السندات الخليجية تحت ضغط الحرب: هبوط مؤقت أم تحول دائم؟
شهدت أسواق السندات الخليجية خلال الأشهر الماضية تقلبات واضحة بفعل الحرب في المنطقة، وارتفاع أسعار النفط، وتزايد مخاوف التضخم، وصعود عوائد السندات الأميركية. وقد انخفضت أسعار عدد من السندات والصكوك الخليجية، وارتفعت عوائدها وفروقها الائتمانية مقارنة بسندات الخزانة الأميركية. لكن السؤال الأهم ليس ما إذا كانت الأسعار قد هبطت، فهذا حدث فعلاً في فترات التصعيد، وإنما: هل يمثل هذا الهبوط تحولاً دائماً في النظرة إلى الجدارة الائتمانية الخليجية، أم مجرد إعادة تسعير مؤقتة للمخاطر؟
لفهم ما يجري، ينبغي أولاً التمييز بين سعر السند وعائده. فعندما يبيع المستثمرون السندات أو يطالبون بعائد أعلى مقابل الاحتفاظ بها، ينخفض سعر السند وترتفع عوائده. وخلال الربع الأول من عام 2026، انخفض مؤشر S&P للسندات والصكوك في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو 1.94%، واتسعت فروق مخاطر الائتمان السيادية في دول مجلس التعاون مقارنة بنهاية عام 2025، في انعكاس مباشر لارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية.
لكن السندات الخليجية لم تتحرك بمعزل عن العالم. فقد ارتفعت عوائد السندات الحكومية في الولايات المتحدة وأوروبا وأسواق ناشئة عديدة نتيجة صعود أسعار الطاقة، وعودة مخاوف التضخم، وتوقع بقاء أسعار الفائدة مرتفعة فترة أطول. وفي أواخر تموز 2026 تجاوز عائد السند الأميركي لأجل ثلاثين عاماً 5.2%، وهو من أعلى مستوياته منذ قرابة عقدين. كما أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الحرب رفعت عوائد السندات السيادية عالمياً وشددت الأوضاع المالية، مع تأثر أكبر للدول الناشئة المستوردة للطاقة والأكثر هشاشة مالياً.
وهذا يعني أن جزءاً من هبوط السندات الخليجية ليس خليجياً بحتاً، بل نتيجة ارتفاع ما يسمى سعر الفائدة الخالي من المخاطر، أي عائد السند الأميركي الذي تُسعّر فوقه معظم السندات الخليجية المقومة بالدولار. فإذا ارتفع العائد الأميركي، يمكن أن ينخفض سعر السند الخليجي حتى لو بقيت الجدارة الائتمانية للجهة المصدرة دون تغيير.
أما الجزء الثاني من الضغط، فيعود إلى علاوة المخاطر الإقليمية. فالحرب أضعفت جزئياً الصورة التقليدية للخليج باعتباره ملاذاً آمناً داخل منطقة مضطربة، ودفعت المستثمرين إلى طلب عوائد إضافية مقابل احتمالات تعطل الطاقة والموانئ والملاحة أو اتساع الحرب. وقد حذرت وكالات التصنيف من آثار الصراع على النمو والتضخم والعوائد، وغيّرت فيتش نظرتها إلى القطاع السيادي العالمي في 2026 من "محايدة" إلى "متدهورة" بفعل الحرب.
ومع ذلك، لا تبدو الصورة سلبية بالكامل. فقد أظهرت الأسواق قدرة واضحة على التعافي عندما ظهرت مؤشرات التهدئة. فبعد وقف سابق لإطلاق النار، انخفض فارق مؤشر سندات دول الخليج إلى نحو 89 نقطة أساس، مقارنة بنحو 126 نقطة في ذروة التوتر في آذار، بل أصبح أقل من مستواه الذي قارب 100 نقطة قبل الحرب. وهذا يدل على أن قسماً كبيراً من الهبوط كان ناتجاً عن الخوف والسيولة والتسعير السريع للمخاطر، وليس عن انهيار في الأسس الاقتصادية.
كما بقي سوق الإصدار نشطاً نسبياً. فقد بلغ حجم سوق الدين الخليجي القائم نحو 1.2 تريليون دولار في آذار 2026، بزيادة سنوية تقارب 14%، بينما ارتفعت إصدارات الصكوك الخليجية بنحو 13.1% خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام. ووسعت الإصدارات الخليجية حضورها في المحافظ الآسيوية، إذ ارتفعت حصة المستثمرين الآسيويين في بعض الإصدارات إلى 15–20%، مقارنة بنحو 5–7% في مطلع 2024.
وهذه نقطة مهمة: السوق الذي فقد ثقة المستثمرين بصورة دائمة لا يستمر عادة في إصدار عشرات المليارات ولا يجذب قاعدة مستثمرين جديدة. كما أن معظم دول الخليج ما تزال تتمتع باحتياطيات مالية كبيرة، وصناديق سيادية ضخمة، واحتياطيات هيدروكربونية، وتصنيفات ائتمانية استثمارية مرتفعة. وتشير تقديرات إلى أن الأصول العامة الخارجية لدول الخليج بلغت نحو أربعة تريليونات دولار في 2025، ما يوفر حاجزاً مالياً مهماً في مواجهة الصدمات.
هل ستعود أسعار السندات للارتفاع؟ الاحتمال الأكبر نعم، لكن ليس بالضرورة إلى مستويات ما قبل الحرب بسرعة أو بصورة كاملة. ويتوقف ذلك على ثلاثة عوامل. العامل الأول هو مسار الحرب. فإذا تم التوصل إلى تسوية مستقرة وأُعيد فتح الممرات البحرية وعادت صادرات النفط والغاز إلى طبيعتها، ستنخفض علاوة المخاطر، وتتحسن أسعار السندات، وتتراجع العوائد. وقد بدأت عوائد السندات الأميركية نفسها بالانخفاض مع ظهور مؤشرات تقدم في المحادثات وعودة جزء من حركة النفط عبر مضيق هرمز.
العامل الثاني هو التضخم والفائدة الأميركية. فقد تنتهي الحرب، لكن تبقى السندات تحت الضغط إذا استمر التضخم مرتفعاً وأبقى الاحتياطي الفيدرالي الفائدة والعوائد طويلة الأجل عند مستويات مرتفعة. أي أن السلام الإقليمي قد يخفض الفارق الائتماني الخليجي، لكنه لا يضمن وحده عودة أسعار السندات إذا بقي العائد الأميركي مرتفعاً.
أما العامل الثالث فهو الوضع المالي لكل دولة أو شركة مصدرة. فالسندات القطرية والإماراتية والكويتية ذات الميزانيات الأقوى قد تتعافى أسرع من سندات الجهات الأعلى مديونية أو الأكثر تعرضاً للعقار والتمويل الخارجي. ولذلك يتوقع المستشارون العالميون أن يكون التعافي انتقائياً، لا ارتفاعاً موحداً لكل السندات الخليجية.
الخلاصة أن ما تشهده السندات الخليجية هو مزيج من صدمة عالمية في أسعار الفائدة وصدمة إقليمية في المخاطر الجيوسياسية. ولا توجد حتى الآن مؤشرات كافية على أن المستثمرين فقدوا ثقتهم بصورة دائمة في الائتمان الخليجي. بل إن استمرار الإصدارات، وثبات التصنيفات في معظم الحالات، وعودة الفروق إلى الانخفاض عند كل تهدئة، كلها توحي بأن الجزء الأكبر من الهبوط قابل للانعكاس.
لكن العودة لن تكون تلقائية. فكلما طال أمد الحرب، أو تعرضت منشآت الطاقة والموانئ للمزيد من الضرر، أو استمرت العوائد الأميركية عند مستوياتها العالية، طال أمد الضغط على الأسعار. لذلك تبدو النظرة الأكثر توازناً هي أن السندات الخليجية قد تستعيد جزءاً مهماً من قيمتها بعد تسوية مستقرة، لكنها ستظل تحمل علاوة مخاطر أعلى مما كانت عليه قبل الحرب، على الأقل لفترة، إلى أن يقتنع المستثمر العالمي بأن الاستقرار عاد فعلاً، لا مؤقتاً.
لفهم ما يجري، ينبغي أولاً التمييز بين سعر السند وعائده. فعندما يبيع المستثمرون السندات أو يطالبون بعائد أعلى مقابل الاحتفاظ بها، ينخفض سعر السند وترتفع عوائده. وخلال الربع الأول من عام 2026، انخفض مؤشر S&P للسندات والصكوك في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا بنحو 1.94%، واتسعت فروق مخاطر الائتمان السيادية في دول مجلس التعاون مقارنة بنهاية عام 2025، في انعكاس مباشر لارتفاع علاوة المخاطر الجيوسياسية.
لكن السندات الخليجية لم تتحرك بمعزل عن العالم. فقد ارتفعت عوائد السندات الحكومية في الولايات المتحدة وأوروبا وأسواق ناشئة عديدة نتيجة صعود أسعار الطاقة، وعودة مخاوف التضخم، وتوقع بقاء أسعار الفائدة مرتفعة فترة أطول. وفي أواخر تموز 2026 تجاوز عائد السند الأميركي لأجل ثلاثين عاماً 5.2%، وهو من أعلى مستوياته منذ قرابة عقدين. كما أشار صندوق النقد الدولي إلى أن الحرب رفعت عوائد السندات السيادية عالمياً وشددت الأوضاع المالية، مع تأثر أكبر للدول الناشئة المستوردة للطاقة والأكثر هشاشة مالياً.
وهذا يعني أن جزءاً من هبوط السندات الخليجية ليس خليجياً بحتاً، بل نتيجة ارتفاع ما يسمى سعر الفائدة الخالي من المخاطر، أي عائد السند الأميركي الذي تُسعّر فوقه معظم السندات الخليجية المقومة بالدولار. فإذا ارتفع العائد الأميركي، يمكن أن ينخفض سعر السند الخليجي حتى لو بقيت الجدارة الائتمانية للجهة المصدرة دون تغيير.
أما الجزء الثاني من الضغط، فيعود إلى علاوة المخاطر الإقليمية. فالحرب أضعفت جزئياً الصورة التقليدية للخليج باعتباره ملاذاً آمناً داخل منطقة مضطربة، ودفعت المستثمرين إلى طلب عوائد إضافية مقابل احتمالات تعطل الطاقة والموانئ والملاحة أو اتساع الحرب. وقد حذرت وكالات التصنيف من آثار الصراع على النمو والتضخم والعوائد، وغيّرت فيتش نظرتها إلى القطاع السيادي العالمي في 2026 من "محايدة" إلى "متدهورة" بفعل الحرب.
ومع ذلك، لا تبدو الصورة سلبية بالكامل. فقد أظهرت الأسواق قدرة واضحة على التعافي عندما ظهرت مؤشرات التهدئة. فبعد وقف سابق لإطلاق النار، انخفض فارق مؤشر سندات دول الخليج إلى نحو 89 نقطة أساس، مقارنة بنحو 126 نقطة في ذروة التوتر في آذار، بل أصبح أقل من مستواه الذي قارب 100 نقطة قبل الحرب. وهذا يدل على أن قسماً كبيراً من الهبوط كان ناتجاً عن الخوف والسيولة والتسعير السريع للمخاطر، وليس عن انهيار في الأسس الاقتصادية.
كما بقي سوق الإصدار نشطاً نسبياً. فقد بلغ حجم سوق الدين الخليجي القائم نحو 1.2 تريليون دولار في آذار 2026، بزيادة سنوية تقارب 14%، بينما ارتفعت إصدارات الصكوك الخليجية بنحو 13.1% خلال الأشهر الأربعة الأولى من العام. ووسعت الإصدارات الخليجية حضورها في المحافظ الآسيوية، إذ ارتفعت حصة المستثمرين الآسيويين في بعض الإصدارات إلى 15–20%، مقارنة بنحو 5–7% في مطلع 2024.
وهذه نقطة مهمة: السوق الذي فقد ثقة المستثمرين بصورة دائمة لا يستمر عادة في إصدار عشرات المليارات ولا يجذب قاعدة مستثمرين جديدة. كما أن معظم دول الخليج ما تزال تتمتع باحتياطيات مالية كبيرة، وصناديق سيادية ضخمة، واحتياطيات هيدروكربونية، وتصنيفات ائتمانية استثمارية مرتفعة. وتشير تقديرات إلى أن الأصول العامة الخارجية لدول الخليج بلغت نحو أربعة تريليونات دولار في 2025، ما يوفر حاجزاً مالياً مهماً في مواجهة الصدمات.
هل ستعود أسعار السندات للارتفاع؟ الاحتمال الأكبر نعم، لكن ليس بالضرورة إلى مستويات ما قبل الحرب بسرعة أو بصورة كاملة. ويتوقف ذلك على ثلاثة عوامل. العامل الأول هو مسار الحرب. فإذا تم التوصل إلى تسوية مستقرة وأُعيد فتح الممرات البحرية وعادت صادرات النفط والغاز إلى طبيعتها، ستنخفض علاوة المخاطر، وتتحسن أسعار السندات، وتتراجع العوائد. وقد بدأت عوائد السندات الأميركية نفسها بالانخفاض مع ظهور مؤشرات تقدم في المحادثات وعودة جزء من حركة النفط عبر مضيق هرمز.
العامل الثاني هو التضخم والفائدة الأميركية. فقد تنتهي الحرب، لكن تبقى السندات تحت الضغط إذا استمر التضخم مرتفعاً وأبقى الاحتياطي الفيدرالي الفائدة والعوائد طويلة الأجل عند مستويات مرتفعة. أي أن السلام الإقليمي قد يخفض الفارق الائتماني الخليجي، لكنه لا يضمن وحده عودة أسعار السندات إذا بقي العائد الأميركي مرتفعاً.
أما العامل الثالث فهو الوضع المالي لكل دولة أو شركة مصدرة. فالسندات القطرية والإماراتية والكويتية ذات الميزانيات الأقوى قد تتعافى أسرع من سندات الجهات الأعلى مديونية أو الأكثر تعرضاً للعقار والتمويل الخارجي. ولذلك يتوقع المستشارون العالميون أن يكون التعافي انتقائياً، لا ارتفاعاً موحداً لكل السندات الخليجية.
الخلاصة أن ما تشهده السندات الخليجية هو مزيج من صدمة عالمية في أسعار الفائدة وصدمة إقليمية في المخاطر الجيوسياسية. ولا توجد حتى الآن مؤشرات كافية على أن المستثمرين فقدوا ثقتهم بصورة دائمة في الائتمان الخليجي. بل إن استمرار الإصدارات، وثبات التصنيفات في معظم الحالات، وعودة الفروق إلى الانخفاض عند كل تهدئة، كلها توحي بأن الجزء الأكبر من الهبوط قابل للانعكاس.
لكن العودة لن تكون تلقائية. فكلما طال أمد الحرب، أو تعرضت منشآت الطاقة والموانئ للمزيد من الضرر، أو استمرت العوائد الأميركية عند مستوياتها العالية، طال أمد الضغط على الأسعار. لذلك تبدو النظرة الأكثر توازناً هي أن السندات الخليجية قد تستعيد جزءاً مهماً من قيمتها بعد تسوية مستقرة، لكنها ستظل تحمل علاوة مخاطر أعلى مما كانت عليه قبل الحرب، على الأقل لفترة، إلى أن يقتنع المستثمر العالمي بأن الاستقرار عاد فعلاً، لا مؤقتاً.