البحث العلمي شريك رئيسي للصناعة
تُسهم الصناعة الأردنية بنحو ربع الناتج المحلي الإجمالي وبنحو 40% من النمو الاقتصادي، ويصل أكثر من 2500 منتج صناعي أردني إلى 150 دولة. أرقام تؤكد أن المصنع قاطرة اقتصادنا، لكنها تطرح سؤالاً أعمق: كم من هذه القيمة صنعته معرفة أردنية؟
إن البحث العلمي هو الطريق الأقصر إلى ما تحتاجه مصانعنا: جودة أعلى للمنتج واستدامة لهذه الجودة، وكفاءة أكبر في كلفة الإنتاج؛ إذ تبلغ كلف الطاقة، وفق غرفة صناعة الأردن، ما بين 30 و35% من كلف الإنتاج في معظم القطاعات، وتتجاوز 40% في الصناعات كثيفة الاستهلاك. وتفرض الأسواق العالمية متطلبات متزايدة للاستدامة والبصمة الكربونية، ومنها آلية تعديل حدود الكربون الأوروبية، وهي تحديات لا تُواجَه إلا بالمعرفة والابتكار.
وليست هذه فكرة طارئة؛ فقد دعا جلالة الملك عبدالله الثاني إلى إطلاق برنامج لدعم البحوث العلمية التطبيقية وربطه باحتياجات الصناعة المحلية. ووجّه سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني سمو ولي العهد المجلسَ الوطني لتكنولوجيا المستقبل إلى تطوير منظومة البحث العلمي والابتكار، مؤكداً أهمية تحديد أولوياته والاستفادة من الكفاءات والمؤسسات الأردنية.
ولنا رصيد نبني عليه من المبادرات السابقة لربط الجامعات والباحثين بالمصانع، ومنها صندوق دعم البحث العلمي والتطوير في الصناعة الذي دُمج مع صندوق دعم البحث العلمي والابتكار. تجارب أثبتت أن اللقاء ممكن، وأن اللقاء العابر لا يصنع شراكة.
من هنا يتجه الصندوق، تحت مظلة المجلس الأعلى للعلوم والتكنولوجيا، إلى نقلة في المنهجية قوامها ثلاثة مبادئ. أولها أن يبدأ السؤال البحثي من المصنع لا من المختبر؛ فتحديد احتياجات الصناعة البحثية بدقة هو نقطة الانطلاق لأي تمويل رشيد، إذ يوجّه الموارد المحدودة إلى المشكلات الحقيقية. ولهذا غدت الصناعة لأول مرة محوراً رئيساً مستقلاً في برامج الصندوق. ووزارة الصناعة والتجارة والتموين وغرف الصناعة شريكان رئيسان؛ فالوزارة صاحبة السياسة الصناعية، والغرف الأقرب إلى نبض المصانع.
وثانيها أن تكون الشراكة تشاركاً حقيقياً في الكلفة والمخاطرة والملكية الفكرية، عبر أسس جديدة للمشاريع المرتبطة بالصناعة تُقيَّم على أساس جدواها وقابليتها للتطبيق. وقد شُكّلت لجنة المشاريع المرتبطة بالصناعة، وهي الأولى في تاريخ الصندوق، واستقبلت فعلاً عدة مشاريع قيد الدراسة. وثالثها أن يُقاس النجاح بما يصل إلى خط الإنتاج: منتج أجود، أو عملية أكفأ وأقل كلفة، أو وظيفة جديدة، لا بعدد الأوراق المنشورة وحدها.
إن الجسر بين الباحث والصناعي لا تبنيه مذكرات التفاهم، بل تبنيه الثقة المتراكمة والمشاريع الناجحة. ولذلك ندعو الصناعيين إلى أن يطرحوا على الصندوق مشكلاتهم، وندعو الجامعات إلى أن تحتسب البحث التطبيقي والشراكة مع الصناعة في معايير الترقية. عندها يرى الصناعي في الجامعة مختبره الممتد، ويرى الباحث في المصنع ميدانه الحقيقي، ويغدو «صُنع في الأردن» عنواناً للمعرفة قبل أن يكون عنواناً للمنشأ.