غياب الحوار الصريح يجعل كل طرف يفسّر سلوك الآخر وفق مخاوفه الخاصة، لا وفق نواياه الحقيقية؛ فيتحول المال من وسيلة استقرار إلى أداة صراع صامت داخل العلاقة. كثير من المشكلات الراهنة لا يمكن فهمها بعيدًا عن الجذور التربوية في مرحلة الطفولة. فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها مفهوم المسؤولية ومعنى الرجولة والأنوثة. الأم التي لم تعلّم ابنها تحمل المسؤولية، أو التي بالغت في تدليله وجعلته مركز الكون داخل البيت، قد تزرع فيه – من حيث لا تدري – شعورًا بالاستحقاق دون مقابل. يكبر وهو يرى أن الرعاية حق طبيعي له، لا واجبًا متبادلًا عليه. وفي المقابل، الأب الذي لم يقدم نموذجًا واضحًا للرجل المسؤول، يترك ابنه بلا مرجعية ذكورية متوازنة؛ فينشأ إما مترددًا يهرب من الالتزام، أو متشددًا يخلط بين المسؤولية والهيمنة.
والفتاة بدورها تتشكل رؤيتها من النموذج الذي تعيشه أمامها. فإذا رأت أمها تتحمل الأعباء مضاعفة دون تقدير أو مشاركة حقيقية، قد تنشأ رافضة للنموذج التقليدي بأكمله؛ لا لأنه باطل في جوهره، بل لأنه ارتبط في ذاكرتها بالظلم والاستنزاف. وهكذا تتكون مواقف دفاعية مبكرة تجاه الأدوار، مواقف لا تنبع من دراسة عقلانية، بل من تجارب عاطفية عميقة.
إلى جانب التربية، تلعب الجراح النفسية الناتجة عن العلاقات السابقة دورًا بالغ الأثر في تشكيل المواقف. الرجل الذي جُرح من قبل امرأة قريبة في حياته، سواء كانت أمًا ناقدة باستمرار، أو أختًا مستهزئة، أو علاقة عاطفية انتهت بخذلان، قد يحمل في داخله تعميمًا دفاعيًا يجعله يتعامل بحذر مفرط أو انسحاب مبكر. انسحابه من المسؤولية لا يكون دائمًا كسلًا، بل أحيانًا خوفًا من إعادة الألم.
والمرأة التي عاشت تجربة رأت فيها أمها أو نفسها تُستنزف دون تقدير، قد ترى في أي مطالبة بالتزام تقليدي محاولة لإعادتها إلى دائرة المعاناة ذاتها. وهكذا يتحول الماضي غير المعالج إلى عدسة مشوهة يُرى من خلالها الحاضر.
ومع كل تحول اجتماعي تظهر مساحة جديدة من الحرية، لكن الحرية إذا لم تُضبط بقيم واضحة قد تتحول إلى فوضى انتقائية. هناك بالفعل من الجنسين من يستغل هذا الانزياح في الأدوار لمصالح أنانية؛ نساء قد يرفعن شعار المساواة لتبرير التخلي عن أي مسؤولية أسرية أو عاطفية، ورجال قد يستخدمون خطاب التحرر ليتنصلوا من واجباتهم المادية والنفسية. المشكلة هنا ليست في المساواة ولا في التحرر، بل في أخذ الحقوق كاملة وترك الواجبات كاملة. هذا الاستغلال الانتقائي يجعل المشهد يبدو وكأن التحول كله سلبي، بينما في حقيقته كان يمكن أن يكون فرصة لإعادة توزيع عادل ومتوازن للمسؤوليات.
غير أن وراء كل هذه الأدوار الاجتماعية المتحركة تبقى حاجات إنسانية ثابتة لا تتغير بتغير الأزمنة. فالرجل والمرأة يشتركان في الحاجة إلى الأمان والحب والتقدير والاحترام والانتماء. حين يشعر الرجل بأنه مُقدَّر في جهده ومعترف بقيمته، يصبح أكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية. وحين تشعر المرأة بأنها آمنة ومصونة ومحترمة، لا تجد نفسها مضطرة إلى التصلب أو المبالغة في الدفاع عن ذاتها. كثير من الصراعات الظاهرة حول توزيع المهام تخفي في جوهرها احتياجات عاطفية غير مُشبَعة. الرجل الذي يبدو متهربًا قد يكون في داخله باحثًا عن اعتراف بقيمته يتجاوز المال، والمرأة التي تبدو متشددة قد تكون في عمقها خائفة من الانكسار أو التهميش.
ويكثر بين الشركاء والأزواج السؤال: من الذي يبدأ أولًا؟
عندما يركز الطرفان على تلبية هذه الحاجات الأساسية لبعضهما، تصبح الأسئلة الشكلية حول من يفعل ماذا أقل حدة. فبدلًا من أن تتحول العلاقة إلى معادلة حسابية تُقاس فيها المساهمات بدقة جامدة، تتحول إلى مشروع مشترك يقوم على التعاون والإنصاف. العدالة هنا لا تعني التطابق الحسابي، بل تعني أن يشعر كل طرف بأن جهده مرئي ومقدّر، وأن التزامه لا يُستغل ولا يُقابَل بالجحود.
إن السؤال: 'من الذي غيّر إعدادات الكون؟' لا يبحث عن متهم بقدر ما يدعو إلى مراجعة جماعية، لما يتم ممارسته في الأسر العربية، وما حصل من تغيير شامل، بعضه ممنهج ومتعمد، وصلت إليه الأسرة بعد محاولات عديدة ومتكررة، عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة، والدراما، والأغاني، والمسلسلات، والأفلام، والقصص، وغيرها.
التحولات الاقتصادية والتعليمية والثقافية واقع لا يمكن إنكاره، لكن القيم التي تضبط العلاقة يمكن إعادة صياغتها بوعي ونضج. الأدوار قابلة للتطوير، أما الأمان والاحترام فهما أساس لا غنى عنه. وحين يُعاد تعريف المسؤولية على أنها شرف لا عبء، ويُعاد تعريف القوة على أنها قدرة على العطاء لا على الهيمنة، يمكن للعلاقة بين الرجل والمرأة أن تستعيد توازنها؛ لا كصورة جامدة من الماضي، بل كنموذج أكثر وعيًا وعدلًا وإنسانية.
يبقى السؤال الأعمق: هل نحن أمام انهيار في المنظومة، أم أمام مرحلة انتقال لم تنضج بعد؟ فكل مجتمع يمر بمخاض حين تتغير بنيته الاقتصادية والتعليمية وتتبدل مصادر القوة فيه. غير أن الفارق بين التحول الصحي والتحول المربك يكمن في القدرة على إدارة التغيير أخلاقيًا ونفسيًا، لا مجرد الاستجابة له عمليًا.
إن جزءًا كبيرًا من الارتباك الحالي يعود إلى الخلط بين المساواة والتماثل. فالمساواة تعني العدالة في القيمة والكرامة والفرص، أما التماثل فيعني إلغاء الفروق الطبيعية والنفسية التي تشكل أساس التكامل. حين سعت المجتمعات إلى تحقيق العدالة للمرأة، وهو مسعى مشروع وضروري، انزلق الخطاب أحيانًا إلى إنكار الفروق بدلًا من تنظيمها. وفي المقابل، تمسك بعض الرجال بصورة جامدة عن الرجولة تقوم على الامتياز لا على المسؤولية، فشعروا أن أي تقدم للمرأة هو انتقاص منهم... يتبع في الجزء الثالث والأخير.
غياب الحوار الصريح يجعل كل طرف يفسّر سلوك الآخر وفق مخاوفه الخاصة، لا وفق نواياه الحقيقية؛ فيتحول المال من وسيلة استقرار إلى أداة صراع صامت داخل العلاقة. كثير من المشكلات الراهنة لا يمكن فهمها بعيدًا عن الجذور التربوية في مرحلة الطفولة. فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها مفهوم المسؤولية ومعنى الرجولة والأنوثة. الأم التي لم تعلّم ابنها تحمل المسؤولية، أو التي بالغت في تدليله وجعلته مركز الكون داخل البيت، قد تزرع فيه – من حيث لا تدري – شعورًا بالاستحقاق دون مقابل. يكبر وهو يرى أن الرعاية حق طبيعي له، لا واجبًا متبادلًا عليه. وفي المقابل، الأب الذي لم يقدم نموذجًا واضحًا للرجل المسؤول، يترك ابنه بلا مرجعية ذكورية متوازنة؛ فينشأ إما مترددًا يهرب من الالتزام، أو متشددًا يخلط بين المسؤولية والهيمنة.
والفتاة بدورها تتشكل رؤيتها من النموذج الذي تعيشه أمامها. فإذا رأت أمها تتحمل الأعباء مضاعفة دون تقدير أو مشاركة حقيقية، قد تنشأ رافضة للنموذج التقليدي بأكمله؛ لا لأنه باطل في جوهره، بل لأنه ارتبط في ذاكرتها بالظلم والاستنزاف. وهكذا تتكون مواقف دفاعية مبكرة تجاه الأدوار، مواقف لا تنبع من دراسة عقلانية، بل من تجارب عاطفية عميقة.
إلى جانب التربية، تلعب الجراح النفسية الناتجة عن العلاقات السابقة دورًا بالغ الأثر في تشكيل المواقف. الرجل الذي جُرح من قبل امرأة قريبة في حياته، سواء كانت أمًا ناقدة باستمرار، أو أختًا مستهزئة، أو علاقة عاطفية انتهت بخذلان، قد يحمل في داخله تعميمًا دفاعيًا يجعله يتعامل بحذر مفرط أو انسحاب مبكر. انسحابه من المسؤولية لا يكون دائمًا كسلًا، بل أحيانًا خوفًا من إعادة الألم.
والمرأة التي عاشت تجربة رأت فيها أمها أو نفسها تُستنزف دون تقدير، قد ترى في أي مطالبة بالتزام تقليدي محاولة لإعادتها إلى دائرة المعاناة ذاتها. وهكذا يتحول الماضي غير المعالج إلى عدسة مشوهة يُرى من خلالها الحاضر.
ومع كل تحول اجتماعي تظهر مساحة جديدة من الحرية، لكن الحرية إذا لم تُضبط بقيم واضحة قد تتحول إلى فوضى انتقائية. هناك بالفعل من الجنسين من يستغل هذا الانزياح في الأدوار لمصالح أنانية؛ نساء قد يرفعن شعار المساواة لتبرير التخلي عن أي مسؤولية أسرية أو عاطفية، ورجال قد يستخدمون خطاب التحرر ليتنصلوا من واجباتهم المادية والنفسية. المشكلة هنا ليست في المساواة ولا في التحرر، بل في أخذ الحقوق كاملة وترك الواجبات كاملة. هذا الاستغلال الانتقائي يجعل المشهد يبدو وكأن التحول كله سلبي، بينما في حقيقته كان يمكن أن يكون فرصة لإعادة توزيع عادل ومتوازن للمسؤوليات.
غير أن وراء كل هذه الأدوار الاجتماعية المتحركة تبقى حاجات إنسانية ثابتة لا تتغير بتغير الأزمنة. فالرجل والمرأة يشتركان في الحاجة إلى الأمان والحب والتقدير والاحترام والانتماء. حين يشعر الرجل بأنه مُقدَّر في جهده ومعترف بقيمته، يصبح أكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية. وحين تشعر المرأة بأنها آمنة ومصونة ومحترمة، لا تجد نفسها مضطرة إلى التصلب أو المبالغة في الدفاع عن ذاتها. كثير من الصراعات الظاهرة حول توزيع المهام تخفي في جوهرها احتياجات عاطفية غير مُشبَعة. الرجل الذي يبدو متهربًا قد يكون في داخله باحثًا عن اعتراف بقيمته يتجاوز المال، والمرأة التي تبدو متشددة قد تكون في عمقها خائفة من الانكسار أو التهميش.
ويكثر بين الشركاء والأزواج السؤال: من الذي يبدأ أولًا؟
عندما يركز الطرفان على تلبية هذه الحاجات الأساسية لبعضهما، تصبح الأسئلة الشكلية حول من يفعل ماذا أقل حدة. فبدلًا من أن تتحول العلاقة إلى معادلة حسابية تُقاس فيها المساهمات بدقة جامدة، تتحول إلى مشروع مشترك يقوم على التعاون والإنصاف. العدالة هنا لا تعني التطابق الحسابي، بل تعني أن يشعر كل طرف بأن جهده مرئي ومقدّر، وأن التزامه لا يُستغل ولا يُقابَل بالجحود.
إن السؤال: 'من الذي غيّر إعدادات الكون؟' لا يبحث عن متهم بقدر ما يدعو إلى مراجعة جماعية، لما يتم ممارسته في الأسر العربية، وما حصل من تغيير شامل، بعضه ممنهج ومتعمد، وصلت إليه الأسرة بعد محاولات عديدة ومتكررة، عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة، والدراما، والأغاني، والمسلسلات، والأفلام، والقصص، وغيرها.
التحولات الاقتصادية والتعليمية والثقافية واقع لا يمكن إنكاره، لكن القيم التي تضبط العلاقة يمكن إعادة صياغتها بوعي ونضج. الأدوار قابلة للتطوير، أما الأمان والاحترام فهما أساس لا غنى عنه. وحين يُعاد تعريف المسؤولية على أنها شرف لا عبء، ويُعاد تعريف القوة على أنها قدرة على العطاء لا على الهيمنة، يمكن للعلاقة بين الرجل والمرأة أن تستعيد توازنها؛ لا كصورة جامدة من الماضي، بل كنموذج أكثر وعيًا وعدلًا وإنسانية.
يبقى السؤال الأعمق: هل نحن أمام انهيار في المنظومة، أم أمام مرحلة انتقال لم تنضج بعد؟ فكل مجتمع يمر بمخاض حين تتغير بنيته الاقتصادية والتعليمية وتتبدل مصادر القوة فيه. غير أن الفارق بين التحول الصحي والتحول المربك يكمن في القدرة على إدارة التغيير أخلاقيًا ونفسيًا، لا مجرد الاستجابة له عمليًا.
إن جزءًا كبيرًا من الارتباك الحالي يعود إلى الخلط بين المساواة والتماثل. فالمساواة تعني العدالة في القيمة والكرامة والفرص، أما التماثل فيعني إلغاء الفروق الطبيعية والنفسية التي تشكل أساس التكامل. حين سعت المجتمعات إلى تحقيق العدالة للمرأة، وهو مسعى مشروع وضروري، انزلق الخطاب أحيانًا إلى إنكار الفروق بدلًا من تنظيمها. وفي المقابل، تمسك بعض الرجال بصورة جامدة عن الرجولة تقوم على الامتياز لا على المسؤولية، فشعروا أن أي تقدم للمرأة هو انتقاص منهم... يتبع في الجزء الثالث والأخير.
غياب الحوار الصريح يجعل كل طرف يفسّر سلوك الآخر وفق مخاوفه الخاصة، لا وفق نواياه الحقيقية؛ فيتحول المال من وسيلة استقرار إلى أداة صراع صامت داخل العلاقة. كثير من المشكلات الراهنة لا يمكن فهمها بعيدًا عن الجذور التربوية في مرحلة الطفولة. فالأسرة هي المدرسة الأولى التي يتشكل فيها مفهوم المسؤولية ومعنى الرجولة والأنوثة. الأم التي لم تعلّم ابنها تحمل المسؤولية، أو التي بالغت في تدليله وجعلته مركز الكون داخل البيت، قد تزرع فيه – من حيث لا تدري – شعورًا بالاستحقاق دون مقابل. يكبر وهو يرى أن الرعاية حق طبيعي له، لا واجبًا متبادلًا عليه. وفي المقابل، الأب الذي لم يقدم نموذجًا واضحًا للرجل المسؤول، يترك ابنه بلا مرجعية ذكورية متوازنة؛ فينشأ إما مترددًا يهرب من الالتزام، أو متشددًا يخلط بين المسؤولية والهيمنة.
والفتاة بدورها تتشكل رؤيتها من النموذج الذي تعيشه أمامها. فإذا رأت أمها تتحمل الأعباء مضاعفة دون تقدير أو مشاركة حقيقية، قد تنشأ رافضة للنموذج التقليدي بأكمله؛ لا لأنه باطل في جوهره، بل لأنه ارتبط في ذاكرتها بالظلم والاستنزاف. وهكذا تتكون مواقف دفاعية مبكرة تجاه الأدوار، مواقف لا تنبع من دراسة عقلانية، بل من تجارب عاطفية عميقة.
إلى جانب التربية، تلعب الجراح النفسية الناتجة عن العلاقات السابقة دورًا بالغ الأثر في تشكيل المواقف. الرجل الذي جُرح من قبل امرأة قريبة في حياته، سواء كانت أمًا ناقدة باستمرار، أو أختًا مستهزئة، أو علاقة عاطفية انتهت بخذلان، قد يحمل في داخله تعميمًا دفاعيًا يجعله يتعامل بحذر مفرط أو انسحاب مبكر. انسحابه من المسؤولية لا يكون دائمًا كسلًا، بل أحيانًا خوفًا من إعادة الألم.
والمرأة التي عاشت تجربة رأت فيها أمها أو نفسها تُستنزف دون تقدير، قد ترى في أي مطالبة بالتزام تقليدي محاولة لإعادتها إلى دائرة المعاناة ذاتها. وهكذا يتحول الماضي غير المعالج إلى عدسة مشوهة يُرى من خلالها الحاضر.
ومع كل تحول اجتماعي تظهر مساحة جديدة من الحرية، لكن الحرية إذا لم تُضبط بقيم واضحة قد تتحول إلى فوضى انتقائية. هناك بالفعل من الجنسين من يستغل هذا الانزياح في الأدوار لمصالح أنانية؛ نساء قد يرفعن شعار المساواة لتبرير التخلي عن أي مسؤولية أسرية أو عاطفية، ورجال قد يستخدمون خطاب التحرر ليتنصلوا من واجباتهم المادية والنفسية. المشكلة هنا ليست في المساواة ولا في التحرر، بل في أخذ الحقوق كاملة وترك الواجبات كاملة. هذا الاستغلال الانتقائي يجعل المشهد يبدو وكأن التحول كله سلبي، بينما في حقيقته كان يمكن أن يكون فرصة لإعادة توزيع عادل ومتوازن للمسؤوليات.
غير أن وراء كل هذه الأدوار الاجتماعية المتحركة تبقى حاجات إنسانية ثابتة لا تتغير بتغير الأزمنة. فالرجل والمرأة يشتركان في الحاجة إلى الأمان والحب والتقدير والاحترام والانتماء. حين يشعر الرجل بأنه مُقدَّر في جهده ومعترف بقيمته، يصبح أكثر استعدادًا لتحمل المسؤولية. وحين تشعر المرأة بأنها آمنة ومصونة ومحترمة، لا تجد نفسها مضطرة إلى التصلب أو المبالغة في الدفاع عن ذاتها. كثير من الصراعات الظاهرة حول توزيع المهام تخفي في جوهرها احتياجات عاطفية غير مُشبَعة. الرجل الذي يبدو متهربًا قد يكون في داخله باحثًا عن اعتراف بقيمته يتجاوز المال، والمرأة التي تبدو متشددة قد تكون في عمقها خائفة من الانكسار أو التهميش.
ويكثر بين الشركاء والأزواج السؤال: من الذي يبدأ أولًا؟
عندما يركز الطرفان على تلبية هذه الحاجات الأساسية لبعضهما، تصبح الأسئلة الشكلية حول من يفعل ماذا أقل حدة. فبدلًا من أن تتحول العلاقة إلى معادلة حسابية تُقاس فيها المساهمات بدقة جامدة، تتحول إلى مشروع مشترك يقوم على التعاون والإنصاف. العدالة هنا لا تعني التطابق الحسابي، بل تعني أن يشعر كل طرف بأن جهده مرئي ومقدّر، وأن التزامه لا يُستغل ولا يُقابَل بالجحود.
إن السؤال: 'من الذي غيّر إعدادات الكون؟' لا يبحث عن متهم بقدر ما يدعو إلى مراجعة جماعية، لما يتم ممارسته في الأسر العربية، وما حصل من تغيير شامل، بعضه ممنهج ومتعمد، وصلت إليه الأسرة بعد محاولات عديدة ومتكررة، عبر الإنترنت ووسائل التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام المختلفة، والدراما، والأغاني، والمسلسلات، والأفلام، والقصص، وغيرها.
التحولات الاقتصادية والتعليمية والثقافية واقع لا يمكن إنكاره، لكن القيم التي تضبط العلاقة يمكن إعادة صياغتها بوعي ونضج. الأدوار قابلة للتطوير، أما الأمان والاحترام فهما أساس لا غنى عنه. وحين يُعاد تعريف المسؤولية على أنها شرف لا عبء، ويُعاد تعريف القوة على أنها قدرة على العطاء لا على الهيمنة، يمكن للعلاقة بين الرجل والمرأة أن تستعيد توازنها؛ لا كصورة جامدة من الماضي، بل كنموذج أكثر وعيًا وعدلًا وإنسانية.
يبقى السؤال الأعمق: هل نحن أمام انهيار في المنظومة، أم أمام مرحلة انتقال لم تنضج بعد؟ فكل مجتمع يمر بمخاض حين تتغير بنيته الاقتصادية والتعليمية وتتبدل مصادر القوة فيه. غير أن الفارق بين التحول الصحي والتحول المربك يكمن في القدرة على إدارة التغيير أخلاقيًا ونفسيًا، لا مجرد الاستجابة له عمليًا.
إن جزءًا كبيرًا من الارتباك الحالي يعود إلى الخلط بين المساواة والتماثل. فالمساواة تعني العدالة في القيمة والكرامة والفرص، أما التماثل فيعني إلغاء الفروق الطبيعية والنفسية التي تشكل أساس التكامل. حين سعت المجتمعات إلى تحقيق العدالة للمرأة، وهو مسعى مشروع وضروري، انزلق الخطاب أحيانًا إلى إنكار الفروق بدلًا من تنظيمها. وفي المقابل، تمسك بعض الرجال بصورة جامدة عن الرجولة تقوم على الامتياز لا على المسؤولية، فشعروا أن أي تقدم للمرأة هو انتقاص منهم... يتبع في الجزء الثالث والأخير.
التعليقات
من الذي غيّر إعدادات الكون؟ .. الرجل والمرأة (2–3)
التعليقات