السياحة .. وفخ المواسم!
في وقت تشير فيه أرقام البنك المركزي إلى تراجع الدخل السياحي خلال النصف الأول من العام بنسبة 5.3%، نتيجة ما تشهده المنطقة والعالم من اضطرابات جيوسياسية، يصبح السؤال أكثر إلحاحا: هل تعاملنا مع السياحة باعتبارها قطاعا اقتصاديا استراتيجيا، أم اننا ما زلنا ننظر إليها كموسم عابر؟.
وبالرغم من هذا التراجع، حملت الأرقام "رسالة مهمة"، إذ ارتفع الدخل السياحي من الأشقاء العرب بنسبة 6.5%، وهي فرصة تستحق أن تبنى عليها استراتيجية وطنية أكثر جرأة، قوامها التركيز على الفعاليات الكبرى والمهرجانات النوعية القادرة على جذب الزائر العربي والأجنبي، وفي مقدمتها مهرجان جرش.
"جرش" ليس مجرد أمسيات غنائية وفعاليات ثقافية، بل منصة اقتصادية متكاملة، فعندما يستضيف المهرجان فنانا عربيا أو عالميا يمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، فإنه لا "يبيع تذاكر"حفلات فقط، بل يملأ الفنادق، وينشط المطاعم والأسواق، ويحرك قطاع النقل، ويعزز مبيعات الحرف والصناعات المحلية، ويضخ سيولة في شرايين الاقتصاد الوطني.
العالم لم يعد يتنافس على المواقع السياحية وحدها، بل على أحداث تدفع الناس للسفر، ولذلك أصبحت المهرجانات أداة تسويق اقتصادي قبل أن تكون أنشطة ثقافية أو فنية، والدول التي نجحت سياحيا هي التي حولت روزنامتها السنوية إلى سلسلة من الفعاليات القادرة على استقطاب ملايين الزوار.
الأردن يمتلك كل هذه المقومات، لكنه يحتاج لتوسيع دائرة الفعل، فلا يجوز أن يبقى "جرش" وحده في الميدان، فالمطلوب مهرجانات وفعاليات تمتد طوال الصيف والشتاء في مختلف المحافظات، ثقافية وفنية ورياضية وتراثية، تستهدف الأسواق العربية والعالمية، وتستقطب أسماء فنية وثقافية مؤثرة قادرة على تحويل الحفل أو نشاط إلى رحلة سياحية متكاملة.
اليوم، لم تعد السياحة ترفاً اقتصاديا موسميا، بل "ضرورة وطنية"في ظل تراجع بعض المؤشرات الاقتصادية، فكل دينار يستثمر بفعالية سياحة ناجحة يعود أضعافا على الاقتصاد من وراء الإنفاق السياحي، وفرص العمل، وتحريك عشرات القطاعات المرتبطة بالسياحة بشكل مباشر وغير مباشر.
خلاصة القول، لا يكفي أن نمتلك البتراء ووادي رم والبحر الميت وجرش، بل يجب أن نصنع سببا جديدا يدفع السائح لاختيار الأردن كل عام، فالمهرجانات ليست بندا للإنفاق، وإنما "استثمار" بعائد مرتفع، وأحدى أسرع الأدوات لتنشيط الاقتصاد، وتعزيز صورة الأردن، وإعادة الزخم لقطاع السياحة الذي يبقى من أهم روافع النمو الوطني.