مجتمعات

فريق "من الجزري" يوثّق نظام الحصاد المائي القديم في البادية الشمالية

فريق "من الجزري" يوثّق نظام الحصاد المائي القديم في البادية الشمالية

للعلّم - في خطوة تجمع بين التراث المائي، والابتكار الرقمي، والاستدامة البيئية، يعمل فريق من الجزري الرقمي للذكاء الاصطناعي والابتكار البحثي على تطوير مشروع نوعي بعنوان: Reviving Umm Al-Jimal's Water Wisdom: A Digital Simulation Model for Sustainable Arab Desert Communities أو: "إحياء حكمة أم الجمال المائية: نموذج محاكاة رقمي لاستدامة المجتمعات الصحراوية العربية".

ويقوم المشروع على استلهام نظام الحصاد المائي التاريخي في أم الجمال، بما يتضمنه من خزانات وقنوات ومسارات للجريان السطحي وآليات للتخزين وتقليل التبخر، ثم تحويل هذه الحكمة المائية القديمة إلى نموذج محاكاة رقمي معاصر، يمكن دراسته وتطويره وعرضه على البلديات والجهات البحثية والبيئية وصناع القرار والمانحين، دون أي تدخل مادي في الموقع الأثري أو محاولة لترميمه أو إعادة بنائه.

ويضم الفريق العامل على المشروع كلًا من الأستاذ الدكتور أحمد النعيمي، والسيدة عايدة عمر، والدكتورة إنصاف بدر، والدكتور نضال المساعيد، حيث قام الفريق بأكثر من زيارة ميدانية إلى أم الجمال في البادية الشمالية، وإلى مواقع صحراوية وبازلتية شبيهة باتجاه دير الكهف والبادية الشرقية، تصلح كنماذج مقارنة أو حالات اختبار لمحاكاة المشروع الأصلي. وهدفت هذه الزيارات إلى معاينة الخزانات القديمة، والعمارة البازلتية، ومسارات المياه، وطبيعة البيئة الصحراوية، وتوثيق إمكانات تحويل المعرفة التراثية إلى أداة رقمية تعليمية وتخطيطية قابلة للتوسع.

وتتمثل فكرة المشروع في أن أم الجمال ليست مجرد موقع أثري عريق في شمال الأردن، بل تمثل ذاكرة هندسية وبيئية بالغة الأهمية، فقد طورت المجتمعات القديمة فيها، قبل نحو ألفي عام، وسائل عملية للتعامل مع ندرة المياه، من خلال جمع مياه الأمطار، وتوجيهها عبر قنوات، وتهدئة الرواسب، وتخزين المياه في خزانات مكشوفة ومغطاة، بما ساعد على استمرار الحياة في بيئة جافة وقاسية.

غير أن المشروع لا يسعى إلى نسخ الماضي كما كان، ولا إلى إقامة منشآت مائية مكلفة مباشرة، بل إلى فهم منطق هذا النظام القديم وتحويله إلى محاكاة رقمية توضح كيف تتحرك المياه في البيئة الصحراوية، وأين يمكن أن تُنشأ نقاط افتراضية للترسيب والتخزين، وكيف يمكن تقليل الفاقد بالتبخر، وكيف يمكن توظيف الطاقة الشمسية والمراقبة الرقمية والمواد التعليمية في بناء نموذج معرفي قابل للعرض والتطوير.

وقد لقي الفريق ترحيبًا من أبناء المنطقة خلال الزيارات الميدانية، حيث أبدى الأهالي اعتزازهم بالموقع واهتمامهم بالمبادرات التي تبرز قيمته التاريخية والبيئية. كما حرص عدد منهم على التقاط الصور مع الفريق عند مدخل أم الجمال، وأرسلوا لاحقًا رسالة ترحيب مصورة باللهجة البدوية، في مؤشر واضح على ارتباط المجتمع المحلي بالمكان ورغبته في أن يحظى بحضور أوسع على المستويين الوطني والعربي.

ويؤكد الفريق أن قوة الفكرة تكمن في قابليتها للتطوير خارج حدود أم الجمال نفسها. فالمحاكاة الرقمية المقترحة يمكن أن تُستخدم لاحقًا في قراءة مواقع صحراوية أخرى في الأردن، كما يمكن تكييفها معرفيًا في بيئات عربية مشابهة في قطر والمملكة العربية السعودية وسلطنة عمان، حيث تتقاطع تحديات ندرة المياه، وارتفاع درجات الحرارة، والحاجة إلى حلول مستدامة مستلهمة من الخبرة المحلية والتاريخية.

ويستعد الفريق لإطلاق حزمة من الأنشطة المرتبطة بالمشروع، تشمل إعداد ملف بصري ميداني يوضح عناصر الفكرة، وإنتاج مواد تعليمية باللغتين العربية والإنجليزية، وتطوير تصور لمحاكاة رقمية لمسارات المياه والخزانات ونقاط التخزين، وإعداد موجز سياساتي موجه إلى البلديات والوزارات والجهات البيئية والمانحين. كما يعمل الفريق على التحضير لمؤتمر إقليمي متخصص حول التراث المائي القابل للتطوير ومستقبل الاستدامة في الصحارى العربية، بمشاركة باحثين وخبراء ومهتمين من الأردن وقطر والسعودية وسلطنة عمان ودول عربية أخرى.

ويأتي هذا التوجه منسجمًا مع هوية الجزري الرقمي، الذي يحمل اسم العالم والمخترع العربي الجزري، أحد أبرز رموز الإبداع الهندسي في التاريخ، وخاصة في الابتكارات الميكانيكية والمائية. ومن خلال هذا الاسم، يسعى الجزري الرقمي إلى الربط بين التراث العلمي العربي، والذكاء الاصطناعي، والبحث التطبيقي، والحلول العملية التي تخدم المجتمعات.

ويستند الفريق في عمله إلى قدرة علمية وتنظيمية تجمع بين البحث، والتوثيق الميداني، والإنتاج المعرفي، والتعليم الرقمي، وبناء الشراكات، واستخدام أدوات الذكاء الاصطناعي في التصور والمحاكاة. كما أن العمل لا ينطلق من خطاب إنشائي عام، بل من زيارات ميدانية، وصور موثقة، ومراجع علمية، ورؤية واضحة لتحويل المعرفة التقليدية إلى أداة معاصرة للتعليم والتخطيط وصناعة السياسات.

ويرى الفريق أن المستقبل لا يحتاج فقط إلى حلول تكنولوجية منفصلة عن الذاكرة، ولا إلى احتفاء رمزي بالتراث دون أثر عملي، بل إلى الجمع بين الاثنين: أن نفهم كيف استطاعت المجتمعات القديمة أن تعيش في الصحراء، وأن نعيد قراءة حكمتها بأدوات العصر. ومن هنا، يطمح المشروع إلى أن تصبح أم الجمال نقطة انطلاق لنموذج عربي جديد يربط بين الماء، والتراث، والذكاء الاصطناعي، واستدامة المجتمعات الصحراوية.