عندما يتصاعد الصراع الأميركي–الإيراني، فإن أول ما يتأثر في دول المنطقة ليس السياسة فقط، بل المزاج الاقتصادي العام، وهذا المزاج ينعكس سريعاً على الاستثمار، خصوصاً في دولة مثل الأردن التي تقع جغرافياً في قلب الإقليم لكنها سياسياً خارج دائرة الاشتباك المباشر. هنا تحديداً تبدأ المفارقة: الأردن لا يدفع ثمن الصراع لأنه طرف فيه، بل لأنه قريب منه أكثر مما ينبغي، وبعيد عنه أكثر مما يسمح له بالتحكم بتداعياته.
المستثمر بطبيعته لا يقرأ العناوين بقدر ما يقرأ مستوى الضبابية. وكلما زادت احتمالات المواجهة بين واشنطن وطهران، ارتفعت كلفة التوقع، وتراجعت شهية المخاطرة. الأردن، رغم استقراره الداخلي، يُدرج تلقائياً في سلة 'المنطقة المتوترة'، لا لخلل في بيئته، بل بسبب الجغرافيا السياسية المحيطة به. هذا التصنيف غير العادل يضغط على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، خصوصاً في القطاعات طويلة الأجل التي تحتاج إلى أفق زمني واضح مثل الصناعة والطاقة والسياحة العلاجية.
هذا الواقع يخلق فجوة نفسية قبل أن تكون اقتصادية. المستثمر الأجنبي قد يعترف بكفاءة الإطار القانوني أو تحسن مؤشرات الحوكمة، لكنه في لحظة القرار النهائي يعود إلى سؤال واحد: ماذا لو توسع الصراع؟ هذا السؤال وحده كفيل بتجميد مشروع، أو تأجيل توسع، أو نقل استثمار إلى منطقة أبعد جغرافياً، وإن كانت أقل جدوى اقتصادياً. هنا يخسر الأردن ليس بسبب ضعف في مقوماته، بل بسبب عجزه عن التحكم في رواية الإقليم المحيط به.
في الوقت ذاته، لا يمكن اختزال الصورة بالجانب السلبي فقط. فالصراعات الكبرى تعيد توزيع الاستثمارات، ولا تلغيها بالكامل. رأس المال بطبيعته يبحث عن بدائل، وعندما تُغلق بعض الأبواب في وجهه، يبدأ بالبحث عن نوافذ أقل ضجيجاً. الأردن يمتلك، نظرياً، فرصة للعب هذا الدور، بوصفه دولة متوازنة، غير منخرطة في صراعات مفتوحة، وقادرة على تقديم بيئة تشغيل مستقرة مقارنة بجواره. لكن هذه الفرصة تبقى كامنة إذا لم تُترجم إلى خطاب اقتصادي واضح، وسياسات استثمارية جريئة، ورسائل مطمئنة قائمة على الأرقام لا على النوايا.
الأثر غير المباشر للصراع يظهر أيضاً في تفاصيل أكثر حساسية. اضطراب أسواق الطاقة، ارتفاع كلف الشحن والتأمين، تقلب سلاسل التوريد، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد الأردني وتنعكس مباشرة على حسابات المستثمر المحلي. ومع ارتفاع الكلف التشغيلية، يتحول كثير من المستثمرين إلى نمط الانتظار، وهو أخطر أنماط السلوك الاقتصادي، لأنه لا ينهار فجأة، بل يتآكل ببطء.
الأردن في هذه المرحلة لا يواجه أزمة استثمار بقدر ما يواجه اختبار ثقة. هل يستطيع إقناع المستثمر بأن استقراره ليس استثناءً مؤقتاً، بل خياراً طويل الأمد؟ هل يملك القدرة على الفصل بين صورته السياسية الهادئة وصورة الإقليم المشتعل من حوله؟ هذه الأسئلة لا تُجاب عبر المؤتمرات وحدها، بل عبر سياسات واضحة، وحوافز ذكية، وإشارات ثابتة بأن الدولة تدير المخاطر ولا تكتفي بالتعايش معها.
الخطورة الأكبر في الصراع الأميركي–الإيراني لا تكمن في احتمالات الانفجار فقط، بل في تحوله إلى حالة مزمنة. صراع طويل منخفض الوتيرة يخلق بيئة استثمارية متعبة، لا تخيف المستثمر فجأة، لكنها تستنزف حماسه تدريجياً. وفي مثل هذه البيئات، تتقدم الدول التي تعرف كيف تحوّل الحياد إلى قيمة اقتصادية، لا إلى موقف دفاعي.
الأردن ليس ضحية حتمية لتداعيات هذا الصراع، لكنه ليس محصناً منها أيضاً. الفارق بين الحالتين تصنعه القدرة على المبادرة، وعلى تحويل الموقع الجغرافي من عبء إلى ورقة توازن، ومن مصدر قلق إلى عنصر جذب. الاستثمار لا يبحث عن المثالية، بل عن الوضوح. وإذا نجح الأردن في تقديم نفسه كمساحة عقلانية في إقليم مضطرب، فقد لا يكون الصراع الأميركي–الإيراني سبباً لتراجع الاستثمار، بل دافعاً لإعادة رسم خريطته.
محامٍ وخبير قانوني
عندما يتصاعد الصراع الأميركي–الإيراني، فإن أول ما يتأثر في دول المنطقة ليس السياسة فقط، بل المزاج الاقتصادي العام، وهذا المزاج ينعكس سريعاً على الاستثمار، خصوصاً في دولة مثل الأردن التي تقع جغرافياً في قلب الإقليم لكنها سياسياً خارج دائرة الاشتباك المباشر. هنا تحديداً تبدأ المفارقة: الأردن لا يدفع ثمن الصراع لأنه طرف فيه، بل لأنه قريب منه أكثر مما ينبغي، وبعيد عنه أكثر مما يسمح له بالتحكم بتداعياته.
المستثمر بطبيعته لا يقرأ العناوين بقدر ما يقرأ مستوى الضبابية. وكلما زادت احتمالات المواجهة بين واشنطن وطهران، ارتفعت كلفة التوقع، وتراجعت شهية المخاطرة. الأردن، رغم استقراره الداخلي، يُدرج تلقائياً في سلة 'المنطقة المتوترة'، لا لخلل في بيئته، بل بسبب الجغرافيا السياسية المحيطة به. هذا التصنيف غير العادل يضغط على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، خصوصاً في القطاعات طويلة الأجل التي تحتاج إلى أفق زمني واضح مثل الصناعة والطاقة والسياحة العلاجية.
هذا الواقع يخلق فجوة نفسية قبل أن تكون اقتصادية. المستثمر الأجنبي قد يعترف بكفاءة الإطار القانوني أو تحسن مؤشرات الحوكمة، لكنه في لحظة القرار النهائي يعود إلى سؤال واحد: ماذا لو توسع الصراع؟ هذا السؤال وحده كفيل بتجميد مشروع، أو تأجيل توسع، أو نقل استثمار إلى منطقة أبعد جغرافياً، وإن كانت أقل جدوى اقتصادياً. هنا يخسر الأردن ليس بسبب ضعف في مقوماته، بل بسبب عجزه عن التحكم في رواية الإقليم المحيط به.
في الوقت ذاته، لا يمكن اختزال الصورة بالجانب السلبي فقط. فالصراعات الكبرى تعيد توزيع الاستثمارات، ولا تلغيها بالكامل. رأس المال بطبيعته يبحث عن بدائل، وعندما تُغلق بعض الأبواب في وجهه، يبدأ بالبحث عن نوافذ أقل ضجيجاً. الأردن يمتلك، نظرياً، فرصة للعب هذا الدور، بوصفه دولة متوازنة، غير منخرطة في صراعات مفتوحة، وقادرة على تقديم بيئة تشغيل مستقرة مقارنة بجواره. لكن هذه الفرصة تبقى كامنة إذا لم تُترجم إلى خطاب اقتصادي واضح، وسياسات استثمارية جريئة، ورسائل مطمئنة قائمة على الأرقام لا على النوايا.
الأثر غير المباشر للصراع يظهر أيضاً في تفاصيل أكثر حساسية. اضطراب أسواق الطاقة، ارتفاع كلف الشحن والتأمين، تقلب سلاسل التوريد، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد الأردني وتنعكس مباشرة على حسابات المستثمر المحلي. ومع ارتفاع الكلف التشغيلية، يتحول كثير من المستثمرين إلى نمط الانتظار، وهو أخطر أنماط السلوك الاقتصادي، لأنه لا ينهار فجأة، بل يتآكل ببطء.
الأردن في هذه المرحلة لا يواجه أزمة استثمار بقدر ما يواجه اختبار ثقة. هل يستطيع إقناع المستثمر بأن استقراره ليس استثناءً مؤقتاً، بل خياراً طويل الأمد؟ هل يملك القدرة على الفصل بين صورته السياسية الهادئة وصورة الإقليم المشتعل من حوله؟ هذه الأسئلة لا تُجاب عبر المؤتمرات وحدها، بل عبر سياسات واضحة، وحوافز ذكية، وإشارات ثابتة بأن الدولة تدير المخاطر ولا تكتفي بالتعايش معها.
الخطورة الأكبر في الصراع الأميركي–الإيراني لا تكمن في احتمالات الانفجار فقط، بل في تحوله إلى حالة مزمنة. صراع طويل منخفض الوتيرة يخلق بيئة استثمارية متعبة، لا تخيف المستثمر فجأة، لكنها تستنزف حماسه تدريجياً. وفي مثل هذه البيئات، تتقدم الدول التي تعرف كيف تحوّل الحياد إلى قيمة اقتصادية، لا إلى موقف دفاعي.
الأردن ليس ضحية حتمية لتداعيات هذا الصراع، لكنه ليس محصناً منها أيضاً. الفارق بين الحالتين تصنعه القدرة على المبادرة، وعلى تحويل الموقع الجغرافي من عبء إلى ورقة توازن، ومن مصدر قلق إلى عنصر جذب. الاستثمار لا يبحث عن المثالية، بل عن الوضوح. وإذا نجح الأردن في تقديم نفسه كمساحة عقلانية في إقليم مضطرب، فقد لا يكون الصراع الأميركي–الإيراني سبباً لتراجع الاستثمار، بل دافعاً لإعادة رسم خريطته.
محامٍ وخبير قانوني
عندما يتصاعد الصراع الأميركي–الإيراني، فإن أول ما يتأثر في دول المنطقة ليس السياسة فقط، بل المزاج الاقتصادي العام، وهذا المزاج ينعكس سريعاً على الاستثمار، خصوصاً في دولة مثل الأردن التي تقع جغرافياً في قلب الإقليم لكنها سياسياً خارج دائرة الاشتباك المباشر. هنا تحديداً تبدأ المفارقة: الأردن لا يدفع ثمن الصراع لأنه طرف فيه، بل لأنه قريب منه أكثر مما ينبغي، وبعيد عنه أكثر مما يسمح له بالتحكم بتداعياته.
المستثمر بطبيعته لا يقرأ العناوين بقدر ما يقرأ مستوى الضبابية. وكلما زادت احتمالات المواجهة بين واشنطن وطهران، ارتفعت كلفة التوقع، وتراجعت شهية المخاطرة. الأردن، رغم استقراره الداخلي، يُدرج تلقائياً في سلة 'المنطقة المتوترة'، لا لخلل في بيئته، بل بسبب الجغرافيا السياسية المحيطة به. هذا التصنيف غير العادل يضغط على تدفقات الاستثمار الأجنبي المباشر، خصوصاً في القطاعات طويلة الأجل التي تحتاج إلى أفق زمني واضح مثل الصناعة والطاقة والسياحة العلاجية.
هذا الواقع يخلق فجوة نفسية قبل أن تكون اقتصادية. المستثمر الأجنبي قد يعترف بكفاءة الإطار القانوني أو تحسن مؤشرات الحوكمة، لكنه في لحظة القرار النهائي يعود إلى سؤال واحد: ماذا لو توسع الصراع؟ هذا السؤال وحده كفيل بتجميد مشروع، أو تأجيل توسع، أو نقل استثمار إلى منطقة أبعد جغرافياً، وإن كانت أقل جدوى اقتصادياً. هنا يخسر الأردن ليس بسبب ضعف في مقوماته، بل بسبب عجزه عن التحكم في رواية الإقليم المحيط به.
في الوقت ذاته، لا يمكن اختزال الصورة بالجانب السلبي فقط. فالصراعات الكبرى تعيد توزيع الاستثمارات، ولا تلغيها بالكامل. رأس المال بطبيعته يبحث عن بدائل، وعندما تُغلق بعض الأبواب في وجهه، يبدأ بالبحث عن نوافذ أقل ضجيجاً. الأردن يمتلك، نظرياً، فرصة للعب هذا الدور، بوصفه دولة متوازنة، غير منخرطة في صراعات مفتوحة، وقادرة على تقديم بيئة تشغيل مستقرة مقارنة بجواره. لكن هذه الفرصة تبقى كامنة إذا لم تُترجم إلى خطاب اقتصادي واضح، وسياسات استثمارية جريئة، ورسائل مطمئنة قائمة على الأرقام لا على النوايا.
الأثر غير المباشر للصراع يظهر أيضاً في تفاصيل أكثر حساسية. اضطراب أسواق الطاقة، ارتفاع كلف الشحن والتأمين، تقلب سلاسل التوريد، كلها عوامل تضغط على الاقتصاد الأردني وتنعكس مباشرة على حسابات المستثمر المحلي. ومع ارتفاع الكلف التشغيلية، يتحول كثير من المستثمرين إلى نمط الانتظار، وهو أخطر أنماط السلوك الاقتصادي، لأنه لا ينهار فجأة، بل يتآكل ببطء.
الأردن في هذه المرحلة لا يواجه أزمة استثمار بقدر ما يواجه اختبار ثقة. هل يستطيع إقناع المستثمر بأن استقراره ليس استثناءً مؤقتاً، بل خياراً طويل الأمد؟ هل يملك القدرة على الفصل بين صورته السياسية الهادئة وصورة الإقليم المشتعل من حوله؟ هذه الأسئلة لا تُجاب عبر المؤتمرات وحدها، بل عبر سياسات واضحة، وحوافز ذكية، وإشارات ثابتة بأن الدولة تدير المخاطر ولا تكتفي بالتعايش معها.
الخطورة الأكبر في الصراع الأميركي–الإيراني لا تكمن في احتمالات الانفجار فقط، بل في تحوله إلى حالة مزمنة. صراع طويل منخفض الوتيرة يخلق بيئة استثمارية متعبة، لا تخيف المستثمر فجأة، لكنها تستنزف حماسه تدريجياً. وفي مثل هذه البيئات، تتقدم الدول التي تعرف كيف تحوّل الحياد إلى قيمة اقتصادية، لا إلى موقف دفاعي.
الأردن ليس ضحية حتمية لتداعيات هذا الصراع، لكنه ليس محصناً منها أيضاً. الفارق بين الحالتين تصنعه القدرة على المبادرة، وعلى تحويل الموقع الجغرافي من عبء إلى ورقة توازن، ومن مصدر قلق إلى عنصر جذب. الاستثمار لا يبحث عن المثالية، بل عن الوضوح. وإذا نجح الأردن في تقديم نفسه كمساحة عقلانية في إقليم مضطرب، فقد لا يكون الصراع الأميركي–الإيراني سبباً لتراجع الاستثمار، بل دافعاً لإعادة رسم خريطته.
محامٍ وخبير قانوني
التعليقات
قراءة في أثر الصراع الأميركي–الإيراني على الاستثمار الأردني
التعليقات