وجهات نظر

الأردن يستحق اقتصادًا يوازي استقراره (3/3)

الأردن يستحق اقتصادًا يوازي استقراره (3/3)


بعد أن تناولنا في المقالين السابقين أهمية الانتقال من الاستثمار إلى الإنتاج ومن الإنتاج إلى التشغيل والتصدير، نصل اليوم إلى الحلقة التي تجمع هذه المسارات في مشروع اقتصادي وطني متكامل يقوم على استثمار ما يمتلكه الأردن من موارد وإمكانات وتحويل ميزات المحافظات إلى عناصر قوة تدعم الاقتصاد الوطني.
الأردن يمتلك تنوعا مهما في موارده الطبيعية والزراعية والسياحية والصناعية إلى جانب رأسمال بشري يتمتع بالكفاءة والخبرة والقدرة على الإنجاز، والتحدي الحقيقي اليوم ليس في معرفة ما نملك بل في كيفية تحويل هذه الإمكانات إلى سلاسل إنتاج وقيمة مترابطة تخلق فرص العمل وتوسع قاعدة التصدير وتعزز قدرة الاقتصاد على النمو والاستدامة.

الفكرة تبدأ من المحافظات، فلكل محافظة إمكانات يمكن البناء عليها سواء في الزراعة أو الصناعة أو التعدين أو السياحة أو الطاقة أو الخدمات أو التكنولوجيا لكن القوة الحقيقية تظهر عندما تصبح هذه الميزات جزءا من منظومة وطنية واحدة يكمل فيها نجاح محافظة نجاح محافظة أخرى.

فالمحاصيل الزراعية في منطقة ما يمكن أن تتحول إلى مواد أولية لمصانع في منطقة أخرى ومن ثم إلى منتجات غذائية قابلة للتعبئة والتخزين والتسويق والتصدير كما يمكن للثروات المعدنية أن تنتقل من مرحلة الاستخراج إلى المعالجة والتصنيع وفق الجدوى الاقتصادية بما يرفع القيمة المضافة ويوجد فرصا جديدة للعمل والاستثمار.

وتبرز الثروات الطبيعية مثالا واضحا على حجم الفرصة المتاحة أمام الأردن فرمال السيليكا يمكن أن تكون أساسا لصناعات متعددة بعد معالجتها كما يمكن التوسع في الصناعات المرتبطة بالفوسفات والبوتاس والنحاس وغيرها بما يعزز حضور المنتج الأردني في الأسواق.

والفكرة هنا لا تتعلق فقط بزيادة ما نصدره بل بزيادة القيمة التي نصنعها داخل الأردن قبل وصول المنتج إلى الأسواق الخارجية فكل مرحلة تصنيع جديدة تعني نشاطا اقتصاديا ومهارات إضافية وفرص عمل وشركات مساندة وقيمة أكبر تبقى داخل الاقتصاد الوطني.

كما يمكن النظر إلى البحر الميت باعتباره أكثر من وجهة سياحية، فهو قادر على دعم منظومة تجمع السياحة العلاجية والخدمات الطبية والصناعات التجميلية والبحث العلمي والمؤتمرات والمنتجات المرتبطة بأملاحه ومعادنه وهو نموذج لما يمكن أن يحدث عندما يتحول المورد الواحد إلى محرك لعدة قطاعات.

وتأتي الطاقة المتجددة لتكمل هذه الصورة، فإمكانات الأردن في الطاقة الشمسية يمكن أن تدعم المناطق الإنتاجية والصناعات الجديدة وتجذب الاستثمارات والسؤال الأهم هنا ليس فقط كم ننتج من الطاقة بل ماذا نستطيع أن ننتج باستخدام هذه الطاقة؟

ويبقى الإنسان الأردني أساس هذه المنظومة، فلا اقتصاد إنتاجيا قويا من دون تعليم وتدريب ومهارات ترتبط باحتياجات المشاريع الفعلية ولذلك فإن تطوير التعليم المهني والتقني وربطه بسوق العمل يفتح أمام الشباب طريقا واضحا من التدريب إلى العمل ومن العمل إلى الإنتاج والابتكار.

وفي هذا السياق تتكامل جهود جلالة الملك عبدالله الثاني في جذب الاستثمارات وبناء علاقات الأردن الاقتصادية وفتح أبوابه أمام العالم مع اهتمام سمو الأمير الحسين بن عبدالله الثاني ولي العهد بالشباب وتمكينهم وتعزيز حضورهم في الاقتصاد والابتكار.

جلالة الملك يفتح أمام الأردن أبواب العالم، وسمو ولي العهد يفتح أمام الشباب أبواب المستقبل، وبين المسارين يمكن أن تتحول الاستثمارات إلى مشاريع، والمشاريع إلى إنتاج، والإنتاج إلى صادرات والشباب إلى قوة اقتصادية قادرة على المنافسة وصناعة المستقبل.

وعندما تجمع هذه العناصر تصبح التنمية شبكة وطنية متكاملة تستفيد فيها كل محافظة من ميزتها وتدعم المحافظات بعضها بعضا وتتحول الموارد إلى منتجات والطاقة إلى إنتاج والتعليم إلى مهارات والاستثمار إلى فرص وأسواق.

الأردن يمتلك ما يكفي لبناء قصة اقتصادية أكثر قوة وما يحتاجه هو استمرار العمل على ربط هذه الإمكانات ضمن منظومة واحدة تجعل من كل مورد بداية لقيمة جديدة ومن كل مشروع فرصة للعمل ومن كل محافظة شريكا حقيقيا في التنمية.

عندها يتحول الاستقرار الذي نفتخر به إلى قاعدة للإنتاج وتتحول الموارد إلى قيمة والقيمة إلى فرص والفرص إلى مستقبل أكثر قوة واستدامة في وطن يستحق اقتصادا يوازي استقراره ومكانته وطموح أبنائه.