وجهات نظر

العقوبات ومن يدفع الثمن

العقوبات ومن يدفع الثمن


عندما نتحدث عن العقوبات، فإن أول ما يتبادر إلى الذهن هو السياسة والاقتصاد، لماذا فُرضت، وعلى من، وهل استطاعت أن تحقق الأهداف التي وضعت من أجلها. لكن هناك جانبا آخر لا يأخذ حقه من النقاش، وهو ما يحدث لصحة الناس عندما تطول العقوبات وتصبح جزءًا من حياتهم اليومية.
فالعقوبات، مهما كانت أسبابها ومبرراتها، لا تبقى حبيسة القرارات والبيانات السياسية، وإنما تبدأ آثارها مع الوقت بالانتقال إلى الاقتصاد، ومنه إلى حياة الناس ودخولهم وقدرتهم على الحصول على الغذاء والدواء، ثم تصل إلى المستشفيات والصيدليات، وفي النهاية إلى المريض نفسه.

صحيح أن الأدوية والمستلزمات الطبية غالبًا ما تكون مستثناة من العقوبات، لكن التجربة تقول إن المسألة ليست بهذه البساطة. فقد يكون الدواء غير محظور، لكن البنك يتردد في تحويل ثمنه، والشركة تخشى التعامل، والشحن يصبح أكثر صعوبة وكلفة، وقطع غيار الأجهزة الطبية تتأخر، والمواد المخبرية لا تصل في الوقت المطلوب. وهكذا يصبح الاستثناء موجودًا على الورق، بينما تبقى المشكلة قائمة على الأرض.

والأثر الصحي للعقوبات لا يظهر دائمًا بصورة مفاجئة وواضحة، بل قد يبدأ بنقص دواء، أو تأخر فحص، أو جهاز طبي لا يمكن إصلاحه، ثم يتسع تدريجيًا ليصل إلى مرضى الأمراض المزمنة والسرطان، وإلى الأمهات والأطفال، وبرامج التطعيم والتغذية والصحة النفسية. ومع تراجع الوضع الاقتصادي وارتفاع الأسعار وضعف القدرة الشرائية، تصبح الفئات الأكثر هشاشة هي الأكثر تأثرًا، رغم أنها بالتأكيد ليست طرفًا في أي خلاف سياسي.

وقد تكون المشكلة الأكبر أن كثيرًا من هذه الآثار لا تسجل مباشرة تحت عنوان العقوبات. فعندما يتوقف دواء عن الوصول، أو يرتفع سعر الغذاء، أو يهاجر طبيب، أو تتراجع قدرة مستشفى على تقديم خدماتها، فإن كل حالة تبدو منفصلة عن الأخرى، لكن تراكمها مع مرور الوقت يمكن أن يضعف النظام الصحي بأكمله ويزيد المرض والفقر وعدم المساواة.

القضية هنا ليست دفاعًا عن دولة، ولا إنكارًا لحق المجتمع الدولي في استخدام الأدوات السياسية والاقتصادية، وإنما هي محاولة للفصل بين الضغط على الحكومات والضغط على حياة الناس. فهناك فرق كبير بين عقوبات تستهدف أشخاصًا أو مؤسسات بعينها، و اثار تمتد، بقصد أو من دون قصد، إلى مريض يحتاج إلى دوائه، أو طفل ينتظر لقاحه، أو أسرة تبحث عن علاج لم تعد قادرة على تحمل كلفته.

ولهذا فإن الاستثناءات الإنسانية، على أهميتها، لا تكفي وحدها. المطلوب أن تكون هناك طرق حقيقية وآمنة لوصول الأدوية والغذاء والمستلزمات الطبية، ومسارات مالية واضحة تستطيع البنوك والشركات استخدامها، إضافة إلى متابعة مستمرة ومستقلة للأثر الصحي والإنساني للعقوبات، بحيث يمكن التدخل قبل أن يتحول الضغط الاقتصادي إلى أزمة صحية وإنسانية.

السياسة لها حساباتها، والدول لها خلافاتها، والمصالح تتغير، لكن صحة الإنسان يجب ألا تصبح جزءًا من أدوات الصراع. وعندما نقيّم نجاح أي عقوبات، لا يكفي أن نسأل عما حققته سياسيًا أو اقتصاديًا، بل علينا أن نسأل أيضًا عن الثمن الصحي الذي دفعه الناس، ومن الذي عوقب في نهاية المطاف.