وجهات نظر

لعبة المرايا .. من يملك الحقيقة في عصر الإعلام السائل(2-2)

لعبة المرايا ..  من يملك الحقيقة في عصر الإعلام السائل(2-2)

الطفل العربي الذي ينشأ اليوم في هذه البيئة المشوشة ليس مجرد متفرج، بل ضحية صامتة. تقارير تربوية صادرة عن منظمات مثل اليونيسف تشير إلى أن الجيل الجديد يطور مهارات سطحية في التعامل مع المعلومات، فهو بارع في التنقل بين التطبيقات، لكنه عاجز عن قراءة مقال طويل أو تحليل خطاب سياسي. هذه الفجوة تجعله فريسة سهلة للأخبار الزائفة، لأنه تعلم أن يستهلك المعلومات كما يستهلك الوجبات السريعة، بسرعة وبدون مضغ.
في مواجهة هذا السيل الجارف، لا يمكن للرقابة الحكومية وحدها أن تنجح، لأن المنع غالباً ما يولد فضولاً أكبر ويخلق أسواقاً سوداء للمعلومة. التجارب العالمية تثبت أن الحل الأمثل يكمن في تعزيز الثقافة الإعلامية والتفكير النقدي من داخل النظام التعليمي. عندما يتعلم الطالب كيفية السؤال، وكيفية تتبع المصادر، وكيفية كشف المغالطات المنطقية، يصبح محصناً بشكل طبيعي. وهذا يتطلب إصلاحاً جذرياً لمناهج التعليم، التي لا تزال في كثير من البلدان العربية تركز على الحفظ والتلقين بدل التحليل والنقد.

وهنا تبرز تجارب دول سبقت غيرها في هذا المجال. ففي فنلندا، التي تُصنف عالمياً كرائدة في محو الأمية الإعلامية، تم دمج هذه المهارات في المناهج الوطنية منذ التسعينيات، ويبدأ تعليمها للأطفال في سن الثالثة. لا تُدرس كمادة منفصلة، بل كـ"تعدد معرفي" أي قدرة على تحليل وتقييم جميع أشكال المعلومات، من الإحصاءات في الرياضيات إلى الدعاية في التاريخ أو الصور المتلاعب بها في الفن. وفي سنغافورة، تُدرج مهارات المعلومات والإعلام ضمن منهج التربية على المواطنة والصحة الرقمية، وتطلق هيئة المكتبات الوطنية برنامج S.U.R.E القائم على أربع ركائز وهي المصدر والفهم والبحث والتقييم. هذه النماذج تثبت أن محو الأمية الإعلامية ليس رفاهية ثقافية، بل ضرورة أمن قومي في عصر المعلومات.

هناك جهود فردية تبشر بالخير. صحفيون مستقلون في لبنان وتونس والمغرب بدأوا مشاريع للتحقق من الأخبار بلغات محلية، واستطاعوا بناء جمهور واسع يثق بهم. منصات عربية مثل "فتبينوا" و"متصدقش" تقدم خدمات مجانية لفحص الصور والفيديوهات المتداولة. منصة "فتبينوا" الأردنية على وجه الخصوص، انطلقت كصفحة فيسبوك صغيرة عام 2014 لتصبح اليوم منصة مستقلة معتمدة من الشبكة الدولية لتدقيق الحقائق IFCN وشريكاً للتحقق من المعلومات مع شركة ميتا في 19 دولة في منطقة الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. هذه المبادرات تحتاج إلى دعم حقيقي، ليس فقط مالياً، بل عبر إدماجها في المناهج والإعلام الرسمي. كما بدأت تظهر أدوات تعتمد على الذكاء الاصطناعي قادرة على كشف الصور والفيديوهات المفبركة، وتتبع أصول المعلومات المضللة، وتحليل الأنماط اللغوية للحسابات الوهمية، لكن هذه الأدوات تحتاج إلى تطوير محلي يتناسب مع خصوصية المحتوى العربي. المعركة ضد التضليل لن تنتصر بقصف الحسابات الوهمية فقط، بل ببناء جيل قادر على تمييز الحقيقة بنفسه، وبإصلاح بيئي يجعل المعلومات الموثوقة متاحة ومغرية بقدر ما هي صادقة.

لن تعود الأيام التي كان فيها الناس يجتمعون حول مذياع واحد ليسمعوا نشرة أخبار موحدة. المستقبل سيكون أكثر تشتتاً وأكثر فوضى، خاصة في ظل تطور أدوات الذكاء الاصطناعي و الفيديوهات المفبركة و الأصوات و الصور و الأشكال التي من الممكن تقليدها بشكل لا يمكن تمييزه عن الواقع .لكن هذا لا يعني الاستسلام. كلما زادت سرعة تدفق المعلومات، زادت الحاجة إلى عقل بطيء يعرف كيف يتوقف، ويسأل، ويشك، ثم يقرر. الحقيقة لم تعد تُقدم على طبق من ذهب، بل تُستخرج من بحر هائج من الأكاذيب، ومن يستطيع الغوص سيصل إليها، ومن يبقى على السطح سيظل أسير الأمواج.