وجهات نظر

العالم لا يفتقر إلى العدالة… بل تطبيقها

العالم لا يفتقر إلى العدالة… بل تطبيقها

إن قوة العدالة الدولية ليست بكثرة عدد المحاكم والاتفاقيات، بل بقدرتها على الوصول إلى المتهم عندما يكون محميًا بالنفوذ. فالقانون الذي يتحرك سريعًا في مواجهة الضعفاء، ثم يتباطأ كلما اقترب من الأقوياء، لا يفقد فاعليته فحسب، بل يضع شرعيته الأخلاقية موضع تساؤل وانتقاد.
أعاد إعفاء المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية كريم خان من منصبه هذا المأزق إلى الواجهة. فالقرار صدر على خلفية اتهامات بسوء السلوك، وهي اتهامات تستوجب التحقيق والمساءلة؛ إذ لا يجوز أن تتحول المكانة القضائية إلى حصانة، ولا أن تدافع مؤسسة عن حقوق الضحايا بينما تتهاون في حماية العاملين داخلها. غير أن مشروعية المساءلة من حيث المبدأ لا تلغي ضرورة فحص نزاهة الإجراءات، ولا تمنع التساؤل عن المناخ السياسي الذي أحاط بها.

فإعفاء خان لم يقع في ظرف عادي، وإنما جاء بعد أن دخلت المحكمة في واحدة من أكثر مراحلها حساسية، عقب إصدار مذكرات توقيف مرتبطة بالحرب في غزة، وما تبع ذلك من ضغوط وانتقادات وعقوبات طالت المحكمة وبعض مسؤوليها. ولا يكفي هذا التزامن لإثبات أن القرار سياسي، لكنه يجعل استبعاد السياسة تمامًا قراءة ناقصة للسياق.

القضية، في جوهرها، أكبر من كريم خان؛ لأنها تكشف الخلل البنيوي في نظام العدالة الدولية. فالمحكمة تستطيع التحقيق وجمع الأدلة وإصدار مذكرات التوقيف، لكنها لا تمتلك قوة تنفيذية مستقلة، وتعتمد على تعاون الدول. وهنا ينتقل القرار من ساحة القانون إلى حسابات المصالح، فتختلف الاستجابة للمذكرات باختلاف هوية المتهم وموقعه وحجم النفوذ المحيط به.

وبذلك تنشأ عدالة مكتملة في النصوص، لكنها منقوصة في الواقع؛ عدالة قادرة على توثيق الجريمة، لكنها قد تعجز عن الوصول إلى مرتكبها. وهذه الفجوة بين الحكم والتنفيذ هي التي تمنح بعض المتهمين حصانة واقعية لم يقررها القانون، بل صنعتها موازين القوة.

ولا يعني نقد هذا الواقع التقليل من أهمية المحكمة أو الدفاع عن شخص مدعيها العام؛ فالأشخاص يُساءلون ويغادرون، أما القضايا فلا ينبغي أن تسقط بتغيّرهم. ومذكرات التوقيف التي أصدرتها المحكمة لا تزول بإعفاء خان، لأنها قرارات قضائية وليست مواقف شخصية. لكن الاختبار الحقيقي يبدأ الآن: هل تستمر التحقيقات بالجدية نفسها؟ وهل تُصان الأدلة وتُتابع الإجراءات، أم يدخل الملف مرحلة التباطؤ حتى يغيب عن الاهتمام الدولي؟

إن أخطر ما قد يتركه القرار ليس الفراغ في منصب المدعي العام، بل الرسالة التي قد تصل إلى خلفه وإلى العاملين في مؤسسات العدالة الدولية: إن الاقتراب من بعض الملفات قد تكون كلفته أعلى من القدرة على احتمالها. فإذا تسللت هذه القناعة إلى المؤسسات القضائية، فلن تكون هناك حاجة إلى تدخل سياسي مباشر؛ لأن الخوف سيتحول إلى رقابة ذاتية، والحذر إلى وسيلة صامتة لتعطيل العدالة.

لقد دخلت معاناة الفلسطينيين سجلات القضاء الدولي، ولم تعد قابلة للمحو بتغيير مسؤول أو إغلاق مرحلة إجرائية. لكن تسجيل المأساة لا يكفي؛ فالضحايا لا يحتاجون إلى أرشيف يحفظ آلامهم بقدر حاجتهم إلى عدالة تردع الجناة وتحمي الإنسان.

إن صدقية المحكمة لا تُختبر عندما تحاكم من لا سند له، بل عندما تواجه وتحاكم من تحميه القوة. فإذا واصلت عملها باستقلال، أثبتت أن القانون أكبر من الأشخاص والضغوط. أما إذا تراجعت ملفاتها الحساسة، فسيتأكد أن العالم لا يفتقر إلى قواعد العدالة، بل إلى الإرادة اللازمة لتطبيقها.