وجهات نظر

الواثق بنوره، لا يخشى بريق الآخرين

الواثق بنوره، لا يخشى بريق الآخرين

في حياة الإنسان مواقف كثيرة تكشف حقيقة ما يسكن داخله، ولعل من أكثرها وضوحًا أن يرى شخصًا آخر ينجح أمامه، أو يحقق إنجازًا كان يتمناه، أو يحظى بالتقدير والاهتمام الذي كان يطمح إليه. عندها لا يكون نجاح الآخر هو القضية الحقيقية، بقدر ما تكون ردة فعلنا تجاهه هي التي تستحق التأمل.
فمن الناس من يرى نجاح غيره مصدر إلهام، فيفرح له، ويتعلم منه، ويعتبره دليلًا على أن الوصول ممكن. ومنهم من يشعر بأن بريق الآخر يأخذ شيئًا من نوره، فيبدأ بالتقليل من إنجازه، أو البحث عن أسباب نجاحه، أو التشكيك في استحقاقه، وكأن مساحة الحياة لا تتسع إلا لشخص واحد حتى يثبت أنه الأفضل.

والحقيقة أن الإنسان الواثق من نفسه لا يحتاج إلى أن يكون متفوقًا على الجميع حتى يشعر بقيمته. هو يعرف نقاط قوته، ويدرك جوانب ضعفه، ويتعامل مع ذاته بقدر من التصالح يجعله قادرًا على الاعتراف بتميز الآخرين دون أن يشعر بأن ذلك يقلل منه.

فنجاح شخص آخر لا يعني فشلنا، وتقدم أحدهم لا يعني أننا تأخرنا، وتألق إنسان في مجال ما لا يعني أن الضوء انطفأ في داخلنا. لكل إنسان طريقه، وظروفه، وقدراته، والفرص التي مر بها، والتوقيت الذي وصل فيه إلى ما يريد.

قارئنا الكريم المشكلة تبدأ عندما تصبح المقارنة أسلوب حياة. فينشغل الإنسان بما لدى الآخرين، يبدأ في فقدان القدرة على رؤية ما لديه. يراقب نجاحهم، ويحسب خطواتهم، ويقارن إنجازاته بإنجازاتهم، ثم يعود إلى نفسه مثقلًا بالشعور بأنه أقل من غيره. ومع الوقت، قد يتحول هذا الشعور إلى غيرة، ثم إلى رغبة في التقليل من الآخر، وكأن تصغير إنجازه سيجعل إنجازاتنا أكبر.

وهنا علينا أن نكون صادقين مع أنفسنا؛ فالشعور بالغيرة قد يكون إنسانيًا، ولا يجعل الإنسان سيئًا بمجرد أن يشعر به. المهم هو ماذا يفعل بهذا الشعور. هل يحوله إلى حقد على الآخرين، أم يستمع إليه باعتباره رسالة تخبره بشيء عن نفسه؟

فربما يكون نجاح شخص آخر قد كشف لنا حلمًا أهملناه، أو هدفًا أجلناه، أو موهبة لم نمنحها الوقت الكافي. وربما جعلنا ندرك أننا لسنا غاضبين من نجاحه بقدر ما نحن غاضبون من أنفسنا لأننا لم نبدأ بعد. وعندها يمكن أن تتحول الغيرة إلى سؤال أكثر نضجًا: ماذا أستطيع أن أفعل أنا؟

ليس المطلوب أن نتوقف عن الطموح، أو أن نتظاهر بأننا لا نرغب في النجاح، بل أن نتعلم كيف ننافس أنفسنا قبل أن ننافس الآخرين. أن نسأل: هل أصبحت اليوم أفضل مما كنت بالأمس؟ هل اقتربت من أهدافي؟ هل استثمرت قدراتي؟ هل فعلت ما أستطيع فعله؟

فالناس لا يبدأون من النقطة نفسها، ولا يسيرون في الظروف ذاتها، ولا يحصلون على الفرص نفسها. ولهذا فإن مقارنة حياتنا بحياة الآخرين ليست دائمًا عادلة، لأننا غالبًا نقارن ظاهر حياتهم بخفايا حياتنا.

ومن أجمل علامات النضج والرضا أن تستطيع أن ترى شخصًا ناجحًا فتقول له بصدق: أحسنت، دون أن تشعر أنك خسرت شيئًا. أن تفرح لإنجاز غيرك، وأن تعترف بموهبته، وأن تتعلم من تجربته، ثم تعود إلى طريقك دون شعور بالنقص. فالحياة ليست سماءً لا تتسع إلا لنجم واحد. هناك متسع للجميع، ولكل إنسان مساحة يستطيع أن يضيء فيها بطريقته الخاصة.

ختامًا، لا تجعل مهمتك إطفاء أضواء الآخرين كي يبدو نورك أكثر وضوحًا. اهتم بمصباحك أنت؛ نظّفه من الخوف، وقوّه بالعمل، واحمه من الشك، واترك الآخرين يضيئون كما يشاؤون. فالنور الحقيقي لا يحتاج إلى ظلام من حوله حتى يُرى. والواثق بنوره لا يخشى بريق الآخرين، لأنه يعرف أن تألقهم لا ينتقص منه، وأن لكل إنسان نوره الخاص، وأن أجمل ما في الحياة أن نضيء دون أن نطفئ أحدًا.