأم، ولم يظهر عليها أي شيء يدعو للقلق. لكن بعد الحادثة، عُثر على دفتر مذكراتها مملوءاً بعبارات مرعبة: أنها حاولت إنهاء حياتها أكثر من مرة وفشلت، وأنها فقدت السيطرة على نفسها. التشخيص بعد الوفاة كان الاكتئاب المبتسم، الذي يفتك بصاحبه بصمت.
وهناك الأسباب الاجتماعية والاقتصادية، فالفقر والبطالة والديون المتراكمة تشكل بيئة خصبة لليأس، خاصة لدى الشباب الذين يعانون هشاشة نفسية سابقة. في المناطق الريفية والمهمشة، تقل الفرص وتغيب الخدمات، فيصبح الانتحار عند البعض لوضع حد للألم. فقد ربطت دراسة نشرتها لانسيت للأبحاث الشرق أوسطية بين ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب العربي التي تصل إلى 25% في بعض الدول، وزيادة الأفكار الانتحارية.
ثم يأتي الضغط الدراسي والنظام التعليمي القاتل، ففي تونس سُجّل أكثر من مائة وخمسين حالة انتحار بين التلاميذ خلال خمس سنوات بسبب النتائج الدراسية. في واقعة مؤلمة، أقدم طفل في الرابعة عشرة على إنهاء حياته بعد حصوله على معدل منخفض، وما إن علمت شقيقته حتى أصيبت بسكتة قلبية فارقت على إثرها الحياة. أما في العراق، فانتحرت طالبتان معاً في النجف، تاركتين رسالة تتحدث عن الظلم المدرسي والخوف من عقوبات الأسرة.
ولا يمكن إغفال الابتزاز الإلكتروني، ذلك السلاح القاتل في عصرنا، فالعار المرتبط بالصورة أو الفيديو في مجتمعاتنا الشرقية قد يكون أثقل من احتمال الموت. قصة بسنت خالد من مصر، تلك المراهقة التي لم تتجاوز السابعة عشرة، أقدمت على الانتحار بعد أن ابتزها شابان بنشر صور فاضحة لها بين أهالي قريتها. لم تتحمل بسنت ضغوط التنمر من الجيران وزملاء المدرسة وحتى بعض المعلمين، فاختارت الموت تاركة رسالة مؤثرة لوالدتها. كما كشفت تحقيقات عالمية عن شبكات إجرامية منظمة تدير عمليات ابتزاز رقمي تستهدف المراهقين، وسُجّلت عشرات حالات الانتحار بين الضحايا القاصرين...يتبع الجزء القادم
لم يعد الانتحار في الوطن العربي ظاهرة يمكن إنكارها أو التعامل معها بصمت، ولم يعد مقبولاً اختزاله في عبارات جاهزة مثل 'حرام' أو 'عيب' أو 'تجاهل الأمر أفضل'. فنحن أمام واقع يتكرر، وأرواح تُفقد، وأسئلة موجعة لا تجد إجابة لماذا يصل إنسان، في مقتبل عمره أحياناً، إلى لحظة يرى فيها أن الحياة لم تعد تُحتمل؟
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من سبعمائة ألف شخص يموتون بسبب الانتحار كل عام حول العالم، وهو رابع سبب رئيسي للوفاة بين الفئة العمرية من الخامسة عشرة إلى التاسعة والعشرين عاماً. ورغم أن الإحصاءات الرسمية في الدول العربية تشير إلى معدلات أقل من المتوسط العالمي، فإن هذه الأرقام تخفي وراءها حقيقة أكثر تعقيداً، بسبب الوصمة الاجتماعية التي تدفع إلى التكتم. وهنا تكمن المأساة: الانتحار موجود لكنه غير معلن، وغير معترف به كما ينبغي.
لكي نعالج الظاهرة، يجب أن نفرق بين دوافعها المختلفة، لأن العلاج يختلف باختلاف السبب الجذري. هناك الأسباب النفسية والمرضية، ويعاني ملايين البشر حول العالم من اضطرابات الصحة النفسية، وأكثرها شيوعاً القلق والاكتئاب. لكن أخطر ما في الأمر هو ما يعرف بالاكتئاب المبتسم، حيث يخفي المصاب معاناته خلف وجه مبتسم ونشاط اجتماعي، مما يمنع المحيطين من ملاحظة الخطر. قصة شهد من عُمان، تلك الطالبة المراهقة التي رحلت في دورة مياه مدرستها، كانت نموذجاً صادماً لهذه الحالة. والدتها روت أنها كانت طبيعية واجتماعية ونشيطة، تبتسم حين تناديها الأم، ولم يظهر عليها أي شيء يدعو للقلق. لكن بعد الحادثة، عُثر على دفتر مذكراتها مملوءاً بعبارات مرعبة: أنها حاولت إنهاء حياتها أكثر من مرة وفشلت، وأنها فقدت السيطرة على نفسها. التشخيص بعد الوفاة كان الاكتئاب المبتسم، الذي يفتك بصاحبه بصمت.
وهناك الأسباب الاجتماعية والاقتصادية، فالفقر والبطالة والديون المتراكمة تشكل بيئة خصبة لليأس، خاصة لدى الشباب الذين يعانون هشاشة نفسية سابقة. في المناطق الريفية والمهمشة، تقل الفرص وتغيب الخدمات، فيصبح الانتحار عند البعض لوضع حد للألم. فقد ربطت دراسة نشرتها لانسيت للأبحاث الشرق أوسطية بين ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب العربي التي تصل إلى 25% في بعض الدول، وزيادة الأفكار الانتحارية.
ثم يأتي الضغط الدراسي والنظام التعليمي القاتل، ففي تونس سُجّل أكثر من مائة وخمسين حالة انتحار بين التلاميذ خلال خمس سنوات بسبب النتائج الدراسية. في واقعة مؤلمة، أقدم طفل في الرابعة عشرة على إنهاء حياته بعد حصوله على معدل منخفض، وما إن علمت شقيقته حتى أصيبت بسكتة قلبية فارقت على إثرها الحياة. أما في العراق، فانتحرت طالبتان معاً في النجف، تاركتين رسالة تتحدث عن الظلم المدرسي والخوف من عقوبات الأسرة.
ولا يمكن إغفال الابتزاز الإلكتروني، ذلك السلاح القاتل في عصرنا، فالعار المرتبط بالصورة أو الفيديو في مجتمعاتنا الشرقية قد يكون أثقل من احتمال الموت. قصة بسنت خالد من مصر، تلك المراهقة التي لم تتجاوز السابعة عشرة، أقدمت على الانتحار بعد أن ابتزها شابان بنشر صور فاضحة لها بين أهالي قريتها. لم تتحمل بسنت ضغوط التنمر من الجيران وزملاء المدرسة وحتى بعض المعلمين، فاختارت الموت تاركة رسالة مؤثرة لوالدتها. كما كشفت تحقيقات عالمية عن شبكات إجرامية منظمة تدير عمليات ابتزاز رقمي تستهدف المراهقين، وسُجّلت عشرات حالات الانتحار بين الضحايا القاصرين...يتبع الجزء القادم
لم يعد الانتحار في الوطن العربي ظاهرة يمكن إنكارها أو التعامل معها بصمت، ولم يعد مقبولاً اختزاله في عبارات جاهزة مثل 'حرام' أو 'عيب' أو 'تجاهل الأمر أفضل'. فنحن أمام واقع يتكرر، وأرواح تُفقد، وأسئلة موجعة لا تجد إجابة لماذا يصل إنسان، في مقتبل عمره أحياناً، إلى لحظة يرى فيها أن الحياة لم تعد تُحتمل؟
تشير تقديرات منظمة الصحة العالمية إلى أن أكثر من سبعمائة ألف شخص يموتون بسبب الانتحار كل عام حول العالم، وهو رابع سبب رئيسي للوفاة بين الفئة العمرية من الخامسة عشرة إلى التاسعة والعشرين عاماً. ورغم أن الإحصاءات الرسمية في الدول العربية تشير إلى معدلات أقل من المتوسط العالمي، فإن هذه الأرقام تخفي وراءها حقيقة أكثر تعقيداً، بسبب الوصمة الاجتماعية التي تدفع إلى التكتم. وهنا تكمن المأساة: الانتحار موجود لكنه غير معلن، وغير معترف به كما ينبغي.
لكي نعالج الظاهرة، يجب أن نفرق بين دوافعها المختلفة، لأن العلاج يختلف باختلاف السبب الجذري. هناك الأسباب النفسية والمرضية، ويعاني ملايين البشر حول العالم من اضطرابات الصحة النفسية، وأكثرها شيوعاً القلق والاكتئاب. لكن أخطر ما في الأمر هو ما يعرف بالاكتئاب المبتسم، حيث يخفي المصاب معاناته خلف وجه مبتسم ونشاط اجتماعي، مما يمنع المحيطين من ملاحظة الخطر. قصة شهد من عُمان، تلك الطالبة المراهقة التي رحلت في دورة مياه مدرستها، كانت نموذجاً صادماً لهذه الحالة. والدتها روت أنها كانت طبيعية واجتماعية ونشيطة، تبتسم حين تناديها الأم، ولم يظهر عليها أي شيء يدعو للقلق. لكن بعد الحادثة، عُثر على دفتر مذكراتها مملوءاً بعبارات مرعبة: أنها حاولت إنهاء حياتها أكثر من مرة وفشلت، وأنها فقدت السيطرة على نفسها. التشخيص بعد الوفاة كان الاكتئاب المبتسم، الذي يفتك بصاحبه بصمت.
وهناك الأسباب الاجتماعية والاقتصادية، فالفقر والبطالة والديون المتراكمة تشكل بيئة خصبة لليأس، خاصة لدى الشباب الذين يعانون هشاشة نفسية سابقة. في المناطق الريفية والمهمشة، تقل الفرص وتغيب الخدمات، فيصبح الانتحار عند البعض لوضع حد للألم. فقد ربطت دراسة نشرتها لانسيت للأبحاث الشرق أوسطية بين ارتفاع معدلات البطالة بين الشباب العربي التي تصل إلى 25% في بعض الدول، وزيادة الأفكار الانتحارية.
ثم يأتي الضغط الدراسي والنظام التعليمي القاتل، ففي تونس سُجّل أكثر من مائة وخمسين حالة انتحار بين التلاميذ خلال خمس سنوات بسبب النتائج الدراسية. في واقعة مؤلمة، أقدم طفل في الرابعة عشرة على إنهاء حياته بعد حصوله على معدل منخفض، وما إن علمت شقيقته حتى أصيبت بسكتة قلبية فارقت على إثرها الحياة. أما في العراق، فانتحرت طالبتان معاً في النجف، تاركتين رسالة تتحدث عن الظلم المدرسي والخوف من عقوبات الأسرة.
ولا يمكن إغفال الابتزاز الإلكتروني، ذلك السلاح القاتل في عصرنا، فالعار المرتبط بالصورة أو الفيديو في مجتمعاتنا الشرقية قد يكون أثقل من احتمال الموت. قصة بسنت خالد من مصر، تلك المراهقة التي لم تتجاوز السابعة عشرة، أقدمت على الانتحار بعد أن ابتزها شابان بنشر صور فاضحة لها بين أهالي قريتها. لم تتحمل بسنت ضغوط التنمر من الجيران وزملاء المدرسة وحتى بعض المعلمين، فاختارت الموت تاركة رسالة مؤثرة لوالدتها. كما كشفت تحقيقات عالمية عن شبكات إجرامية منظمة تدير عمليات ابتزاز رقمي تستهدف المراهقين، وسُجّلت عشرات حالات الانتحار بين الضحايا القاصرين...يتبع الجزء القادم
التعليقات