لعبة المرايا .. من يملك الحقيقة في عصر الإعلام السائل (1-2)
للعلّم - في زمن تتكاثر فيه الروايات… هل ما زلنا نبحث عن الحقيقة أم عمّا يشبهنا؟
في عالم لم يعد فيه الخبر يموت، بل يتجدد كل لحظة بشكل مختلف، يقف الإنسان المعاصر أمام مرايا مكسرة تعكس ألف صورة للحدث الواحد. لم يعد السؤال عن مصداقية المصدر، بل عن إمكانية وجود مصدر نقي أساساً. ففي خضم الثورة الرقمية، تحول الإعلام من ناقل للأخبار إلى صانع للواقع، وأصبح المتلقي ليس مجرد قارئ، بل مشاركاً فاعلاً في تشكيل الرواية قبل أن تتشكل. لكن الثمن كان باهظاً، فقد انهارت الحدود بين الحقيقة والخيال، وبين الخبر والإشاعة، وبين الصحفي والناشط.
لكن ماذا لو كانت المرايا مكسورة فعلاً؟
هذا السؤال ليس بلاغياً. تشير تقديرات صادرة عن مراصد إعلامية مستقلة وشبكات للتحقق من الأخبار، مثل منصة "فتبينوا" ومؤشر "الإعلام العربي" الصادر عن كلية دبي للإعلام، إلى أن نسباً كبيرة من الشباب العربي، قد تصل في بعض البلدان إلى النصف، تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر وحيد أو رئيسي لأخبارها. هذه الأرقام ليست قطعية ولا تدعي الكمال، لكنها ترسم اتجاهاً قلقاً؛ جيل يتلقى معلوماته من خوارزميات مصممة لجذب الانتباه، لا من معايير مهنية تهدف لنقل الحقيقة.
في المنطقة العربية، حيث تتداخل السياسة بالهوية والدين بالمصلحة، نرى نموذجاً حياً لهذا التحول. خذ مثلاً تغطية الحروب في غزة أو سوريا أو السودان، ستجد أن المشهد الواحد يُروى بعدة طرق متباينة كلياً. قناة تقول إن المدنيين قتلوا بقصف، وأخرى تقول إنهم سقطوا برصاص طائش، ومنصات التواصل تقدم العشرات من الفيديوهات التي يصعب التحقق من صحتها. في هذه الفوضى، يفقد المشاهد البسيط القدرة على التمييز، ويبدأ بالبحث عمن يصدق، لا عن الحقيقة ذاتها. ويزيد الطين بلة أن سياسات الرقابة الحكومية في بعض الدول العربية، التي تقيد الإعلام الرسمي وتفرض عقوبات على نشر أخبار الأمن أو ما يوصف بالشائعات، تدفع المواطنين بشكل طبيعي نحو البحث عن مصادر بديلة، حتى لو كانت هذه المصادر غير موثوقة أو مشبوهة. ففي بعض الدول العربية، تفرض قيود قانونية على تداول المعلومات الأمنية خارج القنوات الرسمية، مما يخلق فراغاً معلوماتياً سرعان ما تملؤه الحسابات المجهولة والمنصات غير الموثوقة.
هل لاحظت أنك عندما تختلف مع شخص حول خبر، فإنكما نادراً ما تذهبان للتأكد من المصدر الأصلي، بل يبدأ كل منكما بالبحث عن رابط يدعم وجهة نظره فقط؟
هذه هي اللحظة التي ينكشف فيها الخطر الحقيقي. ليس الخطر في أن يكذب الإعلام علينا فقط، بل في أن نصل إلى مرحلة لا نريد فيها سماع الحقيقة لأنها غير مريحة، ونفضل الأكاذيب الجميلة على الحقائق الموجعة. هذا ما تفعله الفقاعات المعلوماتية، تغذينا بما نريد سماعه، وتجعلنا نعتبر أي رأي مخالف هجوماً شخصياً. وهنا لا يمكن إلقاء اللوم على الجمهور فقط، فمنصات التواصل مثل ميتا وتيك توك وإكس لها دور هيكلي كبير في تضخيم المحتوى المثير للانقسام لأسباب اقتصادية بحتة. فخوارزميات هذه المنصات مصممة لتعظيم وقت المكوث والتفاعل، لأن كل نقرة وإعجاب ومشاركة تترجم مباشرة إلى عائدات إعلانية. وكشفت وثائق داخلية لشركة ميتا أن خوارزمياتها تستغل انجذاب الدماغ البشري للانقسام، وأن المحتوى المثير للاستقطاب يبقي المستخدمين في التطبيق لفترة أطول، مما يعني المزيد من الإعلانات والمزيد من الأرباح. هذه ليست نظرية مؤامرة، بل نموذج عمل قائم بذاته، يكسب المنصات مليارات الدولارات سنوياً، وتقدر بعض التقارير أن ميتا وحدها كسبت نحو 16 مليار دولار في عام 2024 من إعلانات احتيالية وبضائع محظورة.
لنتأمل كيف تداولت بعض المنصات خبر حرق المصحف في السويد عام 2023. انتشرت مقاطع فيديو بسرعة هائلة، ثم ظهرت تحقيقات صحفية لاحقاً تشير إلى أن بعض هذه المقاطع لم تكن توثق الحادثة نفسها أو كانت مقتطعة من سياقات أخرى. لكن النقطة الأهم ليست صحة كل فيديو على حدة، بل كيف أن الاندفاع للتفاعل مع الخبر سبق أي محاولة للتحقق، وكيف اشتعلت المشاعر العامة قبل أن تتضح الوقائع. في غضون أيام، استدعت دول سفراءها، وأطلقت منظمات المقاطعة قوائمها، وكل ذلك بناءً على رواية لم تكتمل بعد. من يتحمل المسؤولية؟ المنصات التي تسمح بالانتشار السريع، أم الجمهور الذي يندفع للغضب، أم السياسيون الذين يستغلون أي شرارة؟
الحقيقة أن الإعلام الجديد كشف أزمة أعمق في المجتمعات العربية، ألا وهي أزمة الثقة المؤسساتية. عندما لا يثق المواطن في حكومته، ولا في القضاء، ولا في التعليم، فإنه بالطبع لن يثق في الإعلام الرسمي، وسيلجأ إلى أي بديل يقدم له ما يريد سماعه، ولو كان كاذباً. هذه الحلقة المفرغة تنتج مجتمعاً منقسماً على نفسه، كل فئة تعيش في فقاعتها المعلوماتية الخاصة، تتبنى حقائقها الموازية، وتعتبر الطرف الآخر إما جاهلاً أو خائناً... يتبع الجزء الثاني
في عالم لم يعد فيه الخبر يموت، بل يتجدد كل لحظة بشكل مختلف، يقف الإنسان المعاصر أمام مرايا مكسرة تعكس ألف صورة للحدث الواحد. لم يعد السؤال عن مصداقية المصدر، بل عن إمكانية وجود مصدر نقي أساساً. ففي خضم الثورة الرقمية، تحول الإعلام من ناقل للأخبار إلى صانع للواقع، وأصبح المتلقي ليس مجرد قارئ، بل مشاركاً فاعلاً في تشكيل الرواية قبل أن تتشكل. لكن الثمن كان باهظاً، فقد انهارت الحدود بين الحقيقة والخيال، وبين الخبر والإشاعة، وبين الصحفي والناشط.
لكن ماذا لو كانت المرايا مكسورة فعلاً؟
هذا السؤال ليس بلاغياً. تشير تقديرات صادرة عن مراصد إعلامية مستقلة وشبكات للتحقق من الأخبار، مثل منصة "فتبينوا" ومؤشر "الإعلام العربي" الصادر عن كلية دبي للإعلام، إلى أن نسباً كبيرة من الشباب العربي، قد تصل في بعض البلدان إلى النصف، تعتمد على وسائل التواصل الاجتماعي كمصدر وحيد أو رئيسي لأخبارها. هذه الأرقام ليست قطعية ولا تدعي الكمال، لكنها ترسم اتجاهاً قلقاً؛ جيل يتلقى معلوماته من خوارزميات مصممة لجذب الانتباه، لا من معايير مهنية تهدف لنقل الحقيقة.
في المنطقة العربية، حيث تتداخل السياسة بالهوية والدين بالمصلحة، نرى نموذجاً حياً لهذا التحول. خذ مثلاً تغطية الحروب في غزة أو سوريا أو السودان، ستجد أن المشهد الواحد يُروى بعدة طرق متباينة كلياً. قناة تقول إن المدنيين قتلوا بقصف، وأخرى تقول إنهم سقطوا برصاص طائش، ومنصات التواصل تقدم العشرات من الفيديوهات التي يصعب التحقق من صحتها. في هذه الفوضى، يفقد المشاهد البسيط القدرة على التمييز، ويبدأ بالبحث عمن يصدق، لا عن الحقيقة ذاتها. ويزيد الطين بلة أن سياسات الرقابة الحكومية في بعض الدول العربية، التي تقيد الإعلام الرسمي وتفرض عقوبات على نشر أخبار الأمن أو ما يوصف بالشائعات، تدفع المواطنين بشكل طبيعي نحو البحث عن مصادر بديلة، حتى لو كانت هذه المصادر غير موثوقة أو مشبوهة. ففي بعض الدول العربية، تفرض قيود قانونية على تداول المعلومات الأمنية خارج القنوات الرسمية، مما يخلق فراغاً معلوماتياً سرعان ما تملؤه الحسابات المجهولة والمنصات غير الموثوقة.
هل لاحظت أنك عندما تختلف مع شخص حول خبر، فإنكما نادراً ما تذهبان للتأكد من المصدر الأصلي، بل يبدأ كل منكما بالبحث عن رابط يدعم وجهة نظره فقط؟
هذه هي اللحظة التي ينكشف فيها الخطر الحقيقي. ليس الخطر في أن يكذب الإعلام علينا فقط، بل في أن نصل إلى مرحلة لا نريد فيها سماع الحقيقة لأنها غير مريحة، ونفضل الأكاذيب الجميلة على الحقائق الموجعة. هذا ما تفعله الفقاعات المعلوماتية، تغذينا بما نريد سماعه، وتجعلنا نعتبر أي رأي مخالف هجوماً شخصياً. وهنا لا يمكن إلقاء اللوم على الجمهور فقط، فمنصات التواصل مثل ميتا وتيك توك وإكس لها دور هيكلي كبير في تضخيم المحتوى المثير للانقسام لأسباب اقتصادية بحتة. فخوارزميات هذه المنصات مصممة لتعظيم وقت المكوث والتفاعل، لأن كل نقرة وإعجاب ومشاركة تترجم مباشرة إلى عائدات إعلانية. وكشفت وثائق داخلية لشركة ميتا أن خوارزمياتها تستغل انجذاب الدماغ البشري للانقسام، وأن المحتوى المثير للاستقطاب يبقي المستخدمين في التطبيق لفترة أطول، مما يعني المزيد من الإعلانات والمزيد من الأرباح. هذه ليست نظرية مؤامرة، بل نموذج عمل قائم بذاته، يكسب المنصات مليارات الدولارات سنوياً، وتقدر بعض التقارير أن ميتا وحدها كسبت نحو 16 مليار دولار في عام 2024 من إعلانات احتيالية وبضائع محظورة.
لنتأمل كيف تداولت بعض المنصات خبر حرق المصحف في السويد عام 2023. انتشرت مقاطع فيديو بسرعة هائلة، ثم ظهرت تحقيقات صحفية لاحقاً تشير إلى أن بعض هذه المقاطع لم تكن توثق الحادثة نفسها أو كانت مقتطعة من سياقات أخرى. لكن النقطة الأهم ليست صحة كل فيديو على حدة، بل كيف أن الاندفاع للتفاعل مع الخبر سبق أي محاولة للتحقق، وكيف اشتعلت المشاعر العامة قبل أن تتضح الوقائع. في غضون أيام، استدعت دول سفراءها، وأطلقت منظمات المقاطعة قوائمها، وكل ذلك بناءً على رواية لم تكتمل بعد. من يتحمل المسؤولية؟ المنصات التي تسمح بالانتشار السريع، أم الجمهور الذي يندفع للغضب، أم السياسيون الذين يستغلون أي شرارة؟
الحقيقة أن الإعلام الجديد كشف أزمة أعمق في المجتمعات العربية، ألا وهي أزمة الثقة المؤسساتية. عندما لا يثق المواطن في حكومته، ولا في القضاء، ولا في التعليم، فإنه بالطبع لن يثق في الإعلام الرسمي، وسيلجأ إلى أي بديل يقدم له ما يريد سماعه، ولو كان كاذباً. هذه الحلقة المفرغة تنتج مجتمعاً منقسماً على نفسه، كل فئة تعيش في فقاعتها المعلوماتية الخاصة، تتبنى حقائقها الموازية، وتعتبر الطرف الآخر إما جاهلاً أو خائناً... يتبع الجزء الثاني