في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية والتكنيكية وتتراجع فيه مكانة الكتاب أمام سطوة الصورة والمنصات الرقمية وعالم الذكاء الاصطناعي، يصبح الحفاظ على الحدث الثقافي الحي تحديًا حقيقيًا، لا ينجح فيه إلا من يدرك أن الثقافة ليست نشاطًا موسميًا، بل بناءً طويل النفس، يتطلب رؤية وإدارة ووعيًا بدور المعرفة في تشكيل الوعي الجمعي. من هنا، لا يمكن قراءة أي دورة ناجحة من معرض القاهرة الدولي للكتاب بوصفها حدثًا منفصلًا، بل كحلقة في مشروع ثقافي أكبر، تتقاطع فيه الإدارة مع الفكر، والتنظيم مع الرسالة، والجمهور مع المستقبل.
معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين عام 2026 شكّل علامة فارقة في تاريخ الثقافة المصرية والعربية، حيث استقطب أكثر من 3.5 مليون زائر خلال أسبوعين، بمشاركة 1,457 دار نشر من 83 دولة، واحتضن ما يزيد على 800 فعالية ثقافية وفنية. خصص المعرض مساحة بلغت 8,000 متر مربع للأطفال، في خطوة غير مسبوقة تؤكد أهمية الاستثمار في الأجيال الجديدة، بينما شكّل الشباب نحو 80% من جمهوره، ما يعكس حيوية المشهد الثقافي وتجدده.
لم يعد معرض القاهرة الدولي للكتاب مجرد حدث مصري داخلي، بل تحوّل إلى منصة عربية ودولية للحوار الثقافي العابر للحدود. فمشاركة 83 دولة في دورته السابعة والخمسين لم تكن مجرد حضور شكلي، بل جسّدت تلاقيًا حقيقيًا بين تجارب فكرية وأدبية متنوعة، من المغرب والعراق ولبنان وصولًا إلى أميركا اللاتينية وآسيا. هذا التعدد جعل القاهرة مركزًا نابضًا للتبادل الثقافي، حيث تُناقش قضايا الهوية والحداثة والطفولة والرقمنة في فضاء واحد، وتُبنى جسور بين الناشرين والكتّاب والمبدعين من مختلف اللغات والثقافات. بهذا المعنى، أصبح المعرض ليس فقط مرآة للثقافة المصرية، بل رافعة للحوار العربي العربي والعربي العالمي، ومختبرًا حيًا لإعادة تعريف دور الكتاب في زمن العولمة والذكاء الاصطناعي.
في قلب هذا الإنجاز يقف الدكتور أحمد مصطفى مجاهد، الذي تولى قيادة المعرض في 2026 بعد أن كان قد أدار الهيئة المصرية العامة للكتاب بين عامي 2011 و2015. خلال تلك السنوات، وضع الأسس التي حوّلت المعرض من مجرد سوق للكتاب إلى منصة ثقافية شاملة، قادرة على الصمود أمام التحديات، ومستمرة في إرسال رسالة واضحة: الثقافة المصرية ليست حدثاً عابراً، بل مشروعاً حضارياً متجدداً.
وخلال الدورات التي تولّى فيها ادارة معرض القاهرة الدولي للكتاب في الفترة من 2011 إلى 2015، تميّزت التجربة بقدرة استثنائية على الحفاظ على استمرارية المعرض وصون هويته الثقافية في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ مصر الحديث. ففي وقت كانت فيه الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية تضع الفعل الثقافي كله موضع اختبار، لم يتحول المعرض إلى حدث رمزي أو باهت، بل حافظ على حجمه ومكانته الإقليمية والدولية، واستمر كمنصة فكرية حقيقية لا كسوق تجاري فقط. تميّزت تلك الدورات بتوازن واعٍ بين حرية التعبير والمسؤولية الثقافية، وبالحفاظ على ثقة دور النشر العربية والدولية، ودعم الناشرين والكتاب دون تحميلهم أعباء إضافية، إلى جانب احترام رمزية المعرض بوصفه أحد أعمدة القوة الناعمة المصرية. ويمكن القول إن تلك المرحلة مثّلت قيادة هدفها الصمود والحماية وضمان الاستمرارية، وهي الأرضية الصلبة التي أُسّس عليها لاحقًا مسار التطوير والابتكار في الدورات اللاحقة.
بين قيادته في الفترة من 2011 إلى 2015 وعودته في 2026 تتجلى رحلة نضج واضحة. في البداية كان تركيزه منصباً على الحفاظ على استمرارية المعرض في ظروف صعبة تلك الفترة، أما في العودة، فقد انتقل إلى مرحلة التطوير والابتكار. في الأمس كان الهم الأساسي هو تجاوز التحديات التنظيمية، بينما اليوم أصبح التركيز على صناعة محتوى ثقافي مؤثر يترك بصمة في المجتمع. هذا التميز في التنفيذ يتجلى في شمولية الرؤية التي لا تقتصر على الكتب وحدها، بل تشمل الفنون والحوار، وفي التوازن بين التراث والمعاصرة، وفي الواقعية التي تجعل الأحلام الثقافية قابلة للتحقيق، وفي الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة والكبيرة على حد سواء. لذلك كانت بصماته في كل دورة واضحة، ففي الدورات السابقة كان إنجازه الحفاظ على هيبة المعرض في وقت التحول، المعرض استمر سنويًا رغم ظروف سياسية وأمنية واقتصادية صعبة، ولم يتحول إلى نسخة باهتة أو رمزية، وحافظ على موعده، وحجمه، ومكانته الإقليمية.
ورغم ضخامة الإنجاز، يبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على هذا الزخم وتحويله إلى أثر ممتد على مدار العام.
وكوني مشاركة في هذه الدورة ، جاءت التجربة شاهدة على عمق هذا التحول الثقافي. شاركتُ في ندوة حول التعليم وثقافة الطفل، وأخرى تناولت توظيف الموروث الشعبي في أدب الطفل، حيث بدا واضحًا حجم التفاعل والوعي المتنامي بقضايا بناء الوجدان والمعرفة لدى الأجيال الجديدة. كما شهد المعرض توقيع أربع قصص جديدة لي مع دار المعارف المصرية قصة سكر، قصة شمس، قصة فيروزة، وقصة البطات الثلاث، إلى جانب صدور الطبعة السادسة من قصة أميرة البحيرة، ومواصلة تقديم سلسلة قصص آدم وندى وطائر العقاقير، وتصريح دخول. هذه المشاركة المتنوعة بين الندوة والنص الإبداعي عكست كيف يتحول المعرض إلى مساحة تفاعل حقيقية بين الفكر والتجربة، وبين الكاتب والقارئ، في مشهد يؤكد أن الثقافة حين تُمنح الفرصة، تستعيد دورها الطبيعي في تشكيل الوعي وبناء المستقبل.
كل دورة يقودها الدكتور مجاهد تذكرنا بأن الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة، وأن المعرض ليس سوقاً، بل منصة للإبداع والحوار وبناء المستقبل. تحية لرجل يجعل من الكتب جسوراً بين الأجيال، ومن الثقافة لغة تجمعنا جميعاً. دمتَ لقاهرة الكتب قائداً ملهماً، ولمصر الحضارة راعياً أميناً، وللأجيال القادمة مثالاً يُحتذى في التفاني والإبداع والتجديد المستمر.
في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية والتكنيكية وتتراجع فيه مكانة الكتاب أمام سطوة الصورة والمنصات الرقمية وعالم الذكاء الاصطناعي، يصبح الحفاظ على الحدث الثقافي الحي تحديًا حقيقيًا، لا ينجح فيه إلا من يدرك أن الثقافة ليست نشاطًا موسميًا، بل بناءً طويل النفس، يتطلب رؤية وإدارة ووعيًا بدور المعرفة في تشكيل الوعي الجمعي. من هنا، لا يمكن قراءة أي دورة ناجحة من معرض القاهرة الدولي للكتاب بوصفها حدثًا منفصلًا، بل كحلقة في مشروع ثقافي أكبر، تتقاطع فيه الإدارة مع الفكر، والتنظيم مع الرسالة، والجمهور مع المستقبل.
معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين عام 2026 شكّل علامة فارقة في تاريخ الثقافة المصرية والعربية، حيث استقطب أكثر من 3.5 مليون زائر خلال أسبوعين، بمشاركة 1,457 دار نشر من 83 دولة، واحتضن ما يزيد على 800 فعالية ثقافية وفنية. خصص المعرض مساحة بلغت 8,000 متر مربع للأطفال، في خطوة غير مسبوقة تؤكد أهمية الاستثمار في الأجيال الجديدة، بينما شكّل الشباب نحو 80% من جمهوره، ما يعكس حيوية المشهد الثقافي وتجدده.
لم يعد معرض القاهرة الدولي للكتاب مجرد حدث مصري داخلي، بل تحوّل إلى منصة عربية ودولية للحوار الثقافي العابر للحدود. فمشاركة 83 دولة في دورته السابعة والخمسين لم تكن مجرد حضور شكلي، بل جسّدت تلاقيًا حقيقيًا بين تجارب فكرية وأدبية متنوعة، من المغرب والعراق ولبنان وصولًا إلى أميركا اللاتينية وآسيا. هذا التعدد جعل القاهرة مركزًا نابضًا للتبادل الثقافي، حيث تُناقش قضايا الهوية والحداثة والطفولة والرقمنة في فضاء واحد، وتُبنى جسور بين الناشرين والكتّاب والمبدعين من مختلف اللغات والثقافات. بهذا المعنى، أصبح المعرض ليس فقط مرآة للثقافة المصرية، بل رافعة للحوار العربي العربي والعربي العالمي، ومختبرًا حيًا لإعادة تعريف دور الكتاب في زمن العولمة والذكاء الاصطناعي.
في قلب هذا الإنجاز يقف الدكتور أحمد مصطفى مجاهد، الذي تولى قيادة المعرض في 2026 بعد أن كان قد أدار الهيئة المصرية العامة للكتاب بين عامي 2011 و2015. خلال تلك السنوات، وضع الأسس التي حوّلت المعرض من مجرد سوق للكتاب إلى منصة ثقافية شاملة، قادرة على الصمود أمام التحديات، ومستمرة في إرسال رسالة واضحة: الثقافة المصرية ليست حدثاً عابراً، بل مشروعاً حضارياً متجدداً.
وخلال الدورات التي تولّى فيها ادارة معرض القاهرة الدولي للكتاب في الفترة من 2011 إلى 2015، تميّزت التجربة بقدرة استثنائية على الحفاظ على استمرارية المعرض وصون هويته الثقافية في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ مصر الحديث. ففي وقت كانت فيه الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية تضع الفعل الثقافي كله موضع اختبار، لم يتحول المعرض إلى حدث رمزي أو باهت، بل حافظ على حجمه ومكانته الإقليمية والدولية، واستمر كمنصة فكرية حقيقية لا كسوق تجاري فقط. تميّزت تلك الدورات بتوازن واعٍ بين حرية التعبير والمسؤولية الثقافية، وبالحفاظ على ثقة دور النشر العربية والدولية، ودعم الناشرين والكتاب دون تحميلهم أعباء إضافية، إلى جانب احترام رمزية المعرض بوصفه أحد أعمدة القوة الناعمة المصرية. ويمكن القول إن تلك المرحلة مثّلت قيادة هدفها الصمود والحماية وضمان الاستمرارية، وهي الأرضية الصلبة التي أُسّس عليها لاحقًا مسار التطوير والابتكار في الدورات اللاحقة.
بين قيادته في الفترة من 2011 إلى 2015 وعودته في 2026 تتجلى رحلة نضج واضحة. في البداية كان تركيزه منصباً على الحفاظ على استمرارية المعرض في ظروف صعبة تلك الفترة، أما في العودة، فقد انتقل إلى مرحلة التطوير والابتكار. في الأمس كان الهم الأساسي هو تجاوز التحديات التنظيمية، بينما اليوم أصبح التركيز على صناعة محتوى ثقافي مؤثر يترك بصمة في المجتمع. هذا التميز في التنفيذ يتجلى في شمولية الرؤية التي لا تقتصر على الكتب وحدها، بل تشمل الفنون والحوار، وفي التوازن بين التراث والمعاصرة، وفي الواقعية التي تجعل الأحلام الثقافية قابلة للتحقيق، وفي الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة والكبيرة على حد سواء. لذلك كانت بصماته في كل دورة واضحة، ففي الدورات السابقة كان إنجازه الحفاظ على هيبة المعرض في وقت التحول، المعرض استمر سنويًا رغم ظروف سياسية وأمنية واقتصادية صعبة، ولم يتحول إلى نسخة باهتة أو رمزية، وحافظ على موعده، وحجمه، ومكانته الإقليمية.
ورغم ضخامة الإنجاز، يبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على هذا الزخم وتحويله إلى أثر ممتد على مدار العام.
وكوني مشاركة في هذه الدورة ، جاءت التجربة شاهدة على عمق هذا التحول الثقافي. شاركتُ في ندوة حول التعليم وثقافة الطفل، وأخرى تناولت توظيف الموروث الشعبي في أدب الطفل، حيث بدا واضحًا حجم التفاعل والوعي المتنامي بقضايا بناء الوجدان والمعرفة لدى الأجيال الجديدة. كما شهد المعرض توقيع أربع قصص جديدة لي مع دار المعارف المصرية قصة سكر، قصة شمس، قصة فيروزة، وقصة البطات الثلاث، إلى جانب صدور الطبعة السادسة من قصة أميرة البحيرة، ومواصلة تقديم سلسلة قصص آدم وندى وطائر العقاقير، وتصريح دخول. هذه المشاركة المتنوعة بين الندوة والنص الإبداعي عكست كيف يتحول المعرض إلى مساحة تفاعل حقيقية بين الفكر والتجربة، وبين الكاتب والقارئ، في مشهد يؤكد أن الثقافة حين تُمنح الفرصة، تستعيد دورها الطبيعي في تشكيل الوعي وبناء المستقبل.
كل دورة يقودها الدكتور مجاهد تذكرنا بأن الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة، وأن المعرض ليس سوقاً، بل منصة للإبداع والحوار وبناء المستقبل. تحية لرجل يجعل من الكتب جسوراً بين الأجيال، ومن الثقافة لغة تجمعنا جميعاً. دمتَ لقاهرة الكتب قائداً ملهماً، ولمصر الحضارة راعياً أميناً، وللأجيال القادمة مثالاً يُحتذى في التفاني والإبداع والتجديد المستمر.
في زمن تتسارع فيه التحولات الثقافية والتكنيكية وتتراجع فيه مكانة الكتاب أمام سطوة الصورة والمنصات الرقمية وعالم الذكاء الاصطناعي، يصبح الحفاظ على الحدث الثقافي الحي تحديًا حقيقيًا، لا ينجح فيه إلا من يدرك أن الثقافة ليست نشاطًا موسميًا، بل بناءً طويل النفس، يتطلب رؤية وإدارة ووعيًا بدور المعرفة في تشكيل الوعي الجمعي. من هنا، لا يمكن قراءة أي دورة ناجحة من معرض القاهرة الدولي للكتاب بوصفها حدثًا منفصلًا، بل كحلقة في مشروع ثقافي أكبر، تتقاطع فيه الإدارة مع الفكر، والتنظيم مع الرسالة، والجمهور مع المستقبل.
معرض القاهرة الدولي للكتاب في دورته السابعة والخمسين عام 2026 شكّل علامة فارقة في تاريخ الثقافة المصرية والعربية، حيث استقطب أكثر من 3.5 مليون زائر خلال أسبوعين، بمشاركة 1,457 دار نشر من 83 دولة، واحتضن ما يزيد على 800 فعالية ثقافية وفنية. خصص المعرض مساحة بلغت 8,000 متر مربع للأطفال، في خطوة غير مسبوقة تؤكد أهمية الاستثمار في الأجيال الجديدة، بينما شكّل الشباب نحو 80% من جمهوره، ما يعكس حيوية المشهد الثقافي وتجدده.
لم يعد معرض القاهرة الدولي للكتاب مجرد حدث مصري داخلي، بل تحوّل إلى منصة عربية ودولية للحوار الثقافي العابر للحدود. فمشاركة 83 دولة في دورته السابعة والخمسين لم تكن مجرد حضور شكلي، بل جسّدت تلاقيًا حقيقيًا بين تجارب فكرية وأدبية متنوعة، من المغرب والعراق ولبنان وصولًا إلى أميركا اللاتينية وآسيا. هذا التعدد جعل القاهرة مركزًا نابضًا للتبادل الثقافي، حيث تُناقش قضايا الهوية والحداثة والطفولة والرقمنة في فضاء واحد، وتُبنى جسور بين الناشرين والكتّاب والمبدعين من مختلف اللغات والثقافات. بهذا المعنى، أصبح المعرض ليس فقط مرآة للثقافة المصرية، بل رافعة للحوار العربي العربي والعربي العالمي، ومختبرًا حيًا لإعادة تعريف دور الكتاب في زمن العولمة والذكاء الاصطناعي.
في قلب هذا الإنجاز يقف الدكتور أحمد مصطفى مجاهد، الذي تولى قيادة المعرض في 2026 بعد أن كان قد أدار الهيئة المصرية العامة للكتاب بين عامي 2011 و2015. خلال تلك السنوات، وضع الأسس التي حوّلت المعرض من مجرد سوق للكتاب إلى منصة ثقافية شاملة، قادرة على الصمود أمام التحديات، ومستمرة في إرسال رسالة واضحة: الثقافة المصرية ليست حدثاً عابراً، بل مشروعاً حضارياً متجدداً.
وخلال الدورات التي تولّى فيها ادارة معرض القاهرة الدولي للكتاب في الفترة من 2011 إلى 2015، تميّزت التجربة بقدرة استثنائية على الحفاظ على استمرارية المعرض وصون هويته الثقافية في واحدة من أكثر المراحل تعقيدًا في تاريخ مصر الحديث. ففي وقت كانت فيه الظروف السياسية والاقتصادية والأمنية تضع الفعل الثقافي كله موضع اختبار، لم يتحول المعرض إلى حدث رمزي أو باهت، بل حافظ على حجمه ومكانته الإقليمية والدولية، واستمر كمنصة فكرية حقيقية لا كسوق تجاري فقط. تميّزت تلك الدورات بتوازن واعٍ بين حرية التعبير والمسؤولية الثقافية، وبالحفاظ على ثقة دور النشر العربية والدولية، ودعم الناشرين والكتاب دون تحميلهم أعباء إضافية، إلى جانب احترام رمزية المعرض بوصفه أحد أعمدة القوة الناعمة المصرية. ويمكن القول إن تلك المرحلة مثّلت قيادة هدفها الصمود والحماية وضمان الاستمرارية، وهي الأرضية الصلبة التي أُسّس عليها لاحقًا مسار التطوير والابتكار في الدورات اللاحقة.
بين قيادته في الفترة من 2011 إلى 2015 وعودته في 2026 تتجلى رحلة نضج واضحة. في البداية كان تركيزه منصباً على الحفاظ على استمرارية المعرض في ظروف صعبة تلك الفترة، أما في العودة، فقد انتقل إلى مرحلة التطوير والابتكار. في الأمس كان الهم الأساسي هو تجاوز التحديات التنظيمية، بينما اليوم أصبح التركيز على صناعة محتوى ثقافي مؤثر يترك بصمة في المجتمع. هذا التميز في التنفيذ يتجلى في شمولية الرؤية التي لا تقتصر على الكتب وحدها، بل تشمل الفنون والحوار، وفي التوازن بين التراث والمعاصرة، وفي الواقعية التي تجعل الأحلام الثقافية قابلة للتحقيق، وفي الاهتمام بالتفاصيل الصغيرة والكبيرة على حد سواء. لذلك كانت بصماته في كل دورة واضحة، ففي الدورات السابقة كان إنجازه الحفاظ على هيبة المعرض في وقت التحول، المعرض استمر سنويًا رغم ظروف سياسية وأمنية واقتصادية صعبة، ولم يتحول إلى نسخة باهتة أو رمزية، وحافظ على موعده، وحجمه، ومكانته الإقليمية.
ورغم ضخامة الإنجاز، يبقى التحدي الحقيقي هو الحفاظ على هذا الزخم وتحويله إلى أثر ممتد على مدار العام.
وكوني مشاركة في هذه الدورة ، جاءت التجربة شاهدة على عمق هذا التحول الثقافي. شاركتُ في ندوة حول التعليم وثقافة الطفل، وأخرى تناولت توظيف الموروث الشعبي في أدب الطفل، حيث بدا واضحًا حجم التفاعل والوعي المتنامي بقضايا بناء الوجدان والمعرفة لدى الأجيال الجديدة. كما شهد المعرض توقيع أربع قصص جديدة لي مع دار المعارف المصرية قصة سكر، قصة شمس، قصة فيروزة، وقصة البطات الثلاث، إلى جانب صدور الطبعة السادسة من قصة أميرة البحيرة، ومواصلة تقديم سلسلة قصص آدم وندى وطائر العقاقير، وتصريح دخول. هذه المشاركة المتنوعة بين الندوة والنص الإبداعي عكست كيف يتحول المعرض إلى مساحة تفاعل حقيقية بين الفكر والتجربة، وبين الكاتب والقارئ، في مشهد يؤكد أن الثقافة حين تُمنح الفرصة، تستعيد دورها الطبيعي في تشكيل الوعي وبناء المستقبل.
كل دورة يقودها الدكتور مجاهد تذكرنا بأن الثقافة ليست ترفاً، بل ضرورة، وأن المعرض ليس سوقاً، بل منصة للإبداع والحوار وبناء المستقبل. تحية لرجل يجعل من الكتب جسوراً بين الأجيال، ومن الثقافة لغة تجمعنا جميعاً. دمتَ لقاهرة الكتب قائداً ملهماً، ولمصر الحضارة راعياً أميناً، وللأجيال القادمة مثالاً يُحتذى في التفاني والإبداع والتجديد المستمر.
التعليقات