ينتظر الكثيرون من ذوي الدخل المتدني التحويل النقدي الشهري من صندوق المعونة الوطني حيث تُبنى عليه قرارات تسديد كلف الإيجار والدواء ومدارس الأطفال، فبالنسبة لآلاف الأسر الأردنية لم يعد الدعم الذي يقدمه صندوق المعونة الوطنية مجرد هامش أمان إضافي، بل أصبح الفاصل بين الاستمرارية والاضطراب، إذ تُدار الحياة اليومية على أساسه حين يتذبذب الدخل أو يتعثر العمل، وهو ما يفسر مكانة البرنامج واهمية استمراره في تفاصيل معيشة الكثير من الاردنيين.
ومع تراكم السنوات، لم يعد هذا الدعم استجابة ظرفية لحالة ضيق، بل تحوّل تدريجيًا إلى ركيزة في منظومة الامان الاجتماعي في الأردن، فصندوق المعونة الوطنية بات نموذجًا اقتصاديًا اجتماعيًا قائمًا بحد ذاته، يحدد الأسر الأشد حاجة، ويوفر دعمًا نقديًا مباشرًا، ويخلق حدًا أدنى من الاستقرار في اقتصاد تغلب عليه الهشاشة وعدم اليقين، وبهذا الدور لا يخفف الفقر المدقع فحسب، بل يساهم في استقرار الاستهلاك وامتصاص الصدمات التي كان من الممكن أن تتحول إلى توتر اجتماعي أوسع، وهي نتائج ملموسة تفسر اتساع البرنامج وترسّخ قبوله مجتمعيًا.
غير أن قوة هذا النموذج تكشف في الوقت نفسه عن حدوده، فالتحويلات النقدية تنجح في الحماية من السقوط في فخ الفقر المدقع، لكنها كثيرًا ما تتوقف عند هذا الحد، فحينما تصبح المعونة أكثر عناصر الدخل استقرارًا داخل الأسرة، تبدأ القرارات بالتمحور حول الحفاظ عليها، فيُعاد النظر في خيارات التدريب العملي، أو العمل المؤقت، أو الوظائف منخفضة الأجر من زاوية المخاطر التي قد تحملها، وإذا كان ثمن محاولة البعض للسعي لإيجاد مصدر إضافي للدخل هو فقدان الدعم ولو مؤقتًا، يصبح الحذر خيارًا اكثر قبولا'، فيتحقق الاستقرار الجزئي المحدود للمستفيدين من هذه المساعدات، لكن تتباطأ حركة النمو الاقتصادي.
ولا يعكس هذا السلوك ضعفًا في الرغبة أو غيابًا للجهد، بقدر ما يعكس طريقة تفاعل الناس مع المخاطر، ففي اقتصاد تتسم فيه الأجور بالانخفاض والعمل بعدم الاستقرار، قد تبدو المعونة المضمونة أكثر أمانًا من دخل غير مؤكد، وحين تتعامل شروط الاستحقاق بحدّة مع تغيّرات بسيطة في الدخل، يصبح التحسن هشًا، وتتعلّم الأسر، مع مرور الوقت، أن البقاء ضمن دائرة الاستفادة أقل كلفة من التجربة، وهنا يبدأ نظام صُمم لمنع الفقر، دون قصد، بتأخير الخروج منه.
وتزداد الصورة وضوحًا عند النظر إلى طبيعة الدخول الفعلي إلى سوق العمل، فهذه الخطوة نادرًا ما تكون سهلة أو سريعة، وغالبًا ما تمر بمحاولات غير مكتملة، وعقود قصيرة، وفترات دخل متدنٍ، وعندما تُسحب المعونة مع أول تحسن مؤقت، تصبح هذه المراحل مكلفة، أما حين تستمر خلال المحاولات الأولى، تتمكن الأسر من امتصاص الإخفاق والاستمرار، والفارق هنا ليس نظريًا، بل عمليًا تمامًا، هل يتحمل النظام جزءًا من مخاطر الانتقال، أم تُترك بالكامل على عاتق الأفراد.
وقد برز هذا المنطق بوضوح في التجربة الفنلندية، حيث استمر الدعم النقدي بغض النظر عن نتائج العمل قصيرة الأجل، ولم يؤدِ ذلك إلى انسحاب المشاركين من سوق العمل، بل على العكس، زادت قابليتهم لقبول وظائف مؤقتة، وتجربة أشكال جديدة من العمل، والتعامل بمرونة أكبر دون خوف من فقدان فوري للأمان، وتكمن أهمية هذه التجربة لا في حجمها أو اختلاف سياقها، بل في دلالتها البسيطة، حين لا يكون الأمان مهددًا، يصبح التعامل مع العمل أكثر عقلانية وجراءة.
وفي السياق الأردني، يقود هذا الفهم إلى تعديلات عملية أكثر مما يقود إلى أطر جديدة، إذ يمكن للمساعدات النقدية أن تستمر أثناء التحاق المستفيدين ببرامج التدريب أو دخولهم أعمالًا منخفضة الأجر أو غير مستقرة، على أن تتراجع تدريجيًا مع استقرار الدخل بدل التوقف المفاجئ، كما يمكن اعتماد فترات انتقال محددة تتيح للأسر اختبار فرص العمل دون عقوبة فورية، وهي خيارات تصميمية تبني على ما هو قائم، ولا تتطلب توسعًا في النظام بقدر ما تتطلب دقة في استخدامه.
بهذا المعنى، لا تكون المساعدات النقدية بديلاً عن العمل، ولا محطة نهائية عندها يتوقف المسار، بل جسرًا يعبر فوق عدم اليقين، فقيمتها الاقتصادية الحقيقية لا تكمن فقط في منع السقوط، بل في تمكين الناس من المحاولة، والفشل، والتعديل، دون العودة إلى نقطة الصفر، وحين يشارك الدعم في تحمّل مخاطر التغيير، يتوقف عن تثبيت الناس في أماكنهم، ويبدأ، بهدوء، في مساعدتهم على التقدم.
ينتظر الكثيرون من ذوي الدخل المتدني التحويل النقدي الشهري من صندوق المعونة الوطني حيث تُبنى عليه قرارات تسديد كلف الإيجار والدواء ومدارس الأطفال، فبالنسبة لآلاف الأسر الأردنية لم يعد الدعم الذي يقدمه صندوق المعونة الوطنية مجرد هامش أمان إضافي، بل أصبح الفاصل بين الاستمرارية والاضطراب، إذ تُدار الحياة اليومية على أساسه حين يتذبذب الدخل أو يتعثر العمل، وهو ما يفسر مكانة البرنامج واهمية استمراره في تفاصيل معيشة الكثير من الاردنيين.
ومع تراكم السنوات، لم يعد هذا الدعم استجابة ظرفية لحالة ضيق، بل تحوّل تدريجيًا إلى ركيزة في منظومة الامان الاجتماعي في الأردن، فصندوق المعونة الوطنية بات نموذجًا اقتصاديًا اجتماعيًا قائمًا بحد ذاته، يحدد الأسر الأشد حاجة، ويوفر دعمًا نقديًا مباشرًا، ويخلق حدًا أدنى من الاستقرار في اقتصاد تغلب عليه الهشاشة وعدم اليقين، وبهذا الدور لا يخفف الفقر المدقع فحسب، بل يساهم في استقرار الاستهلاك وامتصاص الصدمات التي كان من الممكن أن تتحول إلى توتر اجتماعي أوسع، وهي نتائج ملموسة تفسر اتساع البرنامج وترسّخ قبوله مجتمعيًا.
غير أن قوة هذا النموذج تكشف في الوقت نفسه عن حدوده، فالتحويلات النقدية تنجح في الحماية من السقوط في فخ الفقر المدقع، لكنها كثيرًا ما تتوقف عند هذا الحد، فحينما تصبح المعونة أكثر عناصر الدخل استقرارًا داخل الأسرة، تبدأ القرارات بالتمحور حول الحفاظ عليها، فيُعاد النظر في خيارات التدريب العملي، أو العمل المؤقت، أو الوظائف منخفضة الأجر من زاوية المخاطر التي قد تحملها، وإذا كان ثمن محاولة البعض للسعي لإيجاد مصدر إضافي للدخل هو فقدان الدعم ولو مؤقتًا، يصبح الحذر خيارًا اكثر قبولا'، فيتحقق الاستقرار الجزئي المحدود للمستفيدين من هذه المساعدات، لكن تتباطأ حركة النمو الاقتصادي.
ولا يعكس هذا السلوك ضعفًا في الرغبة أو غيابًا للجهد، بقدر ما يعكس طريقة تفاعل الناس مع المخاطر، ففي اقتصاد تتسم فيه الأجور بالانخفاض والعمل بعدم الاستقرار، قد تبدو المعونة المضمونة أكثر أمانًا من دخل غير مؤكد، وحين تتعامل شروط الاستحقاق بحدّة مع تغيّرات بسيطة في الدخل، يصبح التحسن هشًا، وتتعلّم الأسر، مع مرور الوقت، أن البقاء ضمن دائرة الاستفادة أقل كلفة من التجربة، وهنا يبدأ نظام صُمم لمنع الفقر، دون قصد، بتأخير الخروج منه.
وتزداد الصورة وضوحًا عند النظر إلى طبيعة الدخول الفعلي إلى سوق العمل، فهذه الخطوة نادرًا ما تكون سهلة أو سريعة، وغالبًا ما تمر بمحاولات غير مكتملة، وعقود قصيرة، وفترات دخل متدنٍ، وعندما تُسحب المعونة مع أول تحسن مؤقت، تصبح هذه المراحل مكلفة، أما حين تستمر خلال المحاولات الأولى، تتمكن الأسر من امتصاص الإخفاق والاستمرار، والفارق هنا ليس نظريًا، بل عمليًا تمامًا، هل يتحمل النظام جزءًا من مخاطر الانتقال، أم تُترك بالكامل على عاتق الأفراد.
وقد برز هذا المنطق بوضوح في التجربة الفنلندية، حيث استمر الدعم النقدي بغض النظر عن نتائج العمل قصيرة الأجل، ولم يؤدِ ذلك إلى انسحاب المشاركين من سوق العمل، بل على العكس، زادت قابليتهم لقبول وظائف مؤقتة، وتجربة أشكال جديدة من العمل، والتعامل بمرونة أكبر دون خوف من فقدان فوري للأمان، وتكمن أهمية هذه التجربة لا في حجمها أو اختلاف سياقها، بل في دلالتها البسيطة، حين لا يكون الأمان مهددًا، يصبح التعامل مع العمل أكثر عقلانية وجراءة.
وفي السياق الأردني، يقود هذا الفهم إلى تعديلات عملية أكثر مما يقود إلى أطر جديدة، إذ يمكن للمساعدات النقدية أن تستمر أثناء التحاق المستفيدين ببرامج التدريب أو دخولهم أعمالًا منخفضة الأجر أو غير مستقرة، على أن تتراجع تدريجيًا مع استقرار الدخل بدل التوقف المفاجئ، كما يمكن اعتماد فترات انتقال محددة تتيح للأسر اختبار فرص العمل دون عقوبة فورية، وهي خيارات تصميمية تبني على ما هو قائم، ولا تتطلب توسعًا في النظام بقدر ما تتطلب دقة في استخدامه.
بهذا المعنى، لا تكون المساعدات النقدية بديلاً عن العمل، ولا محطة نهائية عندها يتوقف المسار، بل جسرًا يعبر فوق عدم اليقين، فقيمتها الاقتصادية الحقيقية لا تكمن فقط في منع السقوط، بل في تمكين الناس من المحاولة، والفشل، والتعديل، دون العودة إلى نقطة الصفر، وحين يشارك الدعم في تحمّل مخاطر التغيير، يتوقف عن تثبيت الناس في أماكنهم، ويبدأ، بهدوء، في مساعدتهم على التقدم.
ينتظر الكثيرون من ذوي الدخل المتدني التحويل النقدي الشهري من صندوق المعونة الوطني حيث تُبنى عليه قرارات تسديد كلف الإيجار والدواء ومدارس الأطفال، فبالنسبة لآلاف الأسر الأردنية لم يعد الدعم الذي يقدمه صندوق المعونة الوطنية مجرد هامش أمان إضافي، بل أصبح الفاصل بين الاستمرارية والاضطراب، إذ تُدار الحياة اليومية على أساسه حين يتذبذب الدخل أو يتعثر العمل، وهو ما يفسر مكانة البرنامج واهمية استمراره في تفاصيل معيشة الكثير من الاردنيين.
ومع تراكم السنوات، لم يعد هذا الدعم استجابة ظرفية لحالة ضيق، بل تحوّل تدريجيًا إلى ركيزة في منظومة الامان الاجتماعي في الأردن، فصندوق المعونة الوطنية بات نموذجًا اقتصاديًا اجتماعيًا قائمًا بحد ذاته، يحدد الأسر الأشد حاجة، ويوفر دعمًا نقديًا مباشرًا، ويخلق حدًا أدنى من الاستقرار في اقتصاد تغلب عليه الهشاشة وعدم اليقين، وبهذا الدور لا يخفف الفقر المدقع فحسب، بل يساهم في استقرار الاستهلاك وامتصاص الصدمات التي كان من الممكن أن تتحول إلى توتر اجتماعي أوسع، وهي نتائج ملموسة تفسر اتساع البرنامج وترسّخ قبوله مجتمعيًا.
غير أن قوة هذا النموذج تكشف في الوقت نفسه عن حدوده، فالتحويلات النقدية تنجح في الحماية من السقوط في فخ الفقر المدقع، لكنها كثيرًا ما تتوقف عند هذا الحد، فحينما تصبح المعونة أكثر عناصر الدخل استقرارًا داخل الأسرة، تبدأ القرارات بالتمحور حول الحفاظ عليها، فيُعاد النظر في خيارات التدريب العملي، أو العمل المؤقت، أو الوظائف منخفضة الأجر من زاوية المخاطر التي قد تحملها، وإذا كان ثمن محاولة البعض للسعي لإيجاد مصدر إضافي للدخل هو فقدان الدعم ولو مؤقتًا، يصبح الحذر خيارًا اكثر قبولا'، فيتحقق الاستقرار الجزئي المحدود للمستفيدين من هذه المساعدات، لكن تتباطأ حركة النمو الاقتصادي.
ولا يعكس هذا السلوك ضعفًا في الرغبة أو غيابًا للجهد، بقدر ما يعكس طريقة تفاعل الناس مع المخاطر، ففي اقتصاد تتسم فيه الأجور بالانخفاض والعمل بعدم الاستقرار، قد تبدو المعونة المضمونة أكثر أمانًا من دخل غير مؤكد، وحين تتعامل شروط الاستحقاق بحدّة مع تغيّرات بسيطة في الدخل، يصبح التحسن هشًا، وتتعلّم الأسر، مع مرور الوقت، أن البقاء ضمن دائرة الاستفادة أقل كلفة من التجربة، وهنا يبدأ نظام صُمم لمنع الفقر، دون قصد، بتأخير الخروج منه.
وتزداد الصورة وضوحًا عند النظر إلى طبيعة الدخول الفعلي إلى سوق العمل، فهذه الخطوة نادرًا ما تكون سهلة أو سريعة، وغالبًا ما تمر بمحاولات غير مكتملة، وعقود قصيرة، وفترات دخل متدنٍ، وعندما تُسحب المعونة مع أول تحسن مؤقت، تصبح هذه المراحل مكلفة، أما حين تستمر خلال المحاولات الأولى، تتمكن الأسر من امتصاص الإخفاق والاستمرار، والفارق هنا ليس نظريًا، بل عمليًا تمامًا، هل يتحمل النظام جزءًا من مخاطر الانتقال، أم تُترك بالكامل على عاتق الأفراد.
وقد برز هذا المنطق بوضوح في التجربة الفنلندية، حيث استمر الدعم النقدي بغض النظر عن نتائج العمل قصيرة الأجل، ولم يؤدِ ذلك إلى انسحاب المشاركين من سوق العمل، بل على العكس، زادت قابليتهم لقبول وظائف مؤقتة، وتجربة أشكال جديدة من العمل، والتعامل بمرونة أكبر دون خوف من فقدان فوري للأمان، وتكمن أهمية هذه التجربة لا في حجمها أو اختلاف سياقها، بل في دلالتها البسيطة، حين لا يكون الأمان مهددًا، يصبح التعامل مع العمل أكثر عقلانية وجراءة.
وفي السياق الأردني، يقود هذا الفهم إلى تعديلات عملية أكثر مما يقود إلى أطر جديدة، إذ يمكن للمساعدات النقدية أن تستمر أثناء التحاق المستفيدين ببرامج التدريب أو دخولهم أعمالًا منخفضة الأجر أو غير مستقرة، على أن تتراجع تدريجيًا مع استقرار الدخل بدل التوقف المفاجئ، كما يمكن اعتماد فترات انتقال محددة تتيح للأسر اختبار فرص العمل دون عقوبة فورية، وهي خيارات تصميمية تبني على ما هو قائم، ولا تتطلب توسعًا في النظام بقدر ما تتطلب دقة في استخدامه.
بهذا المعنى، لا تكون المساعدات النقدية بديلاً عن العمل، ولا محطة نهائية عندها يتوقف المسار، بل جسرًا يعبر فوق عدم اليقين، فقيمتها الاقتصادية الحقيقية لا تكمن فقط في منع السقوط، بل في تمكين الناس من المحاولة، والفشل، والتعديل، دون العودة إلى نقطة الصفر، وحين يشارك الدعم في تحمّل مخاطر التغيير، يتوقف عن تثبيت الناس في أماكنهم، ويبدأ، بهدوء، في مساعدتهم على التقدم.
التعليقات
مساعدات صندوق المعونة … تجسير ممكن للأمان الاقتصادي
التعليقات