لقضية بطالة الشباب في الأردن أبعاد أعمق بكثير من اختزالها بعجز سوق العمل، فقد باتت تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الظرف الاقتصادي وحده، فبالنسبة للكثير من الشباب أصبحت تداعيات ازمة هذه البطالة جزءاً من واقع الحياة نفسه، حيث يتأخر الاستقلال المادي، ويتأجل تأسيس الأسرة، ويتنامى شعورٌ بأن أي جهد يبذل لا يقود بالضرورة إلى فرصة حقيقية، فهذا الامتداد الزمني للبطالة، وما يرافقه من آثار اجتماعية ونفسية، يشير إلى أن المشكلة لم تعد مرتبطة بتقلبات مؤقتة لسوق العمل، بل بطبيعة العلاقة القائمة بين الافراد وكامل مرافق منظومة المجتمع ابتداء من التعليم الأساسي وانتهاء بمجالات وفرص العمل.
في تفسير هذا الواقع، يُشار عادةً إلى جزء من بطالة الشباب في الأردن بوصفه بطالة هيكلية؛ أي تلك التي تنشأ عندما لا تتطابق مخرجات التعليم والتدريب مع ما يحتاجه سوق العمل فعلياً، وغالباً ما يُتعامل مع هذا النوع من البطالة على أنه مسألة تقنية تتعلق بالمناهج، ونوعية التدريب، وقدرته على تلبية متطلبات الوظائف المتاحة، غير أن هذا الفهم، على أهميته، يظلّ ناقصاً إذا لم يُؤخذ بعين الاعتبار كيف تتحول هذه المعرفة المتوفرة إلى قرارات توظيف وتدريب فعلية.
من هذا المنطلق، جاءت فكرة المجالس القطاعية للمهارات بوصفها محاولة لمعالجة جانب محدد من البطالة الهيكلية، لا عبر خلق فرص عمل مباشرة، بل من خلال تحسين العلاقة بين ما يُنتج من مهارات وما يطلبه سوق العمل، وهي أداة يُعمل بها في الأردن، كما في دول عديدة حول العالم انطلاقاً من الفكرة نفسها، وعليه تم اشراك مجموعات من أصحاب العمل في كل قطاع لصياغة تصور أوضح حول المهارات المطلوبة فعلياً، ثم نقل هذا التصور إلى مؤسسات التعليم والتدريب بهدف تقليص الفجوة بين التأهيل والاحتياج، فهذه المجالس لا تعالج البطالة بمعناها الواسع، ولا تتدخل في قرارات التوظيف نفسها، وإنما تركز على جانب المواءمة والمعرفة اللازمة لطبيعة العمل بوصفه مدخلاً لمعالجة الخلل الهيكلي.
بعد هذا المستوى من التشخيص، تبرز مشكلة من نوع مختلف لا تتعلق بالمواءمة بحد ذاتها، بل بالدافعية، فحتى عندما تتضح المهارات المطلوبة، لا يكون لدى اغلبية الأطراف الحافز الكافي للتصرف على هذا الأساس، فأصحاب العمل يترددون في التوظيف أو التدريب والتأهيل للعمال عندما يكون هناك كلفة إضافية مباشرة وواضحة، بينما يبقى العائد من التوظيف غير مضمون أو مؤجلاً، وفي المقابل يتعامل كثير من الباحثين عن عمل بحذر مع مسارات تأهيل لا يرون مردودها بوضوح، وهكذا تنشأ حالة من الترقب المتبادل، حيث ينتظر كل طرف خطوة من الآخر قبل أن يغير قراره المتعلق باختياره وتقبله لذلك.
تفسّر نظريات الدافعية هذا السلوك بطريقة مباشرة، فعندما يكون الجهد المطلوب فورياً ومكلفاً، بينما تبقى النتائج غير مضمونة، تميل الأفراد والمؤسسات إلى تجنب التجربة والتمسك بالمسارات التقليدية والمألوفة، فالقرارات التي تنطوي على احتمال الخسارة تُقابَل بحذر أكبر من تلك التي تضمن استقراراً نسبياً، حتى وإن كانت أقل فاعلية على المدى الطويل، ولا يعكس هذا السلوك نقصاً في الوعي أو الرغبة في التطوير، بل استجابة طبيعية لبيئة لا تكافئ المحاولة ولا تخفف كلفة الخطأ، ومع تكرار هذا النمط، يصبح التردد قاعدة عامة، حتى في مواجهة مسارات تأهيل واعداد تبدو منطقية ومقنعة على الورق.
هنا تحديداً يمكن للمجالس القطاعية للمهارات أن تلعب دوراً أعمق من مجرد تحديد الاحتياجات، من دون المساس بمصالح أصحاب العمل، فبدلاً من فرض التزامات إضافية، تستطيع هذه المجالس التأثير في سلوك الشركات عندما تجعل التوظيف والتدريب أقل مخاطرة وأكثر وضوحاً، ويمكن أن ينعكس ذلك في سياسات تُبنى على عمل المجالس، مثل جعل المهارات المعتمدة عاملاً واضحاً في قرارات التوظيف، أو ربط التدريب بحوافز ملموسة، أو تقاسم كلفة التدريب بين أكثر من طرف، ففي هذه الحالات، لا يُطلب من أصحاب العمل أن يتصرفوا ضد مصلحتهم، بل يُعاد ترتيب البيئة بحيث يصبح الاستثمار في المهارات خياراً منطقياً ومفيداً.
بهذا الفهم، لا تعود البطالة الهيكلية مسألة تقنية فقط، ولا مشكلة تعليم أو تدريب فحسب، بل نتيجة تفاعل بين البنية الثقافية والدافعية المهنية معاً، وتبقى المجالس القطاعية للمهارات جزءاً مهماً من هذا المسار، ليس لأنها تحل المشكلة وحدها، بل لأنها توفر الإطار الذي يمكن من خلاله تصميم سياسات تراعي السلوك البشري، وتحوّل المواءمة من فكرة على الورق إلى ممارسة ممكنة على أرض الواقع.
لقضية بطالة الشباب في الأردن أبعاد أعمق بكثير من اختزالها بعجز سوق العمل، فقد باتت تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الظرف الاقتصادي وحده، فبالنسبة للكثير من الشباب أصبحت تداعيات ازمة هذه البطالة جزءاً من واقع الحياة نفسه، حيث يتأخر الاستقلال المادي، ويتأجل تأسيس الأسرة، ويتنامى شعورٌ بأن أي جهد يبذل لا يقود بالضرورة إلى فرصة حقيقية، فهذا الامتداد الزمني للبطالة، وما يرافقه من آثار اجتماعية ونفسية، يشير إلى أن المشكلة لم تعد مرتبطة بتقلبات مؤقتة لسوق العمل، بل بطبيعة العلاقة القائمة بين الافراد وكامل مرافق منظومة المجتمع ابتداء من التعليم الأساسي وانتهاء بمجالات وفرص العمل.
في تفسير هذا الواقع، يُشار عادةً إلى جزء من بطالة الشباب في الأردن بوصفه بطالة هيكلية؛ أي تلك التي تنشأ عندما لا تتطابق مخرجات التعليم والتدريب مع ما يحتاجه سوق العمل فعلياً، وغالباً ما يُتعامل مع هذا النوع من البطالة على أنه مسألة تقنية تتعلق بالمناهج، ونوعية التدريب، وقدرته على تلبية متطلبات الوظائف المتاحة، غير أن هذا الفهم، على أهميته، يظلّ ناقصاً إذا لم يُؤخذ بعين الاعتبار كيف تتحول هذه المعرفة المتوفرة إلى قرارات توظيف وتدريب فعلية.
من هذا المنطلق، جاءت فكرة المجالس القطاعية للمهارات بوصفها محاولة لمعالجة جانب محدد من البطالة الهيكلية، لا عبر خلق فرص عمل مباشرة، بل من خلال تحسين العلاقة بين ما يُنتج من مهارات وما يطلبه سوق العمل، وهي أداة يُعمل بها في الأردن، كما في دول عديدة حول العالم انطلاقاً من الفكرة نفسها، وعليه تم اشراك مجموعات من أصحاب العمل في كل قطاع لصياغة تصور أوضح حول المهارات المطلوبة فعلياً، ثم نقل هذا التصور إلى مؤسسات التعليم والتدريب بهدف تقليص الفجوة بين التأهيل والاحتياج، فهذه المجالس لا تعالج البطالة بمعناها الواسع، ولا تتدخل في قرارات التوظيف نفسها، وإنما تركز على جانب المواءمة والمعرفة اللازمة لطبيعة العمل بوصفه مدخلاً لمعالجة الخلل الهيكلي.
بعد هذا المستوى من التشخيص، تبرز مشكلة من نوع مختلف لا تتعلق بالمواءمة بحد ذاتها، بل بالدافعية، فحتى عندما تتضح المهارات المطلوبة، لا يكون لدى اغلبية الأطراف الحافز الكافي للتصرف على هذا الأساس، فأصحاب العمل يترددون في التوظيف أو التدريب والتأهيل للعمال عندما يكون هناك كلفة إضافية مباشرة وواضحة، بينما يبقى العائد من التوظيف غير مضمون أو مؤجلاً، وفي المقابل يتعامل كثير من الباحثين عن عمل بحذر مع مسارات تأهيل لا يرون مردودها بوضوح، وهكذا تنشأ حالة من الترقب المتبادل، حيث ينتظر كل طرف خطوة من الآخر قبل أن يغير قراره المتعلق باختياره وتقبله لذلك.
تفسّر نظريات الدافعية هذا السلوك بطريقة مباشرة، فعندما يكون الجهد المطلوب فورياً ومكلفاً، بينما تبقى النتائج غير مضمونة، تميل الأفراد والمؤسسات إلى تجنب التجربة والتمسك بالمسارات التقليدية والمألوفة، فالقرارات التي تنطوي على احتمال الخسارة تُقابَل بحذر أكبر من تلك التي تضمن استقراراً نسبياً، حتى وإن كانت أقل فاعلية على المدى الطويل، ولا يعكس هذا السلوك نقصاً في الوعي أو الرغبة في التطوير، بل استجابة طبيعية لبيئة لا تكافئ المحاولة ولا تخفف كلفة الخطأ، ومع تكرار هذا النمط، يصبح التردد قاعدة عامة، حتى في مواجهة مسارات تأهيل واعداد تبدو منطقية ومقنعة على الورق.
هنا تحديداً يمكن للمجالس القطاعية للمهارات أن تلعب دوراً أعمق من مجرد تحديد الاحتياجات، من دون المساس بمصالح أصحاب العمل، فبدلاً من فرض التزامات إضافية، تستطيع هذه المجالس التأثير في سلوك الشركات عندما تجعل التوظيف والتدريب أقل مخاطرة وأكثر وضوحاً، ويمكن أن ينعكس ذلك في سياسات تُبنى على عمل المجالس، مثل جعل المهارات المعتمدة عاملاً واضحاً في قرارات التوظيف، أو ربط التدريب بحوافز ملموسة، أو تقاسم كلفة التدريب بين أكثر من طرف، ففي هذه الحالات، لا يُطلب من أصحاب العمل أن يتصرفوا ضد مصلحتهم، بل يُعاد ترتيب البيئة بحيث يصبح الاستثمار في المهارات خياراً منطقياً ومفيداً.
بهذا الفهم، لا تعود البطالة الهيكلية مسألة تقنية فقط، ولا مشكلة تعليم أو تدريب فحسب، بل نتيجة تفاعل بين البنية الثقافية والدافعية المهنية معاً، وتبقى المجالس القطاعية للمهارات جزءاً مهماً من هذا المسار، ليس لأنها تحل المشكلة وحدها، بل لأنها توفر الإطار الذي يمكن من خلاله تصميم سياسات تراعي السلوك البشري، وتحوّل المواءمة من فكرة على الورق إلى ممارسة ممكنة على أرض الواقع.
لقضية بطالة الشباب في الأردن أبعاد أعمق بكثير من اختزالها بعجز سوق العمل، فقد باتت تمتد آثارها إلى ما هو أبعد من الظرف الاقتصادي وحده، فبالنسبة للكثير من الشباب أصبحت تداعيات ازمة هذه البطالة جزءاً من واقع الحياة نفسه، حيث يتأخر الاستقلال المادي، ويتأجل تأسيس الأسرة، ويتنامى شعورٌ بأن أي جهد يبذل لا يقود بالضرورة إلى فرصة حقيقية، فهذا الامتداد الزمني للبطالة، وما يرافقه من آثار اجتماعية ونفسية، يشير إلى أن المشكلة لم تعد مرتبطة بتقلبات مؤقتة لسوق العمل، بل بطبيعة العلاقة القائمة بين الافراد وكامل مرافق منظومة المجتمع ابتداء من التعليم الأساسي وانتهاء بمجالات وفرص العمل.
في تفسير هذا الواقع، يُشار عادةً إلى جزء من بطالة الشباب في الأردن بوصفه بطالة هيكلية؛ أي تلك التي تنشأ عندما لا تتطابق مخرجات التعليم والتدريب مع ما يحتاجه سوق العمل فعلياً، وغالباً ما يُتعامل مع هذا النوع من البطالة على أنه مسألة تقنية تتعلق بالمناهج، ونوعية التدريب، وقدرته على تلبية متطلبات الوظائف المتاحة، غير أن هذا الفهم، على أهميته، يظلّ ناقصاً إذا لم يُؤخذ بعين الاعتبار كيف تتحول هذه المعرفة المتوفرة إلى قرارات توظيف وتدريب فعلية.
من هذا المنطلق، جاءت فكرة المجالس القطاعية للمهارات بوصفها محاولة لمعالجة جانب محدد من البطالة الهيكلية، لا عبر خلق فرص عمل مباشرة، بل من خلال تحسين العلاقة بين ما يُنتج من مهارات وما يطلبه سوق العمل، وهي أداة يُعمل بها في الأردن، كما في دول عديدة حول العالم انطلاقاً من الفكرة نفسها، وعليه تم اشراك مجموعات من أصحاب العمل في كل قطاع لصياغة تصور أوضح حول المهارات المطلوبة فعلياً، ثم نقل هذا التصور إلى مؤسسات التعليم والتدريب بهدف تقليص الفجوة بين التأهيل والاحتياج، فهذه المجالس لا تعالج البطالة بمعناها الواسع، ولا تتدخل في قرارات التوظيف نفسها، وإنما تركز على جانب المواءمة والمعرفة اللازمة لطبيعة العمل بوصفه مدخلاً لمعالجة الخلل الهيكلي.
بعد هذا المستوى من التشخيص، تبرز مشكلة من نوع مختلف لا تتعلق بالمواءمة بحد ذاتها، بل بالدافعية، فحتى عندما تتضح المهارات المطلوبة، لا يكون لدى اغلبية الأطراف الحافز الكافي للتصرف على هذا الأساس، فأصحاب العمل يترددون في التوظيف أو التدريب والتأهيل للعمال عندما يكون هناك كلفة إضافية مباشرة وواضحة، بينما يبقى العائد من التوظيف غير مضمون أو مؤجلاً، وفي المقابل يتعامل كثير من الباحثين عن عمل بحذر مع مسارات تأهيل لا يرون مردودها بوضوح، وهكذا تنشأ حالة من الترقب المتبادل، حيث ينتظر كل طرف خطوة من الآخر قبل أن يغير قراره المتعلق باختياره وتقبله لذلك.
تفسّر نظريات الدافعية هذا السلوك بطريقة مباشرة، فعندما يكون الجهد المطلوب فورياً ومكلفاً، بينما تبقى النتائج غير مضمونة، تميل الأفراد والمؤسسات إلى تجنب التجربة والتمسك بالمسارات التقليدية والمألوفة، فالقرارات التي تنطوي على احتمال الخسارة تُقابَل بحذر أكبر من تلك التي تضمن استقراراً نسبياً، حتى وإن كانت أقل فاعلية على المدى الطويل، ولا يعكس هذا السلوك نقصاً في الوعي أو الرغبة في التطوير، بل استجابة طبيعية لبيئة لا تكافئ المحاولة ولا تخفف كلفة الخطأ، ومع تكرار هذا النمط، يصبح التردد قاعدة عامة، حتى في مواجهة مسارات تأهيل واعداد تبدو منطقية ومقنعة على الورق.
هنا تحديداً يمكن للمجالس القطاعية للمهارات أن تلعب دوراً أعمق من مجرد تحديد الاحتياجات، من دون المساس بمصالح أصحاب العمل، فبدلاً من فرض التزامات إضافية، تستطيع هذه المجالس التأثير في سلوك الشركات عندما تجعل التوظيف والتدريب أقل مخاطرة وأكثر وضوحاً، ويمكن أن ينعكس ذلك في سياسات تُبنى على عمل المجالس، مثل جعل المهارات المعتمدة عاملاً واضحاً في قرارات التوظيف، أو ربط التدريب بحوافز ملموسة، أو تقاسم كلفة التدريب بين أكثر من طرف، ففي هذه الحالات، لا يُطلب من أصحاب العمل أن يتصرفوا ضد مصلحتهم، بل يُعاد ترتيب البيئة بحيث يصبح الاستثمار في المهارات خياراً منطقياً ومفيداً.
بهذا الفهم، لا تعود البطالة الهيكلية مسألة تقنية فقط، ولا مشكلة تعليم أو تدريب فحسب، بل نتيجة تفاعل بين البنية الثقافية والدافعية المهنية معاً، وتبقى المجالس القطاعية للمهارات جزءاً مهماً من هذا المسار، ليس لأنها تحل المشكلة وحدها، بل لأنها توفر الإطار الذي يمكن من خلاله تصميم سياسات تراعي السلوك البشري، وتحوّل المواءمة من فكرة على الورق إلى ممارسة ممكنة على أرض الواقع.
التعليقات
من المواءمة إلى الدافعية: ما الذي يلزم لمعالجة البطالة الهيكلية؟
التعليقات