اسقاط "اسوأ " نائب في تاريخ اميركا!!!
بهذه العبارة " العدائية والعدوانية " وصف الرئيس ترامب سقوط النائب التقدمي " توماس ماسي" ، والذي يعد من اكثر النواب الاميركيين عداء للصهيونية ولدولة الاحتلال ورموزها وتحديدا نتنياهو .
فما جرى مع ماسي يكشف أن الحزب الجمهوري لم يعد يعاقب خصوم ترامب فقط، بل بات يعاقب حتى الحلفاء الذين يرفضون الذوبان الكامل داخل مشروعه السياسي والشخصي ، لقد مثّل ماسي لسنوات نموذج " المحافظ العقائدي " والعنيد داخل الكونغرس.
لماذا سقط ماسي ؟
اعتقد ان هناك خمسة أسباب جوهرية وراء سقوطه:
أولاً: رفضه التحول إلى " جندي سياسي" لترامب ، فماسي لم يكن جمهورياً معادياً لترامب لكنه احتفظ بمساحة استقلالية أزعجت الرئيس الأميركي ، فقد انتقد بعض سياسات ترامب الخارجية، وتحفظ على طريقة إدارة الملفات الحساسة، ورفض أن يكون جزءاً من ثقافة " الطاعة المطلقة " داخل " ماغا" ، فداخل " ماغا " ، لم يعد كافياً أن تكون محافظاً أو حتى مؤيداً لترامب في معظم الملفات، بل المطلوب هو الاصطفاف الكامل خلف الرئيس وبخاصة في معاركه الشخصية .
ثانياً: تمسكه بالنزعة الليبرتارية القديمة :
ماسي ينتمي فكرياً إلى المدرسة الجمهورية الليبرتارية التي ترى أن الحكومة الفيدرالية يجب أن تكون محدودة للغاية ، لكن الحزب الجمهوري في عهد ترامب ابتعد تدريجياً عن هذا الفكر، واتجه نحو قومية اقتصادية وشعبوية تعتمد على الدولة القوية، والحروب التجارية، والتعبئة الجماهيرية، وحتى الإنفاق الانتقائي.
ثالثاً: موقفه من السياسة الخارجية وإسرائيل :
من أخطر ما فعله ماسي أنه خرج عن الإجماع التقليدي في واشنطن تجاه الدعم غير المشروط لإسرائيل، كما رفض بعض سياسات التصعيد الخارجي، خصوصاً تجاه إيران ، هذه المواقف جعلته يصطدم بجماعات ضغط نافذة وبتيارات قوية داخل الحزب الجمهوري، خصوصاً أن مرحلة ما بعد حرب غزة شهدت حساسية عالية تجاه أي صوت يحاول إعادة النقاش حول الدعم الأميركي الخارجي لاسرائيل ، وهنا علينا ان نلاحظ ان " ماغا " نفسها تعيش انقساماً داخلياً بين تيار انعزالي يريد تقليص التدخلات الخارجية، وتيار قومي يميني يرى أن القوة الأميركية يجب أن تبقى حاضرة بقوة في الشرق الأوسط والعالم ، وماسي وجد نفسه عالقاً بين التيارين.
رابعاً: المال السياسي وتحالفات النفوذ :
المعركة ضد ماسي لم تكن عادية ، فقد تدفقت أموال ضخمة لإسقاطه، في رسالة واضحة لكل جمهوري يفكر بالخروج عن الخط العام للحزب ( 30 مليون دولار قدمت لحملة منافسه اد غالرين ) ومن ابرز الداعمين ماليا لاسقاط ماسي كانت مريام شيلدون ادلسون ارملة ادلسون الداعمة لسياسات ترامب ونتنياهو بلا حدود ، وهذه النقطة شديدة الأهمية، لأن ما حدث لم يكن مجرد منافسة انتخابية، بل " عملية تأديب سياسية" هدفها ترهيب الأصوات المستقلة داخل الحزب الجمهوري.
خامساً: تحوّل " ماغا " من حركة احتجاج إلى مؤسسة سلطة :
في بداياتها، ظهرت " ماغا" كحركة غضب ضد المؤسسة التقليدية في واشنطن، لكن مع مرور الوقت أصبحت هي نفسها مؤسسة نفوذ وسلطة ، وحين تتحول أي حركة احتجاجية إلى مركز قوة تبدأ تلقائياً بإنتاج آليات الإقصاء الداخلي، وهذا ما حدث مع ماسي.
ماذا يكشف سقوط ماسي عن مستقبل " ماغا" ؟
الأخطر في قضية ماسي أنها تكشف طبيعة المستقبل الذي ينتظر الحزب الجمهوري، فهناك اتجاه واضح لتحويل الحزب إلى تيار واحد يتمحور حول " الترامبية " وهذا سيؤدي مستقبلاً إلى طرد أو تهميش أي صوت مستقل حتى لو كان يمينياً بالكامل.
كما ان المشكلة الكبرى أن الحركة تعتمد بصورة هائلة على شخصية ترامب الكاريزمية ، لكن السؤال الصعب هو:
هل تستطيع " ماغا " البقاء كتيار موحد بعد غياب ترامب؟
حتى الآن، لا يبدو أن هناك وريثاً حقيقياً يستطيع جمع القاعدة الشعبوية نفسها ، وهذا قد يقود مستقبلاً إلى انقسامات حادة بين أجنحة الحزب الجمهوري.
فسقوط ماسي يعني أن الفكر المحافظ الكلاسيكي يخسر تدريجياً أمام الشعبوية السياسية، فالجمهوريون لم يعودوا يصوتون على أساس البرامج الاقتصادية أو الفكرية، بل على أساس الهوية والانتماء الثقافي والعاطفي ، وهذا الامر يعطي مؤشرا قويا على احتمال نشوء " يمين " أميركي أكثر راديكالية ، فكلما ضاقت مساحة الأصوات العقلانية أو المستقلة داخل الحزب الجمهوري، زادت فرص بروز تيارات أكثر تشدداً وأقل استعداداً للتسويات السياسية، ما قد يدفع الحياة السياسية الأميركية إلى مزيد من الاستقطاب والانقسام.