يُعدّ انجراف التربة من أخطر الظواهر البيئية الصامتة التي لا يلتفت إليها الناس إلا حين تهطل الأمطار بغزارة، فتتحول مياه الأودية والسيول والشوارع إلى لون بني أو أحمر قانٍ، كأن الأرض تنزف ما في باطنها. هذا التغيّر في لون المياه ليس مجرد مشهد عابر، بل دليل مباشر على فقدان التربة السطحية، التي هي أغنى طبقات الأرض بالمواد العضوية والعناصر الغذائية الضرورية للحياة النباتية والزراعية والحيوانية.
عندما تسقط الأمطار الخفيفة، تمتص التربة الماء تدريجيًا، ويُعاد تغذية المخزون الجوفي دون أضرار تُذكر. أما في حالات الهطول الكثيف والمفاجئ، خاصة في الارض الخالية من الغطاء النباتي، فإن قدرة التربة على الامتصاص تتجاوز حدّها، فتبدأ مياه الجريان السطحي بحمل دقائق التربة معها، خصوصًا في المناطق المنحدرة أو المكشوفة من الغطاء النباتي. عندها يظهر لون المياه بنيًا إذا كانت التربة طينية أو غرينية، أو مائلًا إلى الحمرة إذا كانت غنية بأكاسيد الحديد، أو مائلا الى اللون الجيري في الأرض الكلسية، كما في كثير من مناطق المرتفعات الجافة وشبه الجافة.
إن أخطر ما في انجراف التربة أنه يسرق من الأرض أثمن ما فيها دون ضجيج. فالطبقة السطحية التي تتآكل هي التي تحتضن الجذور، وتحفظ الرطوبة، وتختزن الكائنات الدقيقة المسؤولة عن خصوبة التربة. ومع تكرار مواسم الانجراف، تصبح الأرض أفقر وأقسى، وتفقد قدرتها على الإنتاج الزراعي، ما ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي واستدامة الريف واستقرار درجات الحرارة.
ولا يقتصر أثر انجراف التربة على اليابسة وحدها، بل يمتد إلى المجاري المائية والسدود. فالتربة المنجرفة تترسب في قيعان الأودية والخزانات المائية، فتقل سعتها التخزينية، وتزداد احتمالات الفيضانات، كما تتدهور جودة المياه بسبب ارتفاع العكورة والمواد العالقة. وهكذا تتحول الأمطار، التي يفترض أن تكون نعمة، إلى عامل يضاعف الأضرار البيئية والاقتصادية.
تتعدد أسباب تفاقم هذه الظاهرة، لكن أبرزها إزالة الغطاء النباتي بفعل الرعي الجائر أو التوسع العمراني غير المنظم، وحراثة الأراضي باتجاه الانحدار، إضافة إلى آثار التغير المناخي الذي زاد من حدة الأمطار القصيرة والعنيفة. كما أن إهمال المصاطب الزراعية التقليدية، التي كانت تشكل خط دفاع طبيعي ضد الانجراف، ساهم في كشف التربة أمام قوة الماء. كذلك غياب الغابات التي كانت جذورها تعمل على تماسك جزيئات التربة واحتضانها.
معالجة انجراف التربة ليست مسألة تقنية فحسب، بل خيار حضاري طويل الأمد. أولى خطوات المعالجة تكمن في إعادة الغطاء النباتي، سواء عبر التشجير الملائم للبيئة المحلية أو حماية المراعي من الاستنزاف. فالجذور تمسك التربة، وتخفف سرعة جريان المياه، وتزيد من قدرة الأرض على الامتصاص.
ومن الضروري مطالبة الابنية قيد الانشاء بعمل آبار خاصة لتجميع مياه الأمطار من السطح، بذلك يخف الضغط على محطات التنقية بفعل ربط المرازيب مع شبكة مجاري الصرف الصحي، وفي الوقت نفسه يمكن تجميع مياه لتخدم غسيل السيارات والممرات الخارجية وري المزروعات.
ومن الحلول الفعالة أيضًا إنشاء المصاطب الزراعية في المناطق الجبلية، وحراثة الأرض بشكل أفقي مع خطوط الكنتور، ما يقلل سرعة اندفاع المياه. كما تُعد الحواجز الحجرية والسدود الترابية الصغيرة داخل الأودية من الوسائل الناجعة لإبطاء زخم السيول وترسيب التربة بدل فقدانها.
كذلك يمكن اعتماد الزراعة المحافظة التي تقلل من تقليب التربة وتُبقي بقايا المحاصيل على سطح الأرض لحمايتها من ضربات المطر المباشرة. ولا يقل أهمية عن ذلك رفع الوعي البيئي لدى المزارعين وصناع القرار، فالتربة مورد غير متجدد على مقياس عمر الإنسان، وفقدانها يعني فقدان أساس الاستقرار البشري نفسه.
وطالما وزير البلديات قد اتخذ موقفا حازما من المسألة، فإننا نطلب منه تحميل البلديات مسؤولية زراعة جوانب الطرق الرئيسية، المنحدرة منها بخاصة، وتسويرها على حساب أصحابها كما كانت تفعل أمانة عمان فيما مضى، والتي يعود لها الفضل اليوم في التخفيف من إغلاق الشوارع بالاتربة.
في النهاية، لون المياه البنية أو الحمراء في الأودية ليس ظاهرة طبيعية بريئة، بل رسالة إنذار واضحة: الأرض تفقد جلدها الحي، وإذا لم نُحسن حمايتها اليوم، سنواجه غدًا أرضًا أكثر فقرًا، وماءً أقل، ومستقبلًا أكثر هشاشة.
يُعدّ انجراف التربة من أخطر الظواهر البيئية الصامتة التي لا يلتفت إليها الناس إلا حين تهطل الأمطار بغزارة، فتتحول مياه الأودية والسيول والشوارع إلى لون بني أو أحمر قانٍ، كأن الأرض تنزف ما في باطنها. هذا التغيّر في لون المياه ليس مجرد مشهد عابر، بل دليل مباشر على فقدان التربة السطحية، التي هي أغنى طبقات الأرض بالمواد العضوية والعناصر الغذائية الضرورية للحياة النباتية والزراعية والحيوانية.
عندما تسقط الأمطار الخفيفة، تمتص التربة الماء تدريجيًا، ويُعاد تغذية المخزون الجوفي دون أضرار تُذكر. أما في حالات الهطول الكثيف والمفاجئ، خاصة في الارض الخالية من الغطاء النباتي، فإن قدرة التربة على الامتصاص تتجاوز حدّها، فتبدأ مياه الجريان السطحي بحمل دقائق التربة معها، خصوصًا في المناطق المنحدرة أو المكشوفة من الغطاء النباتي. عندها يظهر لون المياه بنيًا إذا كانت التربة طينية أو غرينية، أو مائلًا إلى الحمرة إذا كانت غنية بأكاسيد الحديد، أو مائلا الى اللون الجيري في الأرض الكلسية، كما في كثير من مناطق المرتفعات الجافة وشبه الجافة.
إن أخطر ما في انجراف التربة أنه يسرق من الأرض أثمن ما فيها دون ضجيج. فالطبقة السطحية التي تتآكل هي التي تحتضن الجذور، وتحفظ الرطوبة، وتختزن الكائنات الدقيقة المسؤولة عن خصوبة التربة. ومع تكرار مواسم الانجراف، تصبح الأرض أفقر وأقسى، وتفقد قدرتها على الإنتاج الزراعي، ما ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي واستدامة الريف واستقرار درجات الحرارة.
ولا يقتصر أثر انجراف التربة على اليابسة وحدها، بل يمتد إلى المجاري المائية والسدود. فالتربة المنجرفة تترسب في قيعان الأودية والخزانات المائية، فتقل سعتها التخزينية، وتزداد احتمالات الفيضانات، كما تتدهور جودة المياه بسبب ارتفاع العكورة والمواد العالقة. وهكذا تتحول الأمطار، التي يفترض أن تكون نعمة، إلى عامل يضاعف الأضرار البيئية والاقتصادية.
تتعدد أسباب تفاقم هذه الظاهرة، لكن أبرزها إزالة الغطاء النباتي بفعل الرعي الجائر أو التوسع العمراني غير المنظم، وحراثة الأراضي باتجاه الانحدار، إضافة إلى آثار التغير المناخي الذي زاد من حدة الأمطار القصيرة والعنيفة. كما أن إهمال المصاطب الزراعية التقليدية، التي كانت تشكل خط دفاع طبيعي ضد الانجراف، ساهم في كشف التربة أمام قوة الماء. كذلك غياب الغابات التي كانت جذورها تعمل على تماسك جزيئات التربة واحتضانها.
معالجة انجراف التربة ليست مسألة تقنية فحسب، بل خيار حضاري طويل الأمد. أولى خطوات المعالجة تكمن في إعادة الغطاء النباتي، سواء عبر التشجير الملائم للبيئة المحلية أو حماية المراعي من الاستنزاف. فالجذور تمسك التربة، وتخفف سرعة جريان المياه، وتزيد من قدرة الأرض على الامتصاص.
ومن الضروري مطالبة الابنية قيد الانشاء بعمل آبار خاصة لتجميع مياه الأمطار من السطح، بذلك يخف الضغط على محطات التنقية بفعل ربط المرازيب مع شبكة مجاري الصرف الصحي، وفي الوقت نفسه يمكن تجميع مياه لتخدم غسيل السيارات والممرات الخارجية وري المزروعات.
ومن الحلول الفعالة أيضًا إنشاء المصاطب الزراعية في المناطق الجبلية، وحراثة الأرض بشكل أفقي مع خطوط الكنتور، ما يقلل سرعة اندفاع المياه. كما تُعد الحواجز الحجرية والسدود الترابية الصغيرة داخل الأودية من الوسائل الناجعة لإبطاء زخم السيول وترسيب التربة بدل فقدانها.
كذلك يمكن اعتماد الزراعة المحافظة التي تقلل من تقليب التربة وتُبقي بقايا المحاصيل على سطح الأرض لحمايتها من ضربات المطر المباشرة. ولا يقل أهمية عن ذلك رفع الوعي البيئي لدى المزارعين وصناع القرار، فالتربة مورد غير متجدد على مقياس عمر الإنسان، وفقدانها يعني فقدان أساس الاستقرار البشري نفسه.
وطالما وزير البلديات قد اتخذ موقفا حازما من المسألة، فإننا نطلب منه تحميل البلديات مسؤولية زراعة جوانب الطرق الرئيسية، المنحدرة منها بخاصة، وتسويرها على حساب أصحابها كما كانت تفعل أمانة عمان فيما مضى، والتي يعود لها الفضل اليوم في التخفيف من إغلاق الشوارع بالاتربة.
في النهاية، لون المياه البنية أو الحمراء في الأودية ليس ظاهرة طبيعية بريئة، بل رسالة إنذار واضحة: الأرض تفقد جلدها الحي، وإذا لم نُحسن حمايتها اليوم، سنواجه غدًا أرضًا أكثر فقرًا، وماءً أقل، ومستقبلًا أكثر هشاشة.
يُعدّ انجراف التربة من أخطر الظواهر البيئية الصامتة التي لا يلتفت إليها الناس إلا حين تهطل الأمطار بغزارة، فتتحول مياه الأودية والسيول والشوارع إلى لون بني أو أحمر قانٍ، كأن الأرض تنزف ما في باطنها. هذا التغيّر في لون المياه ليس مجرد مشهد عابر، بل دليل مباشر على فقدان التربة السطحية، التي هي أغنى طبقات الأرض بالمواد العضوية والعناصر الغذائية الضرورية للحياة النباتية والزراعية والحيوانية.
عندما تسقط الأمطار الخفيفة، تمتص التربة الماء تدريجيًا، ويُعاد تغذية المخزون الجوفي دون أضرار تُذكر. أما في حالات الهطول الكثيف والمفاجئ، خاصة في الارض الخالية من الغطاء النباتي، فإن قدرة التربة على الامتصاص تتجاوز حدّها، فتبدأ مياه الجريان السطحي بحمل دقائق التربة معها، خصوصًا في المناطق المنحدرة أو المكشوفة من الغطاء النباتي. عندها يظهر لون المياه بنيًا إذا كانت التربة طينية أو غرينية، أو مائلًا إلى الحمرة إذا كانت غنية بأكاسيد الحديد، أو مائلا الى اللون الجيري في الأرض الكلسية، كما في كثير من مناطق المرتفعات الجافة وشبه الجافة.
إن أخطر ما في انجراف التربة أنه يسرق من الأرض أثمن ما فيها دون ضجيج. فالطبقة السطحية التي تتآكل هي التي تحتضن الجذور، وتحفظ الرطوبة، وتختزن الكائنات الدقيقة المسؤولة عن خصوبة التربة. ومع تكرار مواسم الانجراف، تصبح الأرض أفقر وأقسى، وتفقد قدرتها على الإنتاج الزراعي، ما ينعكس مباشرة على الأمن الغذائي واستدامة الريف واستقرار درجات الحرارة.
ولا يقتصر أثر انجراف التربة على اليابسة وحدها، بل يمتد إلى المجاري المائية والسدود. فالتربة المنجرفة تترسب في قيعان الأودية والخزانات المائية، فتقل سعتها التخزينية، وتزداد احتمالات الفيضانات، كما تتدهور جودة المياه بسبب ارتفاع العكورة والمواد العالقة. وهكذا تتحول الأمطار، التي يفترض أن تكون نعمة، إلى عامل يضاعف الأضرار البيئية والاقتصادية.
تتعدد أسباب تفاقم هذه الظاهرة، لكن أبرزها إزالة الغطاء النباتي بفعل الرعي الجائر أو التوسع العمراني غير المنظم، وحراثة الأراضي باتجاه الانحدار، إضافة إلى آثار التغير المناخي الذي زاد من حدة الأمطار القصيرة والعنيفة. كما أن إهمال المصاطب الزراعية التقليدية، التي كانت تشكل خط دفاع طبيعي ضد الانجراف، ساهم في كشف التربة أمام قوة الماء. كذلك غياب الغابات التي كانت جذورها تعمل على تماسك جزيئات التربة واحتضانها.
معالجة انجراف التربة ليست مسألة تقنية فحسب، بل خيار حضاري طويل الأمد. أولى خطوات المعالجة تكمن في إعادة الغطاء النباتي، سواء عبر التشجير الملائم للبيئة المحلية أو حماية المراعي من الاستنزاف. فالجذور تمسك التربة، وتخفف سرعة جريان المياه، وتزيد من قدرة الأرض على الامتصاص.
ومن الضروري مطالبة الابنية قيد الانشاء بعمل آبار خاصة لتجميع مياه الأمطار من السطح، بذلك يخف الضغط على محطات التنقية بفعل ربط المرازيب مع شبكة مجاري الصرف الصحي، وفي الوقت نفسه يمكن تجميع مياه لتخدم غسيل السيارات والممرات الخارجية وري المزروعات.
ومن الحلول الفعالة أيضًا إنشاء المصاطب الزراعية في المناطق الجبلية، وحراثة الأرض بشكل أفقي مع خطوط الكنتور، ما يقلل سرعة اندفاع المياه. كما تُعد الحواجز الحجرية والسدود الترابية الصغيرة داخل الأودية من الوسائل الناجعة لإبطاء زخم السيول وترسيب التربة بدل فقدانها.
كذلك يمكن اعتماد الزراعة المحافظة التي تقلل من تقليب التربة وتُبقي بقايا المحاصيل على سطح الأرض لحمايتها من ضربات المطر المباشرة. ولا يقل أهمية عن ذلك رفع الوعي البيئي لدى المزارعين وصناع القرار، فالتربة مورد غير متجدد على مقياس عمر الإنسان، وفقدانها يعني فقدان أساس الاستقرار البشري نفسه.
وطالما وزير البلديات قد اتخذ موقفا حازما من المسألة، فإننا نطلب منه تحميل البلديات مسؤولية زراعة جوانب الطرق الرئيسية، المنحدرة منها بخاصة، وتسويرها على حساب أصحابها كما كانت تفعل أمانة عمان فيما مضى، والتي يعود لها الفضل اليوم في التخفيف من إغلاق الشوارع بالاتربة.
في النهاية، لون المياه البنية أو الحمراء في الأودية ليس ظاهرة طبيعية بريئة، بل رسالة إنذار واضحة: الأرض تفقد جلدها الحي، وإذا لم نُحسن حمايتها اليوم، سنواجه غدًا أرضًا أكثر فقرًا، وماءً أقل، ومستقبلًا أكثر هشاشة.
التعليقات