العالم

كيف تتحول إسرائيل إلى دولة بلا خيار للسلام؟

كيف تتحول إسرائيل إلى دولة بلا خيار للسلام؟

للعلّم -
كشفت دراسة إسرائيلية عن تحول متزايد في طبيعة الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني، من صراع سياسي وقومي إلى صراع ذي طابع ديني، مشيرة إلى أن القيادتين السياسية والعسكرية في إسرائيل أسهمتا، خلال العقد الأخير، في ترسيخ هذا التحول الذي تقوده بصورة خاصة قوى الصهيونية الدينية المتطرفة.


وقالت الدراسة، التي نشرها رئيس منتدى الدراسات الفلسطينية في مركز «ديان» بجامعة تل أبيب، الدكتور ميخائيل ميلشتاين، في صحيفة «يديعوت أحرونوت»، تحت عنوان: «خطر حرب دينية وشيكة»، إن إسرائيل «لم تُجرّ إلى حرب دينية بشكل سلبي، بل قامت خلال السنوات الأخيرة، بقيادة قوى الصهيونية الدينية المتطرفة، بإعادة صياغة صراع كان في جوهره نزاعاً إقليمياً وقومياً، وتحويله بشكل منهجي إلى حرب دينية».هيئات تنفيذية

وأضافت أن هذا التحول ظهر على 3 مستويات رئيسية، هي الخطاب السياسي، والسلوك الاستيطاني، وإدارة المواقع المقدسة، مقابل ثمن يتمثل في استنزاف رصيد العلاقات مع الدول العربية وتراجع التوافق الداخلي الإسرائيلي.

وأوضحت الدراسة أن التقليد الاستراتيجي الإسرائيلي منذ قيام الدولة قام على تأطير الصراع العربي-الإسرائيلي باعتباره خلافاً قومياً وإقليمياً قابلاً للتفاوض، بما يعني أن للصراع حدوداً يمكن عندها فتح مساحة للتسوية، غير أن حكومة اليمين التي تشكلت أواخر عام 2022، وتعد الأكثر تطرفاً في تاريخ إسرائيل، أدخلت السردية التوراتية بصورة مباشرة إلى اللغة السياسية وممارسة الحكم.


واعتبرت أن تصريحات وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، بشأن ضرورة «إبادة قرية حوارة»، واستدعاءه «عقيدة يهوشع بن نون»، إلى جانب وصفه المواطنين العرب بأنهم «مواطنون مؤقتون»، لا يمكن التعامل معها باعتبارها مجرد خطاب انتخابي، وإنما تعكس تأسيساً لمنطق يرفض إمكانية الحل العلماني للصراع، فعندما يُعرّف الخصم باعتباره «عدواً توراتياً»، تصبح المفاوضات، وفق هذا المنطق، أقرب إلى الاستحالة.

وأشارت الدراسة إلى أن حركة المستوطنين الدينية التي يمثلها إيتمار بن غفير، حصلت على مكانة سياسية غير مسبوقة، وباتت أجندتها تؤثر بصورة مباشرة في توجهات الائتلاف الحاكم، ولم يعد الأمر متعلقاً بتيار هامشي، بل بقوة سياسية باتت ممسكة بجزء من مراكز القرار.

وتبرز الضفة الغربية بوصفها الساحة المركزية لهذا التحول، ففي المنطق العلماني، كان التوسع الاستيطاني يُطرح باعتباره ورقة مساومة ذات أبعاد أمنية وديموغرافية، بينما يتحول في المنطق الديني إلى تنفيذ لما يُقدّم باعتباره «أمراً إلهياً».


وقد دفعت حكومة «بن غفير-سموتريتش» باتجاه توسيع البناء الاستيطاني في الضفة الغربية والقدس، ليس فقط بدوافع أمنية أو سياسية، وإنما انطلاقاً من تصور يرفع السيطرة على ما تسميه إسرائيل «يهودا والسامرة» إلى مرتبة الواجب الديني.

ويكشف هذا السلوك عن مفارقة واضحة؛ ففي الوقت الذي تعلن فيه إسرائيل رسمياً سعيها إلى توسيع علاقاتها وتطبيعها مع الدول العربية، فإن سياساتها الفعلية في الضفة الغربية تقوّض الأساس الجغرافي لحل الدولتين، أما الغضب العربي، فلم يتحول حتى الآن إلى ردع فعّال، وهو ما فسّرته القيادة الإسرائيلية، وفق الدراسة، باعتباره دليلاً على أن «إسرائيل تخيف نفسها فقط».

وترى الدراسة أن جوهر هذا الخطأ في التقدير يكمن في أن السياسة، عندما تقدس، تتوقف التكاليف الخارجية عن أن تكون جزءاً أساسياً من معادلة القرار.

وتُعد القدس من أخطر ساحات هذا التحول الديني، إذ كان الحفاظ على الوضع القائم في الحرم القدسي يشكل، على مدى عقود، امرا اساسيا، غير أن قوى الصهيونية الدينية تدفع باتجاه فرض ما تسميه «السيادة الإسرائيلية» على المسجد الأقصى، من خلال تكثيف الاقتحامات والزيارات الدينية، وطرح نقاشات علنية بشأن إخلاء المسجد تمهيداً لإقامة الهيكل، الأمر الذي ينذر بتفجير هذا التفاهم.


وفي الداخل الإسرائيلي، تشير الدراسة إلى أن المجتمع يشهد انقساماً عميقاً، في ظل النمو السكاني المتسارع للحريديم الذي يعيد تشكيل البنية الديموغرافية، بالتزامن مع تآكل العقد الاجتماعي بين العلمانيين والمتدينين، ولا سيما في ما يتعلق بتوزيع عبء الخدمة العسكرية.

وفي ظل هذه التحولات، فإن ربط التوجه الاستراتيجي للدولة بسردية الخلاص الديني لا يمثل، وفق الدراسة، مجرد مغامرة سياسية في السياسة الخارجية، بل رهاناً أيضاً على طبيعة المجتمع الإسرائيلي ومستقبله وتماسكه الداخلي.


وخلص مركز «ديان» إلى أن التحول الديني في إسرائيل ليس انحرافاً عابراً في السياسة، وإنما يمثل استراتيجية طويلة الأمد لقوى الصهيونية الدينية، مدفوعة بالتغيرات الديموغرافية وحسابات الائتلاف السياسي.

وأكدت الدراسة أن الخطر الجوهري لهذا التحول لا يتمثل فقط في «إغضاب الدول العربية»، فهذا مجرد نتيجة، وإنما في أنه يسلب إسرائيل خيار الانسحاب والتسوية؛ فالدولة التي تعرّف حدودها الأمنية والسياسية وفق سردية توراتية تجد نفسها عاجزة، منطقياً، عن قبول أي تسوية سلمية تتعارض مع تلك السردية.

وهنا يكمن المأزق الحقيقي: عندما تصبح الحرب مقدسة، يصبح السلام هرطقة.